يعدّ رُهَاب الحمل والولادة Tokophobia ردّ فعل نفسياً تخاف فيه بعض النساء – في بعض الأحيان- خوفاً شديداً من عملية الحمل والولادة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تجنب الأمر تماماً، وقد يبلغ الخوف مبلغاً يشلّ صاحبته وينهكها جسدياً وعاطفياً.

سنقدم في هذه المقالة نظرة عامة شاملة على رُهَاب الحمل والولادة في ضوء الأدلة العلمية الحديثة، وننصح جميع النساء قراءته حتى تصبح تجربة الحمل والولادة إيجابية.

* هل من الطبيعي أن تشعر المرأة "بالرعب" من الولادة؟
من الشائع أن تشعر النساء بالقلق من المخاض والولادة، بل ومن الطبيعي تماماً أن تكون قلقةً وخائفةً قليلاً من ذلك - خاصةً بين الأمهات اللواتي يحملن لأول مرة - حيث إن إنجاب طفل أمر كبير، فقد يعتريها مخاوف من آلام الانقباضات والتدخلات في حال كانت العملية غير عادية، لكن بالنسبة لبعض النساء، يمكن أن يكون الخوف من المخاض والولادة هائلاً لدرجة أنه يؤثر على الأداء والسلوك اليومي.

هذا الخوف الشديد من الولادة يسمى (رُهَاب الحمل والولادة)، وبالنسبة لبعض النساء يمكن لهذا الأمر أن يولّد لديهن شعوراً بالكراهية أو الاشمئزاز من الحمل، أو حتى تجنب إنجاب الأطفال كلياً، فيستخدمن وسائل منع الحمل الدقيقة أو يفضلن الإجهاض المتكرر (إنهاء الحمل).

في الواقع، قد يكون لوجود قدر معين من الخوف أو القلق تأثير وقائي، لأن هذه المخاوف تدفع الأمهات لطلب المشورة الطبية، وعلى سبيل المثال، في حالة انخفاض حركات الجنين في بطن الأم، يتم إجراء فحوصات للطمأنينة عن حالته.


* ما هو رهاب الحمل والولادة؟
أن تعاني المرأة من قلق شديد أو خوف من الحمل أو الولادة، ويمر هذا النوع من الرُّهاب بطيف كبير جداً، يمتد من الرهبة الخفيفة أو الضيق، وينتهي بالخوف الشديد.

* ما مدى شيوع رُهَاب الحمل والولادة؟
لا يوجد تعريف سريري متفق عليه دولياً لرُهَاب الحمل والولادة، وبالتالي، فإن نسبة الانتشار تختلف في الدراسات اعتماداً على المعايير المستخدمة لقياس هذه الحالة.

لكن الإحصائيات تشير بشكلٍ عام إلى أنه ما بين (6 -10%) من النساء تصاب برُهَاب الحمل والولادة.

* ما هي أسباب رُهَاب الحمل والولادة؟
يمكن أن تكون أسباب الإصابة برُهَاب الحمل والولادة معقدة؛ بما في ذلك الصدمة غير المباشرة من خلال الأسرة أو الأصدقاء، أو وجود تجربة صدمة سابقة في المستشفى، أو وجود تاريخ من الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، وعدم الثقة في موظفي المستشفى.



نورد فيما يأتي بعض الأسباب التي تجعل النسوة يعانين من رُهَاب الحمل والولادة:
1. هناك بعض البيانات العلمية التي تشير إلى أن برامج تلفزيون الواقع (التي تصوّر عملية الولادة) يمكن أن تؤدي إلى الخوف الشديد من الولادة.. إلا أنّ هناك حاجة لإجراء المزيد من البحث حول هذا الموضوع.
2. المخاوف المتعلقة بالرعاية الطبية مثل.. السيطرة غير الفعالة على الألم، أو الخوف من الوفاة، أو عدم الثقة في الفريق الذي يقدم الرعاية الصحية.
3. العوامل النفسية.. مثل تدني احترام الذات، وإحياء الذكريات المؤلمة للطفولة أو الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب أو القلق.
4. وجود اضطرابات القلق الاجتماعي.. (اللقاء بأشخاص غير مألوفين أثناء المخاض).
5. سماع قصص من نساء أخريات مقربات.. عانين من الولادات المؤلمة.
6. عوامل اجتماعية.. مثل كونك في وضع اجتماعي غير موات.
7. الخوف من مضاعفات الحمل أو الولادة.. أو وقوع ضرر كبير بالطفل.
8. التغييرات الهرمونية.. التي تجعل من الصعب إدارة القلق.
9. الخوف من فقدان الخصوصية.. والكرامة.
10. الخوف من الفحص المهبلي.
11. وجود اضطراب الهلع.
12. قلة الدعم الاجتماعي.


* ما هي أعراض رُهَاب الحمل والولادة؟
إن رؤية الأمهات الحوامل وقراءة وسماع القصص المتعلقة بالولادة يمكن أن تؤدي إلى ظهور الأعراض الآتية:
1. نوبات الهلع.
2. الكوابيس.
3. الأرق.

* ما هي أنواع رُهَاب الحمل والولادة؟
ظهر مصطلح رُهَاب الحمل والولادة لأول مرة في الأدبيات الطبية عام 2000، عندما طور كل من الباحثين كريستينا هوفبرغ وإيان بروكينغتون تصنيفهما اعتماداً على جذر المرض إلى ثلاث مجموعات:
1. رُهاب الحمل والولادة الأوّلي (لا توجد تجربة سابقة)
إذا حدث هذا الخوف الشديد من الولادة للمرأة قبل حملها الأول، أي ليست هناك أية تجربة سابقة للحمل، فإنه يسمى (رُهَاب الحمل والولادة الأولي)، وهو يمكن أن يبدأ في وقت مبكر من فترة المراهقة ويمكن أن يرتبط بالإساءة الجنسية السابقة، أو أن تشهد ولادة مؤلمة لامرأة أخرى، أو تكون مصابةً بصدمة من خلال مشاهدة مقطع فيديو عن الولادة دون توضيح كافٍ، أو وجود عناية طبية رديئة، أو المرور باكتئاب ما بعد الولادة أو غير ذلك من الأحداث المزعجة التي تشكل عندها هذا المستوى من الرُّهاب.

2. رُهاب الحمل والولادة الثانوي (المرور بتجربة سابقة)
إذا أصيبت المرأة بمرض رُهَاب الحمل والولادة بعد حملٍ سابق، فإنه يسمى (رُهَاب الحمل والولادة الثانوي)، وقد يظهر ذلك نتيجة تجربة ولادة قاسية (قيصرية أو مهبلية) أو الإجهاض أو إنهاء الحمل، وقد يتبع ذلك ولادة طبيعية (بدون أية مضاعفات طبية) أيضاً، ويعتمد هذا على تصور المرأة وتجربتها عن الولادة.

3. رُهَاب الحمل والولادة بوصفه أحد أعراض الاكتئاب
ويظهر هذا النوع عندما تكون المرأة (بغض النظر عما إذا كانت قد حملت سابقًا أم لا) تعاني من الاكتئاب والأفكار المتكررة التي تقول لها إنها ستموت إذا حاولت ولادة الطفل، وهناك أدلة متزايدة على أن رُهاب الحمل والولادة يرتبط بالشخصيات المكتئبة والاكتئاب.



* ما هي آثار رُهَاب الحمل والولادة؟
إن أكبر تأثير لمرض رُهَاب الحمل والولادة هو أن النساء يحاولون تأخير الحمل أو تجنبه باستخدام وسائل منع الحمل، فإذا حملن، فقد يفكرن في الإجهاض، وقد يخترن أيضاً إجراء عملية قيصرية عندما يتعلق الأمر بالولادة، وفي بعض الأحيان يجدن صعوبة في الكشف عن الأعراض مبكراً، أو الحجز في وقت متأخر، وطلب إجراء عملية قيصرية على وجه السرعة.

وتُظهر الأدلة العلمية أن الرجال يمكن أن يتأثروا أيضاً برُهَاب الحمل والولادة، حيث بيّنت دراسة من السويد أن 13% من الآباء يمكن أن يتأثروا.. فقد يقلق الأب بشأن سلامة شريكته والطفل أثناء عملية الولادة، وقدرتهما على الأبوة والأمومة، والمسائل المالية والمسؤوليات التي يجب أن يتحملها الأب، وقد يشجعون شريكاتهم على طلب ولادة قيصرية مخطط لها.

* ما هي علاجات رُهَاب الحمل والولادة؟
نظراً لأن مستوى الخوف يختلف من شخصٍ لآخر، فإنه توجد أساليب مختلفة للعلاج نوردها فيما يأتي:
1- الاستشارات النفسية، حيث إنّ تعبير النساء عن مخاوفهن، والاستماع وفهم خوفهن واهتماماتهن أمر حيوي يمكن أن يحسّن العلاج، والشيء المهم الذي يجب تذكره هو إشعار هؤلاء النساء أنهن لسن وحدهن، وأن الآخرين يشعرون بالطريقة التي يشعرون بها، وأن هناك مساعدة متاحة.
2- اختيار العملية القيصرية يمكن أن يهدّئ من الخوف من الألم.
3- وضع خطط لولادة مفصلة بالتعاون مع فريق الولادة الطبيعية.
4- يمكن أن يكون رُهَاب الحمل والولادة أقل خطورة إذا كان هناك نظام دعم نفسي قوي، سواء من قبل الشريك، أو الأمهات، أو الأخوات، أو الأصدقاء، والزملاء.. فقد ذكرت إحدى الدراسات وجود انخفاضاً بنسبة 50% في معدلات الولادة القيصرية عندما تلقت النساء الدعم النفسي قبل الولادة.
5- بعض أشكال العلاج الأخرى تشمل العلاج السلوكي المعرفي، والذي هدفه هو تغيير أنماط التفكير أو السلوك وراء صعوبات الناس، وذلك من أجل تغيير الطريقة التي يشعرون بها.
6- العلاج النفسي يشمل "تحويل الخوف إلى ثقة"، حيث إن تطوير علاقة ثقة واستمرارية الرعاية يمكن أن يقوم بدور هام في معالجة الأساطير المحيطة بالولادة، وكذلك قد تكون هناك ضرورة لعلاج أي قلق أو اكتئاب أو وسواس قهري وغيرها من حالات الصحة العقلية.
7- يمكن أيضاً تجربة تقنيات التنويم المغناطيسي لمعرفة ما إذا كان ذلك يساعد في تخفيف القلق والألم أثناء المخاض والولادة.
8- تناول أدوية خاصة بإشراف طبيب للمساعدة في معالجة المشاعر.



*** خلاصة القول
يمكن أن يكون رُهَاب الحمل والولادة حالة مرضية، ولكن مع وجود رعاية جيدة داعمة متعددة الاتجاهات، ستكون النتيجة ممتازة.. فمن الممارسات الجيدة أن تسأل المرأة أو الرجل عن أية مخاوف تتعلق بعملية الحمل والولادة، سواء عند الحجز أو في زيارات ما قبل الولادة اللاحقة، ومن المهم استكشاف أي قلق من هذا القبيل والتعامل معه بوعي.

من الأهمية بمكان أن يعترف المجتمع بأن رُهَاب الحمل والولادة هو حالة صحية طبيعية، ويفهم أن أي شخص يمكن أن يتأثر بهذا، ومن المهم أيضاً أن يُوجِدَ المهنيون الصحيون فرصة للأمهات الحوامل لمناقشة خوفهن وقلقهن المتعلقين بعملية الولادة.

وبالمقابل يمكن أن يسهم عدم التعرف على رُهَاب الحمل والولادة والوعي به بإحداث تأثير كبير على الصحة النفسية للمرأة والعلاقة الزوجية، والارتباط مع الطفل في المستقبل.
آخر تعديل بتاريخ 14 أبريل 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية