الأحلام ظاهرة من أهم الظواهر الإنسانية التي التفت إليها الإنسان بكل اهتمام منذ العصور الأولى لتواجده على الأرض. وتحدث القرآن الكريم عن الحلم الشهير لعزيز مصر، والذي قام بتفسيره نبي الله، يوسف عليه السلام.

بعض الملوك القدامى كان يعين في قصره (مفسرا للأحلام)، بل إن بعضهم كان لديه أكثر من مفسر واحد. ويروى أن أحد ملوك بابل كان لديه خمسة وعشرون مفسرا، وأنه حلم حلما غريبا ذات ليلة، ورغم أن كلاًّ منهم قدم تفسيرا مختلفا لهذا الحلم، إلا أن كل هذه التفسيرات قد تحققت بالفعل. مما يعني أنه قد يوجد للحلم الواحد أكثر من معنى وتفسير صحيح.

سنتحدث إن شاء الله فى بعض المقالات القادمة عن الأحلام بكثير من التفاصيل. وسنبدأ اليوم بمعرفة بعض الحقائق وربما المفاجآت عن الأحلام.

المفاجأة الأولى هي أننا جميعا نحلم أثناء النوم، لكن بعضنا يتذكر أحلامه والبعض لا يتذكرها، بل إننا نحلم أكثر من مرة في نفس الليلة (نحلم لمدة عشرين دقيقة كل ساعة ونصف الساعة). فليس معنى أنك لا تتذكر أحلامك هو أنك لا تحلم، وليس معنى أنك صحوت من نومك متذكرا أحد أحلامك أن هذا هو الحلم الوحيد لهذه الليلة، بل قد تحلم عشرات المرات في عدة دقائق.

المفاجأة/الحقيقة الثانية هى أن الإنسان ليس هو الكائن الوحيد على وجه الأرض، الذي يحلم أثناء نومه، بل إن هناك العديد من الكائنات الأخرى التي تنتابها الأحلام، حيث بينت الأبحاث أن الكائنات ذوات الدم الدافئ (كالإنسان وباقي الثدييات) تحلم، أما الكائنات ذوات الدم البارد (كالأسماك) فلا تحلم.

مهم أيضا أن نعلم - ثالثا- أن المخ البشري يكون في حالة نشاط هائلة أثناء عملية الحلم، وليس في حالة سبات عميق أو خمول شامل كما نظن. ويتركز معظم هذا النشاط في الفص المخي الأيمن، المسؤول عن وظائف الإبداع والإلهام والتذوق الجمالي وغيرها. ليس هذا فقط.. بل إن مخنا يستخدم كمية من الغلوكوز (كمصدر للطاقة في الجسم) أثناء الحلم بقدر لا يقل عن كمية الغلوكوز التي يستخدمها أثناء النشاط اليومي العادي. ووجدت الأبحاث أننا أحيانا نفقد بعض الوزن أثناء الأحلام نظرا لاستهلاكنا غير القليل هذه الطاقة.

لك أيضا أن تعلم أن الجنين داخل الرحم يبدأ في الحلم من الشهر السابع (أو أقل في بعض الأبحاث)، في الوقت الذي تحلم فيه والدته أثناء فترة الحمل ضعف عدد أحلامها الطبيعية في غير الحمل. وترتبط عملية الأحلام لدى الأجنة بالنمو العصبي لكثير من خلايا وشبكات المخ.

يبدو إذن أن الأحلام ظاهرة مهمة للغاية، ولها بعض الوظائف الحيوية الهامة. والسؤال الآن:

ما هي وظيفة الأحلام؟ أو بصيغة أخرى: لماذا نحلم؟

الوظيفة الأولى للأحلام
هي أنها الحيز الذي تتحول فيه خبراتنا وتجاربنا اليومية من الذاكرة قصيرة الأمد إلى الذاكرة طويلة الأمد، بمعنى أنه بطريقة ما لا نعرف عنها الكثير. حاليا يقوم المخ أثناء فترة الأحلام بعمل ارتباطات عصبية جديدة وثابتة، تتخزن فيها بعض ذكرياتنا بشكل يسمح لنا باستعادتها لاحقا مهما طال الزمن. ومن أهم أوجه هذه الوظيفة أنها تساعدنا على التعلم من تلك الخبرات والتجارب اليومية واستدعائها عند الحاجة. وهذا هو أحد التفسيرات الهامة لملاحظة أن الكائنات التي لا تحلم لا تتعلم ولا تكتسب خبرات جديدة (ودائما تقع في نفس الفخ). وأن بعض المرضى النفسيين الذين لا يحلمون (بتأثير بعض الأدوية) يكون لديهم صعوبات شديدة في التعلم والوظائف المعرفية.

الوظيفة الثانية هي أن بعض الأحلام تثير لدى أصحابها الحافز للحياة، فالإنسان يحلم (أحيانا) بالحب والجنس والتزاوج. والقط يحلم بمطاردة واصطياد فريسته وأكلها. والفأر يحلم بالهروب والكر والفر للحفاظ على حياته (هناك طريقة علمية معروفة يمكن بها استنتاج محتوى بعض أحلام هذه الكائنات).

الوظيفة الثالثة هي أن الأحلام تعتبر في بعض الأحيان علاجا نفسيا ذاتيا. فكثير من الأحلام تقوم بحل بعض الصراعات النفسية الدفينة، وامتصاص بعض الصدمات اليومية، وإعادة التعامل معها بشكل قد يحلها ويخفف من وطأتها. واستفاد العلم الحديث من تلك الوظيفة بابتكاره نوعا خاصا من علاج الصدمات النفسية، يقوم على تقليد حركة العين وسرعتها أثناء فترة الأحلام EMDR.

الوظيفة الرابعة هي أنه أثناء أحلامنا، يتم عمل تحديث يومي كامل لبرامجنا الوراثية، وإضافة أو حذف أو تعديل أي من مكونات الـ DNA الخاصة بنا. ويتم ذلك بناء على كل ما نكتسبه ونعيشه ونعرفه ونحس به بشكل يومي.

الوظيفة الخامسة هي أن المخ يقوم في فترة أحلامنا بعمل ما يشبه الصيانة الدورية (الليلية) لخلايانا العصبية. فيقوم بإصلاح ما عطب منها، وتجديد بعض توالفها، والتخلص من البعض الآخر، لتصحو من نومك نابها نشطا، لتبدأ يوما جديدا مليئا بالأحداث والمشاعر والأفكار، التي سيتم تخزينها وتحويلها لأرشيف ذاكرتك خلال أحلام نفس الليلة.

وتبقى أخيرا وظيفة هامة للغاية وهي أن أحلامك لا تقوم بوضع خبراتك الإنسانية اليومية في أرشيف ذاكرتك الشخصية فقط، ولكنها تضيف ذلك إلى الذاكرة الإنسانية كلها.. لا تتعجب.. فكثير من قدراتك وتصرفاتك وردود أفعالك البديهية هي في الحقيقة موروثة عن أجدادك وأسلافك وغيرهم، ليس فقط من خلال الجينات والعوامل الوراثية، ولكن أيضا من خلال ما تم نقله لعقلك من أرشيف الإنسانية الواسع الذي يحوي كل تاريخ وتجارب البشر عبر التاريخ.

أغمض الآن عينيك.. وتخيل معي رجلا حكيما كبيرا في السن.

رجلا.. حكيما.. كبيرا..

هل تراه؟ رأيته؟

سأخبرك ماذا رأيت..

لقد رأت عيناك رجلا أبيض الشعر واللحية، يرتدي ثوبا أبيض فضفاضا.. أليس كذلك؟

المفاجأة هي أن معظم من يقرأ معك المقال الآن قد رأى نفس الرجل، لأن هذه الصورة بكل بساطة موجودة في ذلك الأرشيف الإنساني الضخم الذي يربط عقلك بعقل كل البشر عبر التاريخ، وكلمة السر هنا.. هي الأحلام.

لا تتعجب الآن.. وانتظر معي.. المقالات القادمة..
آخر تعديل بتاريخ 16 فبراير 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية