هل يوجد ما يسمى باكتئاب الفيسبوك؟ سؤال ما زالت الإجابة عليه محل جدل واختلاف بين الباحثين والمهتمين بالتأثيرات النفسية لوسائل التواصل الاجتماعي، بين مؤيدين لوجود هذا النوع من أنواع الاكتئاب، وآخرين يرفضون هذا الربط، بل ويرون أثرا نفسيا إيجابيا لوسائل التواصل.

ويرى المؤيدون أن السبب الرئيسي لهذا الاضطراب هو خوفنا من الشعور بالرفض والإهمال والنسيان، وهو خوف أزلي لدى الإنسان، ولكن في عصر الفيسبوك أصبح بإمكاننا تلمس صورة هذه المخاوف وقياسها من خلال حساب عدد الإعجابات والتعليقات والمشاركات. 

في البداية نوضح أن اكتئاب الفيسبوك يمكن أن يحدث لأسباب متعددة؛ منها على سبيل المثال لا الحصر:
- الاطلاع المستمر 24/7 على الأخبار السيئة والمشاهد الصادمة.
- أو ما يمكن أن يحدث بسبب تأثير الفيسبوك على العلاقات العائلية والإنجاز الأكاديمي والمهني؛ وغير ذلك من الأسباب..

ولكن ما نتحدث عنه في هذا المقال تحديدا هو نوع الاكتئاب الذي يحدث نتيجة التفاعلات والنشاط الاجتماعي على مواقع التواصل الأكثر شهرة، وبمعنى آخر هو نوع الاكتئاب الذي يحدث لك حتى لو كنت مكتفيا بالتفاعل في إحدى مجموعات الطهي أو الرياضة مثلا، ولم يكن للفيسبوك تأثير على علاقاتك العائلية.

وكما ذكرنا فإن الباحثين رجّحوا أن السبب الأساسي وراء حدوث هذا النوع من الاكتئاب هو تضخم الشعور بالرفض والإهمال والنسيان بعد أن أصبح قابلا للقياس.

وفي هذا المقال سنعرض بعض وجهات النظر المؤيدة والمعارضة لوجود ما يسمى اكتئاب الفيسبوك، وفي هذا السياق سنتعرف على دراسة حديثة معارضة لوجود هذا النوع من الاكتئاب، وتعزو الدراسة حدوثه لكونه مرتبطا بوجود سمات شخصية؛ منها العصاب والقلق والشعور بالغيرة وحسد الآخرين والمقارنة بين النفس وبين الآخرين.

* الأساس هو احتياجنا للقبول والانتماء وخوفنا من الرفض
يعتبر المؤيدون لوجود ما يسمى "اكتئاب الفيسبوك" أن أهم أسباب حدوثه هو الخوف من عدم القبول والرفض والنسيان والإهمال Fear of Missing Out.
وسأضرب لكم مثالا للتوضيح: "كنت تجلس وحدك في يوم عطلتك.. تتابع ما يفعله أصدقاؤك.. تجدهم في حفلة أو فسحة سويا.. وأنت بمفردك وتتمنى فسحة ممتعة.. وهنا تبدأ التساؤلات المزعجة من قبيل: لماذا لم يدعوك لتكون معهم رغم شعبيتك بين هذه المجموعة تحديدا؟ لا بد أنهم لا يحبون شيئا ما فيك.. ما هو هذا الشيء؟ كم عدد المناسبات الاجتماعية الأخرى التي فاتك حضورها؟"..
والمهم أنك ستجد نفسك منشغلا بهذا الأمر، مما يؤدي لانخفاض مستمر ومنتظم في تقديرك لذاتك؛ ومعه استمرار في البحث عن أسباب هذا "الازدراء والرفض من وجهة نظرك".

* جدل أكاديمي.. مع أو ضد
يدرك علماء النفس عبر الدراسات المتعددة أن للإنسان احتياجات أساسية من أهمها أن يشعر أنه مقبول ومنتم ومرئي، وأن هذه الاحتياجات تضغط دائما على الانسان؛ وتجعله يخاف من الإهمال والنسيان مما يؤدي لتضخيم مشاعر الاكتئاب وانخفاض تقدير الذات.

والجديد أنه مع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعية، أصبح الأمر قابلا للقياس؛ وأصبح في الإمكان تحديد عدد المرات التي لم تكن مدعوا فيها لمناسبة معينة، وبوضع هذه المخاطر في الاعتبار؛ فإن الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال (وهي من الجهات المؤيدة لوجود ما يعرف باكتئاب الفيسبوك) أصدرت تحذيرا من اكتئاب الأطفال والمراهقين بسبب الفيسبوك، وذلك لأن هذه الفئة العمرية هي الأكثر حساسية للرفض الاجتماعي.

لكن في المقابل، شككت جامعة هونغ كونغ شوي يان تاك سانغ تشاو وهاو ين وان (2017) في شرعية هذا الادعاء، وزعموا أن "اكتئاب الفيسبوك" غير موجود على الإطلاق، كما يعتقدون، وعلى العكس افترضوا وجود علاقة ترابط إيجابي بين استخدام الفيسبوك وارتفاع، وليس انخفاض، الرضا عن الحياة.

* دراسة معارضة 
هذه الدراسة أجراها باحثون صينيون، وبنيت فرضية الدراسة على أن العلاقة بين الفيسبوك والاكتئاب معقدة؛ ويأتي التعقيد، حسب الباحثين، من أن اكتئاب الفيسبوك هو نتيجة لديناميكيات العلاقات بين الأصدقاء الافتراضيين وبين شخصية القارئ، فتفسيرك لمشاركات أصدقائك ستختلف حتما عن طريقة تفكير الآخرين، وفي المثال المذكور أعلاه قد يشعر البعض بالإهانة أو الرفض عند مشاهدة صور الأصدقاء، وقد يشعر آخرون بالامتنان والسعادة لأن أصدقاءهم يقضون وقتا طيبا؛ وعلى الرغم من كونهم لم يشاركوا في هذا الحدث بالذات معهم.

وما تحاول الدراسة أن تسلط الضوء عليه وتدرسه هو:
هل ردة فعلك ستختلف وفقا لمدى قبولك لنفسك ورضاك عنها؟ وهل كلما كنت أقل قبولا لنفسك كلما استقبلت تصرفات الآخرين، التي تكون في الغالب عفوية وغير مقصودة، على أنها دليل واضح على نبذهم لك؟

ويعتقد الباحثون من هونغ كونغ أن السمة الشخصية التي تلعب دورا رئيسيا في حدوث اكتئاب الفيسبوك هي "العصاب Neurosis، والميل المزمن للقلق بشكل مفرط، وشعور متفش بانعدام الأمان"؛ ودرست العديد من الدراسات السابقة دور العصاب في سلوكيات مستخدمي الفيسبوك وكيف أنهم يحاولون تقديم أنفسهم في صورة مبهرة؛ سواء من خلال البوستات أو حتى من خلال صورهم الشخصية؛ ويتوقع الباحثون أيضا أن الغيرة والمقارنة الاجتماعية من السمات النفسية الأخرى التي يمكن أن تؤدي إلى اكتئاب الفيسبوك، ومن أجل هذا قاموا بدراسة هذه الصفات وتأثيراتها على مستخدمي الفيسبوك.

وشملت العينة المدروسة 282 من البالغين من جميع أنحاء العالم، الذين يستخدمون الفيسبوك بكثافة، والذين تراوحت أعمارهم بين 18 و73 (متوسط ​​عمر 33)، وثلثاهم من الذكور، وفيهم مزيج من الأعراق والإثنيات، وقامت العينة المبحوثة بإكمال مقاييس هدفها قياس سمات الشخصية وقياس الاكتئاب، ومن ضمن الأسئلة كانت هناك أسئلة لتقييم ساعات النشاط على الفيسبوك وعدد الأصدقاء، وكذلك عن مدى شعورهم بالمقارنة الاجتماعية والغيرة أثناء استخدام الفيس، وعلى سبيل المثال أحد الأسئلة التي وضعت لقياس المقارنة الاجتماعية هي "هل تعتقد أنك غالبا ما تقارن نفسك مع الآخرين عند قراءة الأخبار أو عند مشاهدة صور الآخرين؟"، و"هل تشعر بالضغط عندما يظهر الآخرون على الفيسبوك بمظهر مثالي؟"، وبالنسبة للغيرة والحسد سئل المشاركون أسئلة مثل "هل تعتقد أنه من الظلم أن يتمتع بعض الناس بكل أشكال المتع"، وأشارت النتائج إلى أن درجاتهم في المقاييس المختلفة سواء كان مقياس الاكتئاب، أو المقارنة الاجتماعية، أو الحسد والغيرة كانت في المنتصف في كل المقاييس.

* هل العلاقة بين الفيسبوك والاكتئاب علاقة سببية؟
حاولت الدراسة أن تجيب عن السؤال المهم وهو هل هناك علاقة سببية بين استخدام الفيسبوك والاكتئاب؟ وهل هؤلاء المستخدمون سيكونون أكثر اكتئابا عند استخدام الفيسبوك؟ وهل للفيسبوك عواقب وخيمة على الصحة العقلية؟
والحقيقة، وفقا للباحثين، فإنه من المبكر جدا أن نؤكد بشكل نهائي على وجود هذا العلاقة بين استخدام الفيسبوك والاكتئاب، وما توضحه الدراسة هي أن العصابين والأكثر قلقا بطبعهم هم أكثر عرضة لظهور أعراض الاكتئاب عندهم مع استخدام الفيسبوك، ومع التأكيد على أن الدراسة لا يمكنها إثبات العلاقة السببية بين استخدام الفيسبوك والاكتئاب.

وبالتالي، من وجهة نظر المؤلفين، لا يوجد ما يبرر حالة "الذعر المجتمعي" حول استخدام الفيسبوك؛ وحسب الباحثين أيضا فإن جل التقارير السلبية التي ظهرت سابقا عن الأنشطة الإلكترونية؛ بما في ذلك أنشطة ألعاب الفيديو هي تقارير حاولت أن تساير مجموعة من المعتقدات السائدة، وكما هو الحال مع ألعاب الفيديو، فإن مثل هذه التفسيرات المتحيزة تقيد البحث العلمي، ولا تأخذ في الاعتبار الفوائد الصحية النفسية التي يمكن أن يعززها سلوك الناس على الإنترنت.

* نصيحة هامة.. حتى لا تعاني من الاكتئاب
نحن كمستخدمين لمواقع التواصل قد لا يهمنا كثيرا الجدل الأكاديمي، بقدر ما يهمنا معرفة كيف يمكننا حماية أنفسنا من الوقوع أسرى لأعراض الاكتئاب.
وينصحك الباحثون بهذه الإجراءات عندما تعاني من الخوف من الرفض أو النسيان أو الإهمال:
- ادرس لماذا تشعر بذلك؟
- خذ قسطا من الراحة، وراجع صور المناسبات السابقة التي استمتعت فيها بصحبة أصدقائك، واستمتع بالتفكير في تلك الذكريات السعيدة، واسمح لنفسك أن تستقبل قبولهم لك.
- وأهم هدية يمكنك أن تقدمها لنفسك هي قبولك لنفسك بدون شروط وقبول بشريتك بما فيها من عجز وقصور وأخطاء.. فلا يوجد بشر كامل.

والخلاصة..
إن التفاعلات الافتراضية على المواقع الاجتماعية ومنها الفيسبوك قد تتشابه مع التفاعلات على أرض الواقع.
وفي العالم الافتراضي، كما في الواقع، كلما كنا أكثر قبولا لأنفسنا كلما قلل هذا من حجم ضرر هذه التفاعلات؛ وكلما كنا أقل قبولا لأنفسنا وأكثر رفضا لها، وأكثر جوعا للقبول وخوفا من الرفض؛ كلما تأثرت سلوكياتنا وعلاقاتنا وصحتنا النفسية سلباً، وتظل كلمة السر في سوائنا النفسي وسواء علاقاتنا الحقيقية والافتراضية هي: "قبولنا لأنفسنا بدون شروط".


اقرأ أيضاً:
الاحتياج للقبول.. هل يمكن العودة إلى الجنة؟
الاحتياج للانتماء غير المشبع.. قنبلة موقوتة
7 تحديات تعيق تنشئة طفل مرن نفسيا
أقارن نفسي بالناس وأراها دوماً أقل.. مشكلة عالمية



المصادر:
Is Facebook Making You Depressed?
Chow, T. S., & Wan, H. Y. (2017). Is there any ‘Facebook Depression’? Exploring the moderating roles of neuroticism, Facebook social comparison and envy. Personality and Individual Differences, 119277-282. doi:10.1016/j.paid.2017.07.032

آخر تعديل بتاريخ 23 أكتوبر 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية