الطبيعي والمعروف أن الأحباب والأصحاب عندما يتقابلون بعد غياب، يتسارعون بالسلام الحار، والأحضان الدافئة، والقبلات المتتالية، ويتهافتون على السلام والكلام، وكل وسائل التعبير عن الوحشة والشوق وطول الغيبة، حتى تهدأ أشواقهم، وترتاح نفوسهم.


لكن هذا لم يعد يحدث منذ سنوات طويلة بيني وبين صديقي الغالي والحبيب (ع)، على الرغم من علاقة صداقتنا القوية جداً، والطويلة جداً، والصادقة جداً.

ما الأمر؟
وماذا يعني ذلك؟
وما تفسيره من الناحية النفسية؟
هل هو مؤشر على انتهاء العلاقة أو فتورها؟

فلنبحث معاً عن الإجابة، ولنرجع قليلاً (أو كثيراً) بالزمن إلى الوراء؛ إلى سنوات عمرنا الأولى.

خلال هذه السنوات تكون أهم علاقة في حياة أي طفل، هي علاقته بأمه، والتي تمثل له في وقت مبكر من حياته (كل العالم)، تمر هذه العلاقة بعدة مراحل أساسية وهامة، يكون الطفل فى أولها في احتياج شديد لوجود أمه الجسدي بجانبه حتى يشعر بالاطمئنان والراحة والسلام النفسي، تعقبها مرحلة أخرى يضطر فيها الطفل إلى تحمل بعض الغياب المؤقت للأم فى مقابل وجود أي شيء أو أي أحد بجانبه يذكره بها، حتى يصل إلى مرحلة أكبر من النمو النفسي، والنضج الداخلي، يمكنه فيها تحمل فترات أطول من الغياب الجسماني للأم، دون حتى وجود أي أثر لها حوله أو جانبه.

تسمى هذه المرحلة الأخيرة (مرحلة ثبات وجود الآخر)، وتعني أن الطفل قد استطاع بمرور الزمن وتكرار التجربة وتحمل بعض الألم، أن يضع داخله نسخة حية من أمه، نسخة لها صوت وصورة وألوان وأبعاد وحركات وتفاعلات، وأنه في أوقات الغياب الجسدي لها يمكنه – بشكل غير واع - استخراج هذه النسخة أو الصورة الداخلية الحية، والاستئناس بها، والإحساس بالدفء معها، والوصول للراحة والسكينة من خلالها، وفي هذا قمة النضج النفسي، وعمق العلاقة الحقيقية بالآخر (الأم كبداية).

وعلى مدى حياتنا، وفي مختلف مراحل عمرنا، ندخل في العديد من العلاقات، منها ما هو قصير الأمد، ومنها ما هو بطول السنين، منها السطحي، ومنها العميق، منها الحقيقي، ومنها المزيف، وكل من هذه العلاقات يمر بنفس تلك المراحل التى نمر بها في أول علاقة في حياتنا (علاقتنا بالأم)، وبنفس التسلسل السابق، لكنها لا تنتهي جميعاً نفس النهاية.

هناك من تقف علاقتنا بهم عند حد الوجود الفيزيائي الجسماني الخارجي، وهناك من لا نشعر بوجودهم ودورهم في حياتنا دون أن يتركوا لنا أثراً منهم أو ذكرى لهم، وهناك من تتعدى علاقتنا بهم كل هذا، إلى أن يصبح داخلنا نسخة حية منهم، وصورة متعددة المستويات والأبعاد لهم، ويتحولوا إلى جزء هام من تركيبنا النفسي.

بعض الناس لا تتذكرهم إلا حينما تراهم، وبعض الناس لا تتذكرهم إلا حينما ترى أثرهم، وبعض الناس لا تحتاج أن تتذكرهم، لأنهم حاضرون داخلك طوال الوقت، يجرون منك مجرى الدم في العروق، ويسكنون في خلاياك كأنهم جدرانها الحامية، وهذا هو ما يطلق عليه كما ذكرنا (ثبات وجود الآخر داخلك).

ولهذا الوجود الثابت لبعض الناس داخلك كثير من الوظائف والمعاني والأهداف.
أولها (الونس).. بمعنى أنك في أوقات الوحدة والوحشة والاغتراب، تستطيع استحضار بعض هؤلاء (الآخرين) من داخلك، تتذكرهم، تشعر بهم، تستعيد بعض المواقف معهم، فيهدأ كثيراً شعورك بالوحدة، ويتغير إحساسك بالوحشة والاغتراب.

ثاني هذه الوظائف (تخفيف الألم النفسي).. فكثير من ألمنا النفسي، ومعاناتنا الحياتية، وعذاباتنا اليومية، قد تخف وطأتها، ويقل أثرها، بمجرد وجود (آخرين) طيبين داعمين حولنا، وبالطبع (داخلنا).

أما ثالث وظائف وجود (آخرين) بشكل ثابت داخلك فهو (السكينة والطمأنينة).. ولن أشرح ذلك بأي كلام قد يكون قاصراً ومختزلاً، بل سأطلب منك الآن أن تغمض عينيك، وتتذكر وجه أحب وأقرب الناس إلى قلبك، وتستحضره من داخلك، وتخبرني عن هذا الشعور الجميل بالراحة والاطمئنان والسكينة الذي ينتابك ويعتريك والذي لا تود أن ينتهي أبداً.

اسأل نفسك الآن..
من هو ذلك الصاحب الذي أأتنسُ به، حتى لو لم يكن موجوداً معي؟
من هو ذلك الحبيب الذي يملأني بالدفء والشعور بالأمان بمجرد أن يخطر ببالي؟
من هو الشخص الذي يسكن داخلك ولا يفارقك حتى في غيابه؟
من الذي يسكن خلاياك ويسري في دمك؟
من أصبح وجوده جزءاً لا يتجزأ من تكوينك؟


إجابتك عن هذه الأسئلة ستكون هي أفضل وصف للآخرين أصحاب (الوجود الداخلي الثابت) لديك.

ربما كان ذلك تفسيراً لعدم المبالغة في إظهار مشاعر اللهفة عند لقائك أحدهم بعد غياب، وعدم الشعور بلوعة شديدة مع كل فراق رغم طوله وشدته، وعدم الرغبة المستمرة في الالتصاق بالآخر وملازمته إلى درجة الاختناق، لأنه بكل بساطة، موجود داخلك، ولا يعني ذلك بالطبع الاستغناء عن وجوده الخارجي، لكنه يعني دوام وجوده، حتى في عدم وجوده الخارجي، وأن ذلك الوجود الداخلي مطمئن ومخفف وملطف، ويبعث على الدفء والراحة والأمان،

نحن في حاجة دائمة لهذا النوع من وجود الآخرين وحضورهم النفسي في عالمنا الداخلي، لدرجة أن البعض يفسرون كثيراً من الأمراض النفسية من هذا المنظور، فالاكتئاب هو شعور شديد بالوحدة والفراغ الداخلي العميق، والقلق هو خوف عارم من فقدان بعض كياناتنا الداخلية، أما الهلاوس السمعية والبصرية فهي محاولات يائسة (لخلق) آخرين بدلاً من معاناة الوحدة بدونهم.


اسأل نفسك الآن مرة أخرى..
من الذي أصبح وجوده جزءاً لا يتجزأ من تكوينك؟
وتأكد أنه.. ليس فقط شخص.
لكنه أيضاً.. وقاية.. وعلاج.

اقرأ أيضاً:
هل الزواج علاقة؟
رضيعي يبكي عندما أتركه .. عن قلق الانفصال نتحدث
7 خطوات للتعامل مع قلق الانفصال عند طفلك

آخر تعديل بتاريخ 6 يناير 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الوطنية الأمريكية