تغطية خاصة لفيروس كورونا

تغطية خاصة لفيروس كورونا

اضطراب الشخصية الحدية .. نظرة من الواقع العربي

على الرغم من الزيادة الملحوظة في وعي المجتمع العربي بالأمراض النفسية في الأعوام الاخيرة وتحرك نظرة المجتمع إلى المريض النفسي كشخص يعاني وبحاجة إلى المساعدة والدعم بدلا من معاملته كشخص منقوص الحقوق.


لكن يبقى ذلك الوعي قاصرا على الاضطرابات الشائعة كالاكتئاب والفصام واضطرابات القلق، في حين تبقى اضطرابات الشخصية كمنطقة غامضة بالنسبة لمعظم الأشخاص العاديين، بل وأحيانا بعض المتخصصين.

وربما يعود ذلك الغموض إلى صعوبة التشخيص أحيانا بالإضافة إلى قصور وسائل المساعدة، فالمنطق يؤكد ميل المتخصصين إلى تشخيص المشكلات القادرين على حلها والتعامل معها، وتكمن صعوبة تشخيص اضطرابات الشخصية في احتياجها إلى وقت طويل نسبيا، وربما إجراء بعض القياسات النفسية وأحيانا مقابلة بعض المحيطين بالعميل من أجل الوصول إلى تشخيص دقيق ومن ثَم بدء العلاج.

ويتناول هذا الملف واحداً من أكثر اضطرابات الشخصية شيوعا، ولحسن الحظ أيضا أكثرها استجابة للعلاج طبقا للأبحاث العلمية المنشورة مؤخرا، وهو اضطراب الشخصية الحدية. 

وسنحاول قدر المستطاع تقريب الصورة إلى ذهن القارئ العربي من واقع الممارسة الإكلينيكية في مصر.

ما هي الشخصية؟

ولكن لنبدأ أولا بتعريف واسع للشخصية، وهي بأكثر التعريفات تبسيطا مجموعة الأنماط السلوكية والمعرفية والوجدانية التي يعتمد عليها كل فرد، أي كيف يفكر الشخص؟ وكيف يتصرف ويتعامل مع المشكلات ويعبر عن مشاعره في معظم الوقت؟ والسؤال هو متى يتحول هذا النمط لنمط مرضي أو ما يطلق عليه اضطراب شخصية؟

متى يتحول هذا النمط إلى اضطراب شخصية؟
عندما يبدأ هذا النمط في إعاقة الشخص عن الحياة بشكل طبيعي ومنعه من التكيف مع البيئة المحيطة، وفي أحيان أخرى خلق صعوبة للبيئة المحيطة في التكيف معه.

وتنقسم اضطرابات الشخصية طبقا للتصنيف الدولي للاضطرابات النفسية إلى ثمانية أنماط محددة، إضافة إلى نمط تاسع وهو "اضطراب الشخصية غير المحدد". 

وتشير معظم الإحصاءات إلى أن نحو واحد من كل عشرة أشخاص يعاني من أحد اضطرابات الشخصية القابلة للتشخيص.

بينما يرى البعض أن لفظ "اضطراب شخصية" في حد ذاته يعتبر هجوميا أو تصنيفياً لشخص قد يكون فنانا مرهفا أو مهندسا ناجحا أو أبا رائعا في كثير من الأحيان، ولوجهة النظر تلك كثير من الوجاهة، فلكي نُعَرّف اضطراب الشخصية لا بد أولا أن نتفق على تعريف الشخصية الطبيعية، ويعد هذا من أكثر التعريفات جدلا، فمن منا لا تحتوي شخصيته على سمات نرجسية أو وسواسية أو قد يعاني من الحساسية المفرطة للمشاعر في بعض الوقت؟

وعلى الرغم من أن اضطراب الشخصية الحدية لا يعد أكثرها انتشارا حيث يبلغ معدل انتشاره طبقا لمعظم الإحصائيات 1.5 إلى 2% من العامة، ولكنه يعد في الوقت ذاته من أكثرها خطورة، واستنزافا لموارد المنظومة الصحية، نظرا لاضطرار عدد كبير ممن يعانون من هذا النوع من المشكلات إلى التردد على أقسام الطوارئ أو عيادات المتخصصين إما من أجل محاولات الانتحار المتكررة، أو نوبات الغضب والحزن الشديدة التي يمرون بها، وأحيانا أخرى لمحاولة البحث عن حل لمشاكل العلاقات غير المستقرة والتي تسبب للعميل والمحيطين به كثيرا من الضيق.

ولا توجد حتى الوقت الحالي الكثير من الإحصائيات العربية لمن يعانون من هذا الاضطراب، باستثناء دراسة إماراتية أوردت وجود 3.8 % ممن يترددون على مراكز الرعاية الصحية الأولية يعانون من اضطراب الشخصية الحدية.

كيف تتطور الشخصية الحدية؟ (النظرية النفس اجتماعية The Biosocial Theory)
تكمن الصعوبة في التعامل مع من يعاني من اضطراب الشخصية الحدية سواء من المحيطين أو حتى المتخصصين، حيث يظهر الشخص بحالات مختلفة تتراوح بين الصحة والمرض تبعا لحالته النفسية والذهنية والظروف المحيطة، ويعد هذا أحد أسباب وصفها بـ "الحدية" حيث يرى بعض علماء النفس أن هؤلاء الأشخاص يقفون على الحد الفاصل بين الصحة والمرض، أو الطبيعي وغير الطبيعي، حسب الضغوط والظروف المحيطة. 

في حين ترى بعض المدارس الأخرى أنها على الحد بين العصاب والذهان أو غيرها من التعريفات، ولكن التفسير الأول هو الأقرب لنا من خلال الممارسة العملية والأكثر قبولا لمن يعانون من اضطراب الشخصية الحدية.

وقد تلاحظ عزيزي القارئ استخدامي للفظ "العميل" بدلا من "المريض" منذ بداية المقال، ولهذا هدف محدد، وهو الإشارة إلى أن من يعاني من اضطراب الشخصية الحدية لا يعتبر مريضا بالمعنى المفهوم طوال الوقت، حيث يعتمد مدى تكيف الشخص في كثير من الأحيان على البيئة المحيطة.

فحينما يحاط هذا الشخص ببيئة "حاضنة" (Validating Environment) بمعنى أنها تراعى الحساسية الوجدانية المفرطة لديه، وتحاول احتواءها بقدر كبير من التفهم، يتمكن العميل من التعامل مع البيئة بقدر عال من الكفاءة، بل ويبرز مواهبه وقدراته المميزة النابعة أحيانا من حساسيته الفائقة.

ولكن حينما يتعرض العميل لبيئة "غير حاضنة" (Invalidating Environment)، إما لكونها تتعامل مع تعبيره القوى عن المشاعر بشكل عنيف، أو بفتور شديد وعدم انتباه، أو حتى في بعض الأحيان بشكل طبيعي، ولكنه لا يراعي الطبيعة الخاصة لهذا الشخص وتعامله مع المشاعر، فإن الشخص يبدأ في التصرف بطرق مختلفة قد تميل إلى الجانب المرضى مثل الانفعال الشديد، أو السلوكيات الاندفاعية كتعاطي المكيفات، أو العلاقات الشخصية المندفعة، وأحيانا السلوكيات الانتحارية أو غيرها من أنماط إيذاء النفس.

ولكن يبقى المعيار الفاصل دوما هو وجود تلك السمات بشكل شبه مستمر لفترات تعود غالبا إلى سن المراهقة وربما الطفولة، بالإضافة إلى تسبب تلك السمات في عجز الشخص عن القيام بأدواره الأساسية في الحياة، والمعاناة النفسية لفترات طويلة قد تصل به في كثير من الأحيان إلى حافة الانتحار.

تطور النظرة إلى اضطراب الشخصية الحدية
تميل بعض الدراسات الحديثة المؤيدة بأبحاث متعددة وأدلة بيولوجية وتشريحية عن طريق الأشعة التشخيصية والوظيفية إلى حل معضلة تسمية الاضطراب، حيث تتجه إلى تسميته "اضطراب خلل التحكم في المشاعر المستمر" أو "Pervasive emotion dysregulation disorder"، ومن هنا يمكن فهم معظم الأعراض بصورة أكثر منطقية، وللاطلاع على قائمة الأعراض يمكن العودة لمقال "الشخصية الحديّة .. كره الذات وإيذاء النفس" المنشور بنفس الموقع، حيث سيتعرض المقال الحالي لمحاولة فهم الأعراض وعلاقتها بخلل التحكم في المشاعر، ومن ثم كيفية العلاج.

ترى مارشا لينيهان وفريق معاونيها بمركز الأبحاث والعلاجات السلوكية بجامعة واشنطن أن الخلل الأساسي لدى من يعانون من اضطراب الشخصية الحدية هو الخلل في التحكم في المشاعر، حيث يعاني الشخص من حساسية مفرطة للمؤثرات الوجدانية، نظرا لأسباب بيولوجية أو وراثية في معظم الأحيان، مما يؤدى الى خلل في التعبير عن المشاعر بصور مختلفة مثل:

1. وجود مشاعر سلبية أكثر من المعتاد في معظم الوقت كحالة وجدانية عامة.
2. الاستجابة لمؤثرات بسيطة قد لا يلاحظها الشخص العادي.
3. التعبير عن المشاعر بصورة مبالغ فيها إما من حيث كمية الانفعالات أو مدتها.
4. الحاجة إلى وقت أطول من المعتاد للعودة إلى الوضع الطبيعي أو الحالة المزاجية المعتدلة.

وتتراوح أكثر أعراض الاضطراب استمرارية بين كونها تعبيرات مختلفة عن المشاعر القوية، أو الحالات الوجدانية المختلفة، أو محاولات للتحكم في تلك المشاعر بطرق غير فعالة قد تؤدي في بعض الأحيان إلى زيادة حدة المشاعر وتصاعدها بدلا من السيطرة عليها، مما يؤدي في كثير من الأحيان الى استمرار العميل في حلقات متتالية من الأزمات والتصرفات الناتجة عن المشاعر والآلام النفسية بشكل مرهق، يستنزف العميل ومن حوله.

قصة من الواقع
هنا ربما نتوقف قليلا مع قصة لإحدى العميلات عند بداية العلاج قد تقربنا من الصورة أكثر فأكثر، "س" فتاة متفوقة علميا وتتمتع بذكاء ملحوظ متفوقة على زملائها منذ الصغر، وهي الابنة الصغرى لأسرة مترابطة مكونة من والدين يعملان بوظائف مرموقة، وأشقاء أكبر أتموا تعليمهم منذ بضع سنوات.

"س" تهوى القراءة والموسيقى واللغات الأجنبية، لديها دائرة واسعة من الأصدقاء، ولكنها تصف نفسها بالشخص المحاط بالكثيرين ولكنه دوما يشعر بالوحدة.

للوهلة الأولى تلقى المعالج اتصالا هاتفيا قلقا من والد "س" يطلب لقاءه على وجه السرعة لاستشارته بخصوص ابنته ومشاكلها المتكررة مؤخرا، والتي انتهت بفصلها من الجامعة بعد التحاقها بها بشهر نتيجة شكوى زملائها من تصرفاتها الغريبة والمنطوية أحيانا وعصبيتها الشديدة وتدخينها وتعاطيها للكحوليات، بما في ذلك من تحد واضح لقواعد السكن بالجامعة.

عندما التقى المعالج بـ "س" للمرة الأولى كانت تتحدث بصعوبة، وتعاني من مزاج سيئ للغاية، وصداع مزعج بعد أن نامت لمدة 24 ساعة متواصلة نتيجة تناولها 10 أقراص من مضاد الاكتئاب الموصوف لها، وذلك بعد أن علمت بفصلها من الجامعة مما يعنى أنه "لا يوجد معنى للحياة بعد ذلك" على حسب وصفها.

"س" كانت دوما طفلة ذكية متفوقة، ولكنها مختلفة على حسب وصف الأهل، مزاجها متقلب بسهولة، وكثيرا ما كانت تعامل معاملة خاصة لأنها الابنة الصغرى، علاوة على كونها الفتاة الوحيدة بين أشقائها.

الحياة المبكرة في بيئة ريفية نسبيا جعلتها شخصا مخالفا للتوقعات في معظم الوقت، رغم تعرضها للتحرش الجنسي في طفولتها التي لم تصرح به لأهلها إلا مؤخرا، إلا أنها كانت دوما طالبة متميزة إلى الحد الذي أهلها للانضمام لمدرسة للمتفوقات، اضطرتها للانتقال للمعيشة بمفردها في إحدى المدن الكبيرة.

وهنا كانت بداية التحولات، التناقض بين التربية الدينية المتحفظة نسبيا، والتعامل مع أقران من بيئات وخلفيات اجتماعية مختلفة، محاولة الحفاظ عل التميز وسط مجموعة من المتفوقات والمنافسة الشديدة، التعرض للتغيرات السياسية والاجتماعية بمصر خلال السنوات الماضية، ومحاولة البحث عن موقف متمرد ومستقل من قارئة نهمة وشخصية قيادية منذ الصغر.

البحث عن الجديد والمختلف كان شغفها الدائم، بداية من تجربة الكحوليات والمكيفات والبحث عن علاقات بالجنس الآخر، وإن كانت طبيعية بالنسبة لسنها، ولكنها مرفوضة بشكل قاطع من الأسرة المحافظة، ووصولا إلى تساؤلات مستمرة عن الدين والإله والجدوى من الحياة ذاتها وربما الميول الجنسية أحيانا.

كل هذا أدى إلى صدامات مستمرة مع الأهل وإدارة المدرسة والأصدقاء القدامى، وأدت تلك الصدامات إلى محاولة انتحار خطيرة بالقفز من الدور الثاني، ومحاولات شبه انتحارية متعددة باستخدام آلات حادة، وذلك فقط عندما تشعر بالغربة على حد وصفها، أو عدم جدوى الحياة في بيئة لا تتفهم طبيعتها المختلفة، ولا تؤهلها لمتابعة البحث عن حلمها واستخدام مواهبها المتعددة.

وهنا لا بد من طرح السؤال .. هل "س" هي مجرد مراهقة متمردة ستنتهي جميع مشكلاتها عندما تصبح أكثر نضوجا، وربما تنتهي من دراستها وتدخل في علاقة مستقرة؟ أم هي شخص يعاني من حالة مرضية، وبحاجة إلى برنامج علاجي متكامل يطور من مهاراتها، ويؤهلها لبناء "حياة تستحق أن تعيشها"؟

هذا ما سنجيب عنه في الجزء الثاني من المقال.


المراجع

Linehan, M. M. (1993). Cognitive Behavioral Treatment of 
Borderline Personality Disorder. New York: Guil­ford Press.

World Health Organization. The ICD-10 Classification of Mental and Behavioural Disorders: Clinical Descriptions and Diagnostic Guidelines. Geneva, Switzerland: World Health Organization; 1992.

Crowell S.E, Beauchaine T.P, and Linehan M.M. A Biosocial Developmental Model of Borderline Personality: Elaborating and Extending Linehan’s Theory. Psychological Bulletin, 2009, Vol. 135, No. 3, 495–510.

آخر تعديل بتاريخ 15 مايو 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية