قامت إحدى شركات المياه الغازية، منذ سنوات، بعمل إعلان دعائي جديد لمنتجاتها. كان هذا الإعلان فى منتهى البساطة والعبقرية فى نفس الوقت، وكانت فكرته أن يتم كتابة أسماء آلاف - بل ملايين- الأسماء بشكل عشوائي على عبوات منتجاتها، وحققت الفكرة نجاحاً هائلاً، وانتشرت بين الناس كالنار فى الهشيم، واشتهر المنتج أكثر وأكثر، وحققت الشركة أرباحاً جيدة.
هل تعرف لماذا حققت هذه الفكرة البسيطة كل هذا النجاح؟ سأقول لك.

هناك احتياج عام عند البشر جميعاً اسمه (الاحتياج إلى الرؤية - احتياج أن تُرى بضم التاء) Need to be seen، بمعنى أن تشعر أن الآخرين حولك يرونك، وأنك موجود، وأن وجودك مهم، وله معنى وقيمة وتأثير.

نولد جميعاً بهذا الاحتياج الفطري الطبيعي، ونبدأ فى السعي إلى إشباعه من سنوات- وربما شهور- عمرنا الأولى، فترى الطفلة الصغيرة تلبس فستاناً جديداً، وتذهب لأمها قائلة: ماما.. ما رأيك؟ هل أنا حلوة؟ وكل ما تريده فى الحقيقة هو أن تشعر أن أمها تراها، وأنها (حلوة) فى عيون أمها، التي هي - فى ذلك الوقت - كل العالم بالنسبة لها، تجد أيضاً الطفل الصغير يصرخ ويكسر ويدور حول نفسه مراراً وتكراراً، حتى يلفت نظر من حوله، ويتأكد أنهم يرونه، يتأكد أنه (مرئي).

مهم جداً أن نُرضي ونُشبع هذا الاحتياج البسيط لدى أولادنا، لأنهم لو كبروا وهم مازالوا محرومين منه، فقد يُقدِمون على فعل أي شيء، ويدفعون أي ثمن، لمجرد أن يشعروا بأنهم (مرئيون)، و(موجودون)، و(مُقدَّرون)؛ بداية من الشخص النرجسى الذى يود أن يكون محور الكون، ومحط أنظار الجميع، مروراً بالشخصية الهستريونية التمثيلية المهووسة بالملابس والألوان ومساحيق التجميل المبالغ فيها، وانتهاء بالشخص (متوهم المرض) الذى يشعر فى كل لحظة بأنه مريض، وفى حاجة للكشف الطبي والاطمئنان على صحته وأشعاته وتحاليله، لا لشيء إلا لمجرد أن يشعر بأن من حوله (يرونه)، ويهتمون به. وهناك من يغضب حتى يراه من حوله، ومن يهاجر حتى يراه الآخرون، ومن يبيع أو تبيع نفسها حتى تجد من (يراها).

هناك تمرين شهير من تمارين السيكودراما، اسمه تمرين (الأسماء)، يتم عمله فى مجموعات، وفكرته ببساطة هى أن يذكر كل من الموجودين اسمه، وتقوم باقي المجموعة بترديد اسمه خلفه بصوت مرتفع، ولك أن تتخيل وصف المشاركين فى هذا التمرين حينما يسمع كل منهم اسمه يُنادَى عليه بصوت مرتفع من مجموعة من البشر، منهم من يشعر بفرحة عارمة، ومنهم من يشعر بالاطمئنان، ومنهم من يصف أن الدنيا قد أضاءت من حوله، ومنهم من يحس بأنه موجود، وكلها فى الحقيقة تعبيرات مختلفة عن أصل واحد، وهو ذلك الاحتياج الإنساني العميق أن (نُرى) - بضم النون.

هذا ما فعلته شركة المياه الغازية، أن تجد اسمك موجوداً على أحد عبواتها، فتشعر بأن الناس (تراك)، وتقدرك، ويفرح بك أصحابك، ويتبادلون صورة اسمك على الفيسبوك، وتتلقى الإعجاب والمشاركة، وما يشبه الأجواء الاحتفالية، لمجرد اسم، لكن الحقيقة ليست فى الاسم على الإطلاق، لكنها فى الاحتياج الذى يختبئ خلف الاسم.

نعود ونقول..
فى علاقتك بمن حولك..
احرص على أن تُشعر الطرف الآخر فى العلاقة (الأولاد - الأزواج - الأصدقاء وغيرهم) بأنه مرئي، وموجود، وأن لوجوده قيمة وتأثيرا، وأن وجوده مفرح، ومبهج، وجميل، ومهم، لأن بديل ذلك قد يكون ثمناً غالياً للغاية.

وحينما تشعر أنت شخصياً باحتياجك لأن (تُرى)، اطلب ذلك من دون تردد، اطلبه بصراحة وبوضوح وبكلام مباشر، لأن البديل أيضاً قد يكون ثمناً غالياً للغاية.

هناك أمراض نفسية يختبئ وراءها هذا الاحتياج، هناك هلاوس سمعية وبصرية لا وظيفة لها سوى أن يشعر المريض من خلالها أنه موجود، ومرئي، ومهم، حتى لو بشكل مرضي، وهناك جرائم تُرتكب حتى يشعر أصحابها بأنهم موجودن؛ فقط موجودون.

هناك زواجات تفشل، وصداقات تنتهى، وبيوت تنهار، لأن الطرفين لا يُشبعان هذا الاحتياج الإنساني البسيط لدى بعضهما البعض.

وهناك أبناء يضلون الطريق، ويبتعدون كل البعد (نفسياً على الأقل) عن آبائهم وأمهاتهم، بحثاً - فقط - عمن يراهم، نعم، يراهم فقط.

اعف نفسك ومن حولك من متاعب وصعوبات نفسية وجسمانية لا حصر لها.
ابدأ الآن، مع نفسك، ثم أقرب الناس إليك، ثم الأقرب، فالأقرب، فهذا حقك، وذلك حقهم.

آخر تعديل بتاريخ 16 فبراير 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية