تغطية خاصة لفيروس كورونا

تغطية خاصة لفيروس كورونا

”أنا أعرف جيداً، لقد تتبعت الأمر، إنه يسري في العائلة“.. كنت حينها أتحدث مع صديق لي عن اضطراب سلوكي ما، كذلك حين ينتبه كل أحد منا قد يجد خطبا ما.. خللا بعينه.. ينتشر داخل العائلة كحشيش في الأرض.

حديثنا اليوم عن الأسرة ودورها في حدوث الاضطراب لواحد أو أكثر من الأبناء، ومهم قبل التطرق لهذا الموضوع الهام أن نوضح أن مقصدنا هو الوعي والوعي فقط.. فنحن لا نقصد أن نحكم أو ندين الأسر، ولا نهدف للتفتيش في الماضي من أجل الرثاء أو اللوم؛ وإنما لرصد مواضع التصحيح لبناء مستقبل أفضل.

* الأسرة موطن الداء
وسيكون حديثنا اليوم عن نوع من العلاج النفسي ينظر إلى الأسرة كوحدة واحدة يمكن وصفها بالصحة والمرض؛ فينظر إلى الفرد المضطرب على أنه نقطة الضعف التي ظهر من خلالها اضطراب الأسرة، والعضو الملتهب في الجسد المعتل.

* علامات اضطراب الأسرة
تظهر علامات المرض في:
- القوانين غير المعلنة في الأسرة، والتي تأخذ شكل العرف أو "أصول العائلة"، وتقوم الأسرة بصيانتها من خلال مجموعة من الأمثال الشعبية، والتي تأخذ قوة بنود دستورية متفق عليها بشكل ضمني.

- قد تظهر كذلك في تعامل الأسرة مع الكليات الإنسانية، كقيمة الحرية والاستقلال لأفرادها كحق الفرد في الخصوصية واتخاذ القرار، ودور الذكورة والأنوثة، وأيضاً الصحة الروحية للأسرة.

بعد الحرب العالمية حين شهدت أسر الجنود العائدين الكثير من الاضطرابات، وكأن أسرهم قد دخلت في حالة من الاتزان الذي اهتز بعودتهم، ونرى هذه الظاهرة - كذلك - بعد شفاء أحد المرضى من الاضطرابات المزمنة كالذهان أو الإدمان، وكانت هذه هي بدايات الالتفات إلى كون الأسرة كوحدة قابلة للسواء والاضطراب أو الصحة والمرض (مع الوضع في الاعتبار أنه لا يوجد سواء مطلق).

هناك كذلك بيئة أسرية تعمل كتربة داعمة للسواء أو المرض مثل العلاقة بين أفراد الأسرة، التكتلات التحتية والبينية، مركز السلطة ومحل الانتباه، اعتمادية الأسرة على أحد أفرادها من صحته أو إنجازه أو غيابه أو مرضه، وضوح القواعد والقوانين، مدى قبول المشاعر أو التعبير عنها "الذكاء الوجداني"، مدى واقعيتها وقابليتها للاعتراف بالمشكلات والسعي في حلها.. كل هذه سمات وأمارات يمكن من خلالها التعرف على حال الأسرة من حيث السواء والمرض.


* أنواع الأسر
في كتابه "صحة العلاقات" يميل الكاتب إلى تقسيم الأسر إلى ثلاث مجموعات، من خلال التركيز على عدة سمات بعينها وهي الأسر الصحية، والأسرة المضطربة أو المتفككة، وبينهما الأسر متوسطة الاضطراب وتحتل النسبة الأكبر، ونرى أن هذا التقسيم هو تقسيم لتسهيل الفهم والدراسة، والأقرب أن الأسر تقع على خط متصل بين السواء والاضطراب؛ بعض الأسر أقرب للسواء.. والبعض الآخر أقرب للاضطراب، وبعض الأسر اكثر سواء أو اضطرابا من الأسر الأخرى.

- في الأسرة الصحية
هناك حدود واضحة لكن مرنة، أدوار موزعة بعناية لكن تسمح أن يتقدم أو يتأخر شخص آخر للعب دور غيره إذا ما اقتضى الأمر، هناك مساحة حرية للتعبير عن المشاعر بكافة أطيافها، ترى الواقع وتحدد المشكلات في بدايتها وتطلب المساعدة إذا اقتضى الأمر، هناك سبل للتعامل مع المخالفات للتقويم والتهذيب.

- بينما في الأسر متوسطة الاضطراب
هناك حدود صارمة وأدوار لا تسمح بالتبادل، ولذا تتزعزع الأسرة عند غياب الوالد مثلاً، هناك قبول للمشاعر الإيجابية فقط، وهناك تهوين من المشكلات وميل إلى التكتم عليها عند إدراكها، وعند وقوع مخالفة فهناك عقوبات صارمة.

وتحت الضغط قد تنتقل الأسرة متوسطة الاضطراب لتكون أسرة متفككة، حيث لا حدود ولا خصوصية، ولا أدوار معلومة بل هناك صراع بين الوالدين على السلطة وتواطؤ لجذب الأبناء لأحد الأطراف، وليس هناك مساحة ولا اعتراف للتعبير عن المشاعر، ولا يوجد إدراك لوجود مشكلة فضلاً عن السعي في حلها.

* العلاج النفسي ولعبة الكراسي الموسيقية
في العلاج النفسي مع عميلٍ ما على اضطراب في الشخصية أو اضطراب نفسي مزمن يكون علي أن أضع في حسباني أن تعافيه سيمثل تغييره لموقعه في لعبة الكراسي الموسيقية داخل دوائره الشخصية، والذي سيتطلب أن يغير آخرين مواقعهم، التغيير الذي سيحدث في الإنسان الذي معي سيطالب بموقعه في حركيات بيت النشأة، وعادة ما يحدث عن ذلك خلخلة تشبه الغبار الثائر عند تنظيف غرفة طال إغلاقها، فنحن في حياتنا نغير مواقعنا طبقاً للمواقع التي يتخذها الآخر الذي في العلاقة أو العكس، وظهور شخص مضطرب في أسرةٍ ما، يعني أن اللعبة لم تسر بشكل جيد، وأن الجماعة حققت نفعاً على حساب بعضها الآخر، وعادة ما يحدث ذلك بشكل لا واع، والتعافي الأُسَري هنا يعني إعادة توزيع المواقع، أو كما كان يحب فرويد أن يسميها، سنجلب اللاوعي إلى حيّز المشاهدة الواعية.

لا يعني ذلك أن الجماعة الأسرية تختار أن تتخلى عن أحد أفرادها، ولكن الأمر أشبه بحركة عشوائية تنتهي إلى السكون باتخاذ كل فرد موقعا بعينه في بنيان الأسرة، والأعم الأغلب أن كل أسرة بذلت غاية جهدها لكي يعيش أبناؤها حياة أفضل، وكذلك فإن الكثير من أفراد الأسرة متوسطة الاضطراب ينمو ليحقق شأناً استثنائياً تحت ضغط الشعور بالنقص الذي يستعمله لصالحه.

وفي النهاية رسالتي لك أنت
أن ترى بعين البصيرة ما الدور الذي تلعبه في الأسرة، وهل تلعبه عن وعي واختيار أم كيفما اتفق؟
ثانية وهو الأهم: كيف حال أسرتك من حيث الصحة والمرض، وماذا ستفعل حيال ذلك؟

اقرأ أيضا:
احتياجاتنا البسيطة ومركب النقص
إساءات الطفولة دمرت نفسيتي
فيلم "سبليت".. حين يقسمنا الألم
هل تعاني من تبعات إساءات الطفولة؟
هل تريد أن تخسر ابنك؟.. عن الإساءة النفسية نتحدث
آخر تعديل بتاريخ 21 أكتوبر 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية