يسعى كثيرون لتناول الأغذية الصحية والابتعاد عن المضر منها حتى لو كانت مفضلة لديهم، في مسعى منهم للحفاظ على رشاقة قوامهم وتجنب الأمراض التي يمكن تفاديها من خلال تناول الغذاء الصحي. 

لكن هذه المساعي قد تلاقي بعض الصعوبات، منها أن اتباع هذا النظام يفرض على بعض هجر بعض الأطعمة المفضلة لديهم، كالشوكولاتة مثلاً، فكثير منّا يتمنى أن تكون من الأغذية الصحية الموصي بها. 

ونجد أن كثيراً من المواقع الصحية تحدثت عن فوائد محتملة لتناولها، ولكن هذه الفوائد لم تصل إلى درجة التأكيد، إضافة إلى أن الأضرار الناتجة عن تناولها أصبحت مؤكدة علمياً، لذلك فكر مرتين قبل أن تصل يدك إلى لوح الشوكولاتة المغري.


* من أين جاء مصدر حديث هذه المواقع بفائدة الشوكولاتة؟
لو عدنا إلى أساس حديث المواقع الصحية عن فوائد الكاكاو، سنجده ناتجاً من دراسة تمت على حياة الهنود الساكنين على جزيرة كونا (قبالة ساحل بنما)، حيث ينخفض لديهم خطر الإصابة بأمراض القلب، الأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم.

حيث وجد الباحثون أن هذه الميزة لا ترتبط بالعوامل الوراثية لديهم، لأن الأشخاص الذين ابتعدوا عن هذه الجزر ارتفع لديهم معدل الإصابة بأمراض القلب وأمراض الأوعية الدموية، كما أصيب بعضهم بارتفاع ضغط الدم، مما يشير إلى وجود عوامل أخرى مرتبطة ببيئتهم الأصلية تحميهم من الإصابة بهذه الأمراض.

ولكن وجدت صلة بين استهلاكهم للشوكولاتة وبين هذا الانخفاض الملحوظ في تلك الأمراض. لذلك يقول الدكتور برنت إيغان، الباحث في جامعة جنوب كاليفورنيا الطبية والذي قام بدراسة تأثير الشوكولاتة على ضغط الدم: "إن الذي يثير الدهشة بشكل خاص هو مقدار الكاكاو الذي يستهلكونه والذي يزيد بعشرة أضعاف عن المعدل اليومي لاستهلاك الكاكاو لمعظمنا".



* ولكن هل الشوكولاتة التي يتناولها هنود كونا نفسها المتوفرة في أسواقنا؟
الجواب: الشوكولاتة التي يتناولها هنود الكونا بعيدة كل البعد عن الشوكولاتة التي يتناولها معظمنا، حيث إنها تصنع من حبوب الكاكاو الناضجة أو المجففة مع إضافة القليل من التحلية، أما الشوكولاتة التي نتناولها، فهي مصنوعة من حبوب الكاكاو التي يتم تحميصها ومعالجتها بطرق مختلفة، مع إضافة مكونات أخرى مثل الحليب كامل الدسم.

وتتم معالجة الشوكولاتة التي نتناولها باستخلاص مكونين رئيسيين من حبوب الكاكاو: الكاكاو بشكل مواد صلبة (مادة الكاكاو الصلبة) وزبدة الكاكاو.

ويتم إنتاج مسحوق الكاكاو باستخدام مادة الكاكاو الصلبة، أما الشوكولاتة فهي مصنوعة من مزيج من زبدة الكاكاو ومادة الكاكاو الصلبة، ويعتمد لونها جزئياً على كمية المواد الصلبة من الكاكاو والمواد المضافة الأخرى، مثل الحليب وغيرها.

وتكون الشوكولاتة أغمق كلما احتوت على المزيد من مادة الكاكاو الصلبة، ويعتقد الباحثون أن المواد الصلبة هي مركبات صحية، وعلى النقيض من ذلك، فإن الشوكولاتة البيضاء لا تحتوي على مواد صلبة للكاكاو إطلاقاً.

* دراسات أخرى
وقد شهد العقد الماضي العديد من الدراسات عن الآثار الصحية للشوكولاتة، يقول الدكتور لوك جوسي، من كلية الطب بجامعة هارفارد ومستشفى بريغهام للمرأة: "لدينا معلومات جيدة عن الشوكولاتة، وخاصة حول تأثير الداكنة منها على ضغط الدم".

حيث وجد فريق بحث انخفاض ضغط الدم بصورة عامة بين الناس الذين يتناولون المزيد من الشوكولاتة، ويضيف "تشير النتائج إلى أن تناول الشوكولاتة قد يؤدي لانخفاض ضغط الدم، وأن هذا التأثير يكون أقوى بين الناس الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم في البداية"، وقد بينت دراسات مختبرية العديد من الآليات التي قد تفسر الفوائد الصحية للشوكولاتة على القلب.



* محدودية تلك الدراسات
1- من الصعب إثبات ما إذا كانت الشوكولاتة التي نتناولها، والتي تختلف عن تلك التي يتناولها الهنود في جزيرة كونا لها نفس هذه الفوائد الصحية، كما إن هذه الدراسات تستلزم السيطرة على مقدار تناول الشوكولاتة وتتبعها لفترات طويلة من الزمن للحصول على نتائج موثوقة، إلا أن القيام بهذه الإجراءات لا يعتبر مهمة سهلة إطلاقاً.

وتنتقد الدكتورة رانجاناث مونيابا (العاملة في المعهد الوطني للصحة في أميركا والتي تدرس مرض السكري وصحة القلب والأوعية الدموية) التجارب السريرية التي أجريت لدراسة الفوائد الصحية للكاكاو، لإن هذه التجارب أجريت خلال مدة زمنية قصيرة، إضافة لكونها ركزت على علاقة الشوكولاتة بالعوامل المتعلقة بصحة القلب، كضغط الدم، ولم تتناول النتائج طويلة الأجل مثل أمراض القلب والسكتة الدماغية.

ومع وجود دراسات تناولت هذه النتائج الطويلة لكنها لم تكن دقيقة، لأنها اعتمدت على ما يتذكره الشخص عن الكمية التي يتناولها من الشوكولاتة يومياً، ومن ثم قارنت هذه البيانات مع النتائج الصحية.

2- إضافة لما تقدم، يميل العديد من الناس إلى تناول الطعام على نمط معين، فمثلاً قد يميل محبو الشوكولاتة إلى تناول الشوكولاتة مع شيء آخر كالحبوب الكاملة، أو قد يقترن تناولها عند بعض الناس بعد أو أثناء القيام بتمارين معينة أو الامتناع عن التدخين.

لذلك يصعب فصل آثار نمط الحياة المتبع عن النتائج التي يتم حصولها، لذلك يجب أن يتم تدوين ودراسة كيفية ونمط تناول الشوكولاتة أيضاً، يضاف إلى ذلك أن تلك الدراسات تستخدم أنواعاً مختلفة من الشوكولاتة مما يعني أن التأثير يختلف من نوع إلى آخر.

3- تتحدث دراسات أخرى عن احتواء الشوكولاتة على مستويات عالية من مركبات يعتقد أنها تساعد على منع السرطان، ولكن الدكتور جوزيف سو، وهو خبير في النظام الغذائي والسرطان لدى المعهد الوطني للصحة في أميركا، يتكلم عن صعوبة إثبات ذلك، إذ إن السرطان قد يستغرق عدة سنوات كي يتطور ويُكتشف، لذلك فإنه من الصعب إثبات ما إذا كان تناول الشوكولاتة يمكن أن يؤثر على المرض.

وبدلاً من ذلك، بدأ الباحثون دراسة ما إذا كانت العوامل المرتبطة بالسرطان تتغير عند استهلاك الشوكولاتة، ويضيف الدكتور سو "في الوقت الحالي، تظهر بعض الدراسات حقاً تغيراً ملحوظاً لتلك العلامات، ولكن الأدلة على أن الشوكولاتة يمكن أن تقلل من معدلات السرطان أو الموت في الناس لا تزال ضعيفة".

4- تشير بعض البحوث أيضاً إلى أن الشوكولاتة قد تساعد على الوقاية من مرض السكري، ومع ذلك، فإن التحديات في إثبات هذه الصلة مماثلة لتلك الصلة بينها وبين أمراض القلب والسرطان.

ويعتقد الباحثون أن احتواء الشوكولاتة على مركبات تدعى الفلافونالز (flavanols) هو المسؤول عن الآثار المفيدة لها، وتوجد هذه المركبات في الشاي والنبيذ والفواكه والخضراوات، ولكن مستويات هذه المركبات في الشوكولاتة تختلف اختلافاً كبيراً باختلاف أنواع الشوكولاتة.

كذلك فإن حبوب الكاكاو تختلف اختلافاً طبيعياً في مستويات الفلافانولز الموجودة فيها، إضافة لذلك فإن جزءاً كبيراً من الفلافانولز يتم إزالته أثناء معالجة حبات الكاكاو، حيث تقوم أغلب الشركات بإزالة هذه المركبات عمداً بسبب طعمها المر، وبالتالي فلا يوجد طريقة معينة لمعرفة ما إذا كانت المنتجات التي تتناولها تحتوي على مستويات عالية من هذه المركبات أم لا.

وعلى النقيض مما تقدم، تحتوي الشوكولاتة على كمية كبيرة من السعرات الحرارية، مما يجعل تناولها بكثرة يزيد من وزن الجسم، ومعروف ما لهذه الزيادة من أثر سلبي على صحة الإنسان.

وبعد كل هذا الجدل عن تناول الشوكولاتة، يلخص الدكتور سو هذا الكلام بنصائح ثمينة وهي:
1- إذا كنت ممن يتناولون الشوكولاتة فتأكد أولاً من قراءة محتوى السعرات الحرارية، ومحتوى الدهون ومحتوى السكر فيها، وانصحك بالبحث عن النوع الداكن، لا الشوكولاتة البيضاء أو شوكولاتة الحليب، لإنك لن تحصل على أي فائدة منهما، عدا المزيد من السعرات الحرارية غير الضرورية.

2- إذا كنت في العادة ممن لا يفضلون تناول الشوكولاتة، فلا تقلق لإنه لا توجد أدلة علمية رصينة تسمح بتقديم توصيات بتناولها.



* المصدر
Can Chocolate Really Be Good for You?

آخر تعديل بتاريخ 19 ديسمبر 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية