من أين تأتي الأحلام ؟ للرد على هذا التساؤل يجب العلم أن أحلامنا عبارة عن رسائل مشفرة قادمة من أحد مستويات وعينا، وربما من أكثر من مستوى في الوقت نفسه، لكن بالرغم من كل ما نحن فيه من تقدم علمي وتكنولوجي، فإننا في الحقيقة ما زلنا نعرف القليل جداً عن النفس البشرية بكل ألغازها وأسرارها، نتحدث في هذا المقال عن أحد جوانب الأحلام وهو مصدرها، أو بالأحرى أحد مصادرها، وسيقودنا ذلك بالتالي لمحاولة فهم الخطوط العريضة لبعض الأحلام بغرض التوضيح فقط وليس التفسير أو التأويل.
تعريف الأحلام
الأحلام هي صور أو أفكار أو مشاعر تحدث أثناء النوم، لكن الأحلام التي تكون على شكل صور مرئية هي الأكثر شيوعاً، ويمكن أن تشمل الأحلام جميع الحواس، حيث تكون أحلام البعض ملونة والبعض الآخر يحلم بالأبيض والأسود، ويميل الأشخاص المكفوفون إلى تضمين المزيد من العناصر في أحلامهم مثل الصوت والتذوق والرائحة، وكشفت الدراسات عن أنواع مختلفة من محتوى الأحلام، ولكن هناك بعض الخصائص المشتركة بين الأحلام والتي تشمل:
- الحلم أمر لا إرادي.
- تمثل الأحلام عادة منظور الشخص الأول.
- أن الحلم يثير مشاعر قوية.
- قد يكون محتوى الحلم غير منطقي أو حتى غير متماسك.
- يتضمن محتوى الحلم أشخاصاً آخرين يتفاعلون مع الحالم ومع بعضهم البعض.
- يتم دمج أحداث وعناصر حياة اليقظة في الحلم.
من أين تأتي الأحلام ؟
يمكن النظر للحلم الواحد من أكثر من سبع زوايا نفسية مختلفة، أو بتعبير أدق كل حلم قد يكون له على الأقل سبعة مستويات للفهم والتفسير، وهذه المستويات السبعة هي في الحقيقة مستويات مختلفة للوعي الإنساني على حسب كثير من النظريات النفسية المعروفة، وما نعلمه حتى الآن عن مستويات وعينا أنها تترتب من الأكثر سطحية إلى الأكثر عمقاً كالتالي:
-
الوعي الظاهر الشخصي (Personal conscious)
وهى حالة الوعي التي تصفك أنت الآن في كامل حضورك وسمعك وبصرك وإدراكك، تقرأ وتفهم وتشعر وتحس، وتتفاعل وتنفعل وتتأثر وتؤثر، ويرتبط هذا المستوى من الوعي بما نسميه (أحلام اليقظة)، وهي تلك الخيالات التي تتراءى لك وأنت صاحٍ في وعيك التام ولست نائماً، ولا تعتبر أحلاماً بالمعنى المتعارف عليه.
-
الوعي الباطن الشخصي (Personal Unconscious)
وهو ما اصطلح عليه فرويد وغيره من رواد التحليل النفسي بأنه (العقل الباطن)، وهو مستوى أعمق من السابق، ويحوي كثيراً من ذكرياتنا القديمة، وأحداث حياتنا المؤلمة، وبعض رغباتنا المكبوتة، وأمنياتنا غير المنطقية، وبعض العنف والجنس وغيرهما.
ويرى فرويد أن الأحلام هي أفضل طريق يمكن من خلاله التعرف على محتويات العقل الباطن، وله في ذلك كتاب شهير اسمه (تفسير الأحلام)، ويمكن النظر لبعض الأحلام من زاوية (العقل الباطن) بأنها تعبر عن رغبات نفسية أو جنسية أو عدوانية مكبوتة، أو تشير إلى ذكريات قديمة مؤلمة وهكذا.
ويرى المحللون النفسيون من هذا المنظور أن كل حلم به مجموعة من الرموز التي تشير إلى أحد المعاني في العقل الباطن، فكل ما هو مستطيل يرمز إلى عضو ذكري، وكل ما هو مستدير يرمز إلى عضو أنثوي، وبالطبع توجد انتقادات واعتراضات كثيرة على هذا النوع من التفسيرات التي اختزلت المعاني العميقة للأحلام في صور جنسية.
-
الوعي الباطن الجَنيني (Perinatal Unconscious)
من أين تأتي الأحلام التي نظن أنها عبارة عن أحداث شاهدناها من قبل؟ يرى ستانيسلاف غروف أنه في أحد مستويات وعينا توجد كل ذكريات حياتنا السابقة، في أرحام أمهاتنا، منذ نفخ الروح في جسدنا، وحتى انتهاء عملية الولادة والخروج من الرحم، ويفسر غروف بعض الأحلام التي يكون فيها الشخص داخل مكان مغلق، أو تحت الماء، بأنها استعادة لذكريات حياة الجنين في تلك الرحم المغلقة داخل السائل الأمنيوسي الذي يحبط به عندما كان جنينًا.
-
الوعي الباطن المشترك (Co-unconscious)
كان (جاكوب مورينو) هو أول من أطلق هذه التسمية على أحد مستويات الوعي العميقة، والتي يشترك في محتوياتها أكثر من فرد في نفس الوقت، بمعنى أنه لو تعرضت عائلة كاملة لحدث معين، فإنه يشكل على أحد مستويات وعي جميع أفراد هذه العائلة الذي يحتوي نفس المحتويات الخاصة بتلك الذكرى.
وبالتالي، فإن أحلام بعض أفراد هذه العائلة أو المجموعة قد تتشابه، وقد يحلم شخصان منهم بنفس الحلم في نفس الوقت، أو قد يحلم اثنان منهما أنهما يتقابلان مثلًا في نفس المكان، وتسمى هذه الظاهرة Meeting Dreams.
-
الوعي الباطن المجتمعي (Social Unconscious )
وهو مصطلح حديث نسبياً يتم دراسته والبحث فيه بواسطة كثير من العلماء، أشهرهم الأميركي إيرل هوبر، الذي يَفترض أن أفراد كل مجموعة من الناس تعيش في مجتمع واحد يحملون في مستوى عميق من مستويات وعيهم نفس الذكريات التي مر بها مجتمعهم من حروب أو انتصارات، ويستخدمون نفس الدفاعات النفسية، ولهم بعض السمات النفسية المتشابهة.
لدرجة أنه توجد طريقة حديثة يمكن من خلالها عمل تحليل نفسي للشعوب والمجتمعات من خلال سماع وتحليل أحلام عدد من أفرادها، والتي ستشي حتماً بالصراعات الدفينة، والرغبات المكبوتة لهذه الشعوب أو المجتمعات.
-
الوعي الباطن الجمعي (Collective Unconscious)
الآن أغمِض عينيك وتخيل معي رجلا حكيماً كبيراً في السن، هل تراه؟ هل رأيته؟ سأخبرك ماذا رأيت: لقد رأت عيناك رجلا أبيض الشعر واللحية، يرتدي ثوباً أبيض فضفاضاً أليس كذلك؟ المفاجأة هي أن معظم من يقرأ معك المقال الآن قد رأى هذا الرجل نفسه، لأن هذه الصورة بكل بساطة موجودة في ذلك الأرشيف الإنساني الضخم الذي يربط عقلك بعقل كل البشر عبر التاريخ.
هذا ما اكتشفه السويسري كارل غوستاف يونغ، والذي استطاع من خلاله أن يفترض وجود مستوى عميق جداً من الوعي يحتوي على كل ذكريات وخبرات وتجارب البشرية، وأن هذا المستوى هو أحد أهم مصادر الأحلام، وأن كثيرًا مما نراه في أحلامنا هي رموز قديمة جداً لها معان مرتبطة بخبرات الأجداد والأسلاف، والتي يمكن من خلال فهمها حل بعض مشكلات الحياة، فالسمكة في الحلم تعني الخصوبة، والموت يعني بداية جديدة، والثعبان يعني الغدر وهكذا.
-
الوعي الباطن عبر الشخصي (Transpersonal Unconscios)
وهذا هو أعمق مستويات الوعي المعروفة حتى الآن، والذي خاض وتبحر في دراسته كثيراً ستانيسلاف غروف، وهو ذلك المستوى من الوعي الذي تتشارك فيه كل الكائنات في كل مكان وزمان بمعنى، أننا جميعاً متصلون ببعضنا على أحد مستويات وعينا بغض النظر عن المكان والزمان.
ودليله على ذلك كثير من الأحداث اليومية الطبيعية أنت وصديقك تتحدثان عن صديق ثالث، فتجده أمامك بعدها بدقائق، أو أن تحلم بأن أحد الموتى يخبرك سراً تكتشف بعدها أنه حقيقي، أو تفكر في أحد معارفك، ثم تتلقى منه فوراً اتصالاً تليفونياً، أو ربما تحلم حلمًا ويتحقق بحذافيره في اليوم التالي، وهذا قد يفسر من أين تأتي الأحلام التي قد تظهر على أنها نوع من أنواع التخاطر العقلي أو التنبؤات المستقبلية.
وهذا المستوى من الوعي الباطن لا يعترف بأي حدود للزمان أو للمكان، وهو المستوى الذي يمكن لبعض الناس من خلاله استشراف بعض الأحداث المستقبلية، أو التواصل مع الطبيعة ومكوناتها، أو التأثير العميق في الآخرين وهكذا.
كم من الوقت تستمر الأحلام؟
قد نسأل أنفسنا دائماً من أين تأتي الأحلام ؟ وكم من الوقت تستمر ؟ فبعض الأحيان نشعر أن الأحلام تستمر طوال الليل، والبعض الآخر منها نشعر كأنها لحظات تمر بسرعة، فليس هناك إجابة محددة لهذا السؤال، لأنه لا توجد طريقة جيدة لدراسة الأحلام لدى البشر حيث تتلاشى ذكريات الأحلام بسرعة فور الاستيقاظ، ومن الصعب ربط الدماغ بتقارير عن الأحلام، كما تتغير العلاقة بين الزمان والمكان خلال الحلم.
أنواع الأحلام في علم النفس
يقول علم النفس إن الأحلام يمكن أن تتشكل أو تأتي على هيئة معينة نتاج ذكريات قديمة أو أحداث واجهها الشخص وبقيت هذه الأحداث والذكريات مخزّنة في العقل الباطن، وفي وقت ما يقوم العقل الباطن بإخراجها على شكل أحلام، ويقال إن هناك نوعين من الذكريات التي يمكن أن تتشكل على أساسها الأحلام وهي:
- ذكريات السيرة الذاتية، أو الذكريات الطويلة الأمد عن الذات.
- الذكريات العرَضية وهي ذكريات حول حلقات أو أحداث معينة.
ويقترح الباحثون أن ذكريات التجارب الشخصية تظهر بشكل انتقائي أثناء الحلم، ويتم دعم الفرضية التي تقول إن الأحلام تعكس تجارب حياة اليقظة من خلال الدراسات التي تبحث في أحلام المرضى النفسيين والمرضى الذين يعانون من اضطرابات النوم، إذ تنعكس أعراضهم ومشاكلهم النهارية في أحلامهم، وفي عام 1900، وصف فرويد فئة من الأحلام تُعرف باسم "أحلام السيرة الذاتية".
ويتفق العديد من المؤلفين أن بعض الأحلام المؤلمة قد يكون لها دور في التعافي من تجارب قديمة، إذ يمكن أن تقوم هذه الأحلام بإيصال تجربة مر بها الحالِم في الحلم ولكنه لا يفهمها، فهذا يمكن أن يساعد الفرد على التصالح مع الصدمات الماضية.
الأسئلة الأكثر شيوعاً
كيف تحدث الأحلام في الدماغ ؟
النشاط العصبي الذي ينشأ في جذع الدماغ والذي يتم تغذيته إلى أنظمة الدماغ العليا يكون عشوائياً للغاية، ثم يفعل الدماغ بهذا التحفيز العشوائي الوارد ما يفعله دائماً بالنشاط العصبي الوارد، فيحاول معالجته وتحويله إلى قصة متماسكة على شكل حلم، ويمكن أن يحدث الحلم في أي مرحلة من مراحل النوم، لكن أغلب الأحلام تتكون في مرحلة حركة العين السريعة التي يشبه فيها نشاط الدماغ إلى حد كبير حالة اليقظة، ويميل الناس غالباً إلى تذكر الأحلام التي تتكون خلال هذه المرحلة من النوم.
من هو المسؤول عن الأحلام؟
من أين تأتي الأحلام ؟ وما هو الجزء من الدماغ المسؤول عنها؟ قشرة الدماغ هي المسؤولة عن محتوى الأحلام، وبما أننا نتمتع بقدرة بصرية عالية فإن القشرة البصرية الموجودة في الجزء الخلفي من الدماغ تكون نشطة بشكل خاص خلال الحلم، بالإضافة إلى العديد من الأجزاء الأخرى من القشرة.
هل الأحلام لها علاقة بالواقع؟
إذا لم يكن للأحلام علاقة بالواقع فإذًا من أين تأتي الأحلام ؟ الحقيقة هي أن الأحلام هي نتاج تجاربنا وذكرياتنا ومخاوفنا ورغباتنا وسيرتنا الذاتية والمواقف الحياتية التي عشناها، فجميع هذه الأحداث يتم تخزينها في العقل اللاواعي ويشكلها العقل على شكل أحلام وتظهر في لحظة ما خلال النوم.
ختاماً، الأحلام هي صور ورسائل مشفّرة يرسلها العقل الباطن إلى القشرة البصرية في الدماغ لنراها على شكل أحلام، وهذه الأحلام تنشأ من تجاربنا الحياتية وماضينا وذكرياتنا. وحين تسأل نفسك من أين تأتي الأحلام فيمكن أن تتصور أن كل حلم قد يكون مصدره أحد هذه المستويات الذهنية من الوعي أو أكثر، وأن كل حلم يمكن فهمه وتفسيره من إحدى تلك الزوايا، وأننا حتى الآن لا نعلم إلا أقل القليل (وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر).



