الالتهام الذاتي.. تعلم كيف تساعد جسمك على علاج نفسه

الالتهام الذاتي

يتألف الجسم من مئات المليارات من الخلايا، وتحتاج كل خلية منها إلى الطاقة من أجل صيانة مكوناتها والحفاظ على ديمومتها، ولكن إذا أصبحت الطاقة غير كافية لاستدامة مكونات الخلية المتهالكة أو التي توقفت عن العمل بشكل صحيح، فعندها تنطلق آلية تعرف باسم الالتهام الذاتي autophagy، وقد تم ربط هذه الآلية بفقدان الوزن، والتحكم بشكل أفضل في عمل هرمون الأنسولين، وتقليل مخاطر التعرض للأمراض، مثل أمراض القلب والشيخوخة والسرطان.
تم وصف الالتهام الذاتي لأول مرة في عام 1962 من قبل العالم الحائز على جائز نوبل كريسبيان ديوف بعد تجارب أجريت على خلايا كبد الفئران.


الالتهام الذاتي.. ماذا يعني؟

الالتهام الذاتي autophagy هو مصطلح مأخوذ من اللغة اللاتينية auto ذاتي، phagien التهام، وهي آلية فيسيولوجية طبيعية يتم من خلالها تفكيك المكونات التالفة أو غير المستعملة أو العناصر الأخرى غير الضرورية داخل الخلية من أجل إزالتها والتخلص منها أو إعادة تدويرها إلى مكونات جديدة يمكن استخدامها في الإصلاح الخلوي.


ويعد الالتهام الذاتي ضروريا جدا لأنه يهدف أساسا إلى استتباب التوازن الاستراتيجي في الخلايا السليمة والعاملة، وإذا لم يتم تشغيل الالتهام الذاتي بشكل صحيح فإن الفوضى حاصلة والمرض قد يكون آتيا إضافة إلى شيخوخة أسرع. أكثر من هذا، تقول الدكتورة إيلين روهوي، أخصائية الأعصاب التكميلية الحاصلة على شهادة البورد: "يمكن أن تحدد عملية الالتهام الذاتي ليس فقط كيف نعيش بشكل جيد، ولكن ربما إلى متى نعيش".

 

فوائد الالتهام الذاتي

ربطت دراسات مختلفة الالتهام الذاتي بفوائد صحية عديدة:

 

يحارب الالتهاب

يساعد الالتهام الذاتي على إيقاف الالتهاب من خلال التحكم في تصرفات عدة أنواع من الخلايا الالتهابية مثل البلاعم والعدلات والخلايا اللمفاوية والسيتوكينات، بحيث تكون هذه على أهبة الاستعداد وفي أفضل حالاتها لصد الالتهاب ومكافحته وتطويق الآثار المرتبطة به، من هنا فليست غريبة مراهنة البعض على أن الالتهام الذاتي قد يكون له دور في التخفيف من حدة وشدة بعض الأمراض، مثل داء كرون ومرض التليف الكيسي ومرض الانسداد الرئوي المزمن.

 

يعزز الشيخوخة الصحية

لا شك أن بعضنا لاحظ، ولو لمرة واحدة، أن هناك أناسا يهرمون بشكل أسرع من غيرهم من حيث المظهر والصحة العامة، فما هو السر وراء ذلك؟ إن السر يكمن في تدهور آلية الالتهام الذاتي التي تؤدي إلى تراكم البروتينات والعضيات التالفة التي تتداخل مع وظائف عمليات الجسم الطبيعية وعمليات الإصلاح، فبعض الناس لديهم المزيد من البروتينات والعضيات التالفة فلا يستطيعون التخلص منها كما يجب، الأمر الذي يعجل من عملية الشيخوخة الخلوية، وبالتالي يؤدي إلى حدوث الهرم المبكر. إن الانخراط في أنشطة تحفز الالتهام الذاتي يصون الخلايا ويحافظ عليها، ويساعد على التقدم في مشوار العمر بشكل سليم وصحي، فالالتهام الذاتي هو مضاد فعال للشيخوخة لأنه يدمر الخلايا القديمة، ويعزز نمو خلايا جديدة تجدد شباب الكائن الحي.

 

يساعد في إدارة الوزن

لا يرتبط الالتهام الذاتي مباشرة بفقدان الوزن، إلا أن السمنة والاضطرابات الأيضية المرتبطة بها مثل مقاومة الأنسولين والداء السكري النوع الثاني، ربما تكون على علاقة بنقص الالتهام الذاتي. تشير مراجعة بحثية نشرت في مجلة ناتشر، إلى أن تحفيز الالتهام الذاتي قد يساعد في التخلص من البروتنيات التالفة والنفايات الخلوية وفي تقليل الوزن والمضاعفات الناجمة عنه.

 

يساهم في الوقاية من الأمراض العصبية التنكسية

من المعروف أن تراكم البروتينات الضارة في دهاليز الخلايا الدماغية هو الشرارة التي تشعل فتيل عدد من الأمراض العصبية التنكسية، مثل داء ألزهايمر وداء باركنسون، ويبرر العلماء هذا الأمر بضعف الالتهام الذاتي، أما الآلية الدقيقة التي يتم من خلالها حصول تلك الأمراض فما زالت غير واضحة وليست مفهومة بشكل كامل. قد يساهم تحفيز الالتهام الذاتي في منع حصول التجمعات البروتينية الضارة في عقر دار الخلايا الدماغية، وبالتالي في الحماية من الأمراض المزمنة المرتبطة بالشيخوخة.  

 

يقلل من مخاطر الاصابة بأمراض القلب

وفقا لمراجعة بحثية نشرت في دورية الطب السريري 
clinical and transnational medicine، فإن تحفيز الالتهام الذاتي قد يساعد في التخلص من خلايا القلب التالفة، وبالتالي الحفاظ على صحة القلب، وفي الحماية من تصلب الشرايين الذي يعد السبب الرئيسي الذي يقف خلف النوبات القلبية والأزمات الدماغية.

 

 

يساعد على التحكم في مستوى السكر الدم

يعد الالتهام الذاتي مهما للتشغيل السليم لخلايا بيتا المنتجة لهرمون الأنسولين في غدة البنكرياس. تفيد بعض البحوث بأن تحفيز الالتهام الذاتي من شأنه أن يحافظ على خلايا بيتا ويحسن من حساسية وإشارات هرمون الأنسولين، الأمر الذي يساعد على ضبط مستوى السكر في الدم بشكل أفضل.

 

قد يمنع السرطان

ما زال الجدل هو سيد الموقف بشأن العلاقة بين الالتهام الذاتي والسرطان. قد يساعد الالتهام الذاتي في إيقاف السرطان قبل أن يبدأ أو عندما يكون في مراحله المبكرة من خلال منع نموه وانتشاره، أما في المراحل المتأخرة من السرطان فقد يساهم في نموه وفي مد أخطبوطه في مختلف أنحاء الجسم.  

 

قد يحمي الكبد

يهتم الباحثون بالعلاقة الموجودة بين الالتهام الذاتي وصحة الكبد، وقد كشفت مقالة نشرت عام 2020 عن الطرق التي يساعد فيها الالتهام الذاتي في حماية خلايا الكبد من الإصابات التي يسببها تعاطي المخدرات والكحوليات. وتفيد آخر البحوث التي نشرت حول هذا الموضوع بأن الالتهام الذاتي يلعب دورا في العديد من وظائف الكبد، ويمكن أن يمنع تطور العديد من أمراض الكبد بما فيها داء ويسلون، وإصابات الكبد الحادة، ومرض التهاب الكبد الدهني غير الكحولي، وأمراض الكبد المزمنة المرتبطة بالكحول.

 

كيف يمكن تحفيز الالتهام الذاتي؟

إن تدوير مكونات الخلية غير الضرورية هو أمر في غاية الأهمية للحصول على خلايا سليمة تعمل بكامل طاقتها بعيدا عن الأمراض ومشاكلها. لحسن الحظ هناك أشياء تحفز الالتهام الذاتي، وهي في متناول اليد، وليس من الصعب وضعها قيد التنفيذ، وتضم هذه ما يلي:

  • تطبيق نظام غذائي صحيح مفعم بالمغذيات ومضادات الأكسدة.
  • الانخراط في ممارسات رياضية مكثفة تحسن من وصول الإمدادات من هواء وغذاء وماء إلى الخلايا.
  • الابتعاد عن التوتر والإجهاد قدر المستطاع.
  • الاستحمام بالماء البارد.
  • النوم المنعش والجيد.
  • التواصل الاجتماعي.
  • الخروج إلى الهواء الطلق والتفاعل مع الطبيعة.
  • الصوم المتقطع.
  • الصوم المتقطع والالتهام الذاتي

إن الامتناع عن تناول الطعام يمثل الشرارة التي تشعل فتيل الالتهام الذاتي في ظل الظروف العادية. واذا أخذنا برأي بنجامين هورن، الباحث في الصحة العامة، فإن الصيام المتقطع يعد استراتيجية غذائية رائعة لأنه يتم فيها تناوب فترات الأكل مع فترات الصيام، وهذا ما يضمن التوازن ما بين إزالة الخلايا البالية وبقاء الخلايا السليمة سالمة.  

 

ما هي مدة الصيام اللازمة من أجل بدء الالتهام الذاتي؟

يعتقد أن الالتهام الذاتي يلوح في الأفق عندما تنخفض مستويات الغلوكوز والأنسولين بشكل كبير. أظهرت الدراسات التي أجريت على الحيوانات أن الالتهام الذاتي يبدأ بعد 24 ساعة من الصيام ليصل إلى الذروة بعد 48 ساعة من الصيام. أفادت بعض الدراسات التي أجريت على خلايا العدلات البشرية المستزرعة في المختبر بأن الالتهام الذاتي يحدث بعد 24 ساعة. أما عن المدة المثالية لدى الإنسان فلا توجد أي دراسة بعد توثق هذا الأمر. ولعل النصيحة التي نسوقها هنا لأي شخص يريد الصيام للحث على إطلاق عملية الالتهام الذاتي أن يبادر أولا بأول بمناقشة هذا الأمر مع المشرف على الرعاية الصحية.

 

 

هل هناك أطعمة تعزز من الالتهام الذاتي؟

يوصي جيفري بلاند، الخبير في جهاز المناعة الذي يطلق عليه لقب "أبو الطب المناعي"، بالبدء بنظام غذائي غني بالمواد الكيميائية النباتية الطبيعية من أجل تحريض عملية الالتهام الذاتي، وفي ما يلي نذكر أهم الأطعمة الغنية بالكيميائيات النباتية:

  • القنبيط.
  • براعم البروكولي.
  • الخضار الورقية الخضراء.
  • الطماطم.
  • الجزر.
  • القرع.
  • البطاطا الحلوة.
  • الكرز.
  • التوت.
  • التفاح.
  • الثوم.
  • البصل.
  • الكركمين.
  • جذور الزنجبيل.

أما عن الأغذية والأشربة المضادة للأكسدة فحدث ولا حرج، فحسب الخبير بلاند، فإن عددا منها يجب أن يحتل مكانا بارزا في الطبق اليومي لأنها تساعد على حماية الخلايا من التلف. ومن أشهر الأطعمة والأشربة الغنية بمضادات الأكسدة نذكر:

  • التوت.
  • عين الجمل.
  • الفراولة.
  • توت غوجي.
  • البنجر.
  • الفاصولياء.
  • الخرشوف.  
  • بودرة المورينجا.
  • عصير الرمان.
  • الشوكولاتة الداكنة.
  • القهوة.

الالتهام الذاتي بين الحسنات والسيئات

لا تتوفر بعد صورة كاملة عن تأثيرات الالتهام الذاتي وعن أفضل السبل لتحقيقها، وحسب الدراسات المتوفرة حتى الآن بين أيدينا فإن الالتهام الذاتي قد يكون جيدا أو سيئا بحسب الحالة، وفي ما يلي نستعرض عددا من الأمثلة:

  • في خصوص العدوى بالفيروسات والبكتيريا، تبين أن ااإلتهام الذاتي يكون جيدا مع بعض الأنواع وسيئا في أنواع أخرى. يسمح الالتهام الذاتي بالقضاء على مسببات بعض الأمراض من الميكروبات، ولكن هناك فيروسات وبكتيريا تستغل عملية الالتهام الذاتي لصالحها لكي تنمو وتتكاثر وتنتشر.
  • من جهة الأمراض العصبية التنكسية، فقد يكون للالتهام الذاتي تأثير وقائي كما الحال في أمراض مثل باركنسون وألزهايمر من خلال تدمير البروتينات الضارة المتهمة بأنها تقف خلف تلك الأمراض. ومع ذلك، فإن الالتهام الذاتي قد يسهل إنتاج بروتينات داخل الخلايا العصبية من شأنها أن تؤدي إلى انحلالها وخرابها.
  • بالنسبة للسرطان، يمكن للالتهام الذاتي أن يمنع تطوره إذا كان في مراحله المبكرة جدا، أما إذا كان السرطان متطورا ومنتشرا، فإن خلاياه تستفيد من عملية الالتهام الذاتي للبقاء على قيد الحياة لكي تنتشر في الطول والعرض في أنحاء الجسم.

في المختصر

الالتهام الذاتي هو آلية فسيولوجية طبيعية معقدة للغاية يتم تشغيلها في الجسم للتخلص من المكونات الخلوية المعيبة أو التالفة أو المريضة أو غير الضرورية من أجل بناء خلايا جديدة سليمة وصحيحة قادرة على القيام بوظائفها على أفضل ما يرام. هناك عوامل تعرقل عملية الالتهام الذاتي الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام استيطان الأمراض، خاصة تلك التي تزدهر في خريف العمر، ولكن لحسن الحظ، هناك عوامل تنشط عملية الالتهام الذاتي، من هنا تبدو أهمية الأخذ بها أو العمل عليها لفسح الطريق أمام انبثاق خلايا جديدة تنضح بالشباب والصحة والعافية.

 

المصادر
Autophagy: What It Is, Benefits, How To & More, From Experts
How Long Do You Need to Fast for Autophagy? - MedicineNet
Autophagy: Definition, health effects, fasting, and more

آخر تعديل بتاريخ
10 فبراير 2022

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك الآن

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث على موقعنا عن إجابة لسؤالك، منعا للتكرار.
  • اكتب بريدك الإلكتروني الصحيح (الإجابة ستصلك عليه).
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.

*لن يتم إظهار اسمك عند نشر السؤال.

Age gender wrapper
Age Wrapper
Country Wrapper

هذا الموقع محمي بواسطة reCaptcha وتنطبق عليه سياسة غوغل في الخصوصية و شروط الخدمة

This site is protected by reCAPTCHA and the GooglePrivacy Policy and Terms of Service apply.