يدور الحوار التالي مراراً وتكرارا بين الجراح وأهل المريض: "يا دكتور: حضرتك أعطيت تعليماتك للمريض بالأكل والشرب وهو لم يخرج غازات بعد"، ويرد الجراح: "نعم"، ويسأل أهل المريض: "هل هذا صحيح؟"، يرد الجراح: "نعم لقد تغيرت السياسات والقواعد الطبية للأكل والشرب بعد العمليات منذ عدة سنوات".

لقد اخترت هذا الحوار المتكرر كبداية لهذا الموضوع الهام والذي نحتاج إلى مشاركة المرضى - بل حتى والأصحاء تفاصيله - فكلنا خضع أو سيخضع أو اقترب من العمليات الجراحية يوما ما بنفسه أو من خلال أحد من أهله وأصدقائه.

* ولنبدأ بهذا السؤال التمهيدي: لماذا يصوم المريض قبل إجراء العمليات الجراحية؟
ينصح الأطباء المرضى بالامتناع عن الأكل لفترة لا تقل عن 6 ساعات على الأقل، والامتناع عن الشرب حوالى 3 ساعات، وهى الفترة الكافية ليغادر الطعام والشراب المعدة إلى الأمعاء، وهي ما يضمن عدم حدوث ارتجاع في الطعام أو الشراب من الفم إلى القصبة الهوائية، وهو الأمر الذي قد يؤثر سلباً على الجهاز التنفسي للمريض أثناء فترة التخدير؛ حيث تتوقف ميكانيكيات حماية الجهاز التنفسي من استنشاق الطعام أو السوائل الموجودة في المعدة، وهذه الميكانيكيات تظل فاعلة مع الإنسان في حال اليقظة بل حتى في أحوال النوم الطبيعي.



* طفرة في قواعد الأكل والشرب بعد الجراحات
حدثت طفرة علمية في نهاية القرن الماضي في قواعد تناول الأكل والشرب بعد الجراحات؛ فأصبح من الثابت علمياً الآن بل هو متفق عليه فى كل المراكز الطبية أن يسمح للمريض ببدء تناول السوائل ثم الطعام بعد ساعات قليلة من الخروج من حجرة العمليات - من 2 إلى 6 ساعات - بعد إجراء العمليات الجراحية المختلفة، ويشمل ذلك عمليات الجهاز الهضمي مثل استئصال الزائدة أو استئصال المرارة أو إصلاح الفتق.

ففي العمليات التي تجرى خارج الجهاز الهضمي مثل عمليات الأطراف أو العظام أو التجميل يمكن للمريض تناول السوائل بالفم بعد ساعتين، بينما قد يتأخر ذلك بعد عمليات الجهاز الهضمي لخمس أو ست ساعات، ودائما المريض يكون هو سيد قرارة بمعنى يتوقف عن الشراب لو شعر بغثيان أو رغبة في التقيؤ.

والجدير بالذكر أن أسباب حدوث الغثيان بعد الجراحات هو التأثير المباشر لبعض أدوية التخدير والمسكنات على الجهاز العصبي والجهاز الهضمي، وغالبا يزول هذا التأثير بعد ساعات من الجراحة.

بل أيضا ينصح الأطباء بالشرب والأكل المبكر بعد عمليات استئصال أجزاء من المعدة أو الأمعاء أو القولون، والتي كان الأطباء في الماضي يمنعون المريض من تناول الطعام والشراب لأيام - قد تصل لأسبوع - ظناً أن في ذلك حماية لأمعائه من حدوث مضاعفات، وقد أثبتت الأبحاث عدم جدوى ذلك.

* والسؤال ما سبب هذا التغيير؟
ببساطة، نتائج الأبحاث الطبية ومتابعة آلاف المرضى بعد الجراحات أثبتت عدم حدوث مضاعفات بل على العكس أثبتت الكثير من الفوائد.

ولقد ساعدت أهم ثورة تقنية حدثت في عالم الجراحات في القرن الماضى - ألا وهي جراحات المناظير - كثيراً في إحداث هذه التغيرات، وصاحب ظهور تقنية جراحة المناظير ظهور واكتشاف سياسة جديدة فى التعامل مع المرضى - قبل وأثناء وبعد الجراحة - وهي ما تسمى الجراحات السريعة أو جراحات اليوم الواحد، وهي فكرة تهدف لتقليل مكوث المريض في المستشفى بعد العملية على أن يتم خروجه بأمان بعد تخطي مرحلة الخطر، وتعتبر سياسة "سرعة السماح للمريض بالشرب ثم الأكل" أحد العناصر الهامة لهذه السياسات الجديدة،

* ما هي أهم هذه الفوائد التي تتحقق بالشرب ثم الأكل بعد الجراحة بساعات؟
1. التخلص من إعطاء المحاليل والمغذيات من خلال الوريد بما تحمل من احتماليات – ولو قليلة - لحدوث مضاعفات والتهابات أو تفاعلات تحسسية أو مشكلات قلبية أو وريدية.
2. سرعة الحركة والمشي والخروج من المستشفى مما يقي المريض من حدوث جلطات وريدية أو إصابات تنفسية.
3. عدم حدوث إمساك أو جفاف.
4. تحسين الحالة النفسية للمريض.

* ما هي أنواع المشروبات والمأكولات التي ننصح بها المريض؟ وما هي الكيفية التي ننصحه بتناولها؟

- في الماضي كانت النصيحة أن يبدأ المريض بسوائل شفافة دافئة ثم عادية على أن يكون ذلك رشفة رشفة، ومن الأفضل ألا يستخدم الشفاط حتى لا يدخل المعدة هواء فيتسبب ذلك في حدوث الأمغاص خاصة لو كانت السوائل سكرية.
- ثم يبدأ المريض في تناول طعام طري سهل الهضم لعدة أيام.
- وبعد عدة أيام من ذلك يمكن للمريض أن يتناول كل ما يريده.
- أما الآن فقد تغير الحال فمن المقبول أن يبدأ المريض تناول السوائل من اليوم الأول، ويكون اختيارها حسب رغبة المريض، ثم يبدأ المريض فى اختيار ما يأكله من اليوم الثاني، وبالطبع ننصحه بالإنصات لصوت جسمه، وما يريده فيتوقف لو شعر بالغثيان، ويبدأ بما اعتاده من سوائل محببة لجسمه.

ختاماً
نؤكد أنه لا معنى للتمسك بقناعات قديمة في الرعاية الصحية للمريض تمثل قيوداً – أثبت العلم الحديث عدم جدواها - فنحرمه من الاستفاده من هذه الاكتشافات الحديثة ثم الاستمتاع بحياته الطبيعية وسط أهله وأصدقائه؛ طالما أن هذه الأساسيات الجديدة آمنة وسهلة التطبيق.
آخر تعديل بتاريخ 24 سبتمبر 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية