فى أول تدريب لي على السيكودراما – والذى كان فى روما - كانت المدربة تعلمنا شيئاً هاماً للغاية، طلبت منا (وكنا مجموعة من حوالى ثلاثين شخصاً) أن نتحرك فى المكان بشكل عشوائي، وأن ينظر كل منا إلى الآخر الذى يقابله أثناء المشي، وأن يظهر على وجهه أية تعبيرات تلقائية، لم يكن هناك أي تعليمات بخصوص تعبيرات الوجه التى نقوم بإظهارها، لكن المدربة لاحظت أن كل الموجودين كانوا يبتسمون فى وجه بعضهم بعضاً، أو على الأقل يظهرون تعبيرات وجه (لطيفة).. شخص يضحك.. شخص يبتسم.. شخص يرفع حاجبيه.. وهكذا.

وهنا طلبت منا المدربة طلباً غريباً.. قالت لنا: You don’t have to be so nice، أي لا يلزم أن تكونوا لطفاء جداً.. وطلبت أن نظهر على وجوهنا تعبيرات مختلفة تماماً.. لا يجب أن تكون بالضرورة (ضحك).. يمكن أن نعبر عن غضب.. عن زهق.. عن استياء.. عن اشمئزاز.. عن حزن.. عن ضجر.. وبدأنا بالفعل فى عمل ذلك.. هناك من قطب حاجبيه.. هناك من أخذ ينفث.. هناك من أغلق عينيه.. وهكذا.. وهكذا.

وصلني من هذا التمرين رسالة هامة جداً.. رغم أنها بديهية جداً.. وذكرتني هذه الرسالة بدرس هام فى التحليل النفسي.. وهو أن هناك نوعاً من الناس يتصرف مع من حوله طوال الوقت على أنه شخص (لطيف جداً).. يرضي كل الناس.. لا يريد أن يغضب منه أحد.. قد يصيبه الحرج من قول كلمة (لا).. يخاف أن يعترض أو يغضب أو يزهق أو حتى أن يظهر ذلك عليه.. يحاول دائماً تجنب المشاكل.. ويرضي جميع الأطراف.. ويقوم فى أحيان كثيرة بتقديم احتياجات الآخرين على احتياجاته هو شخصياً.. مهما كان بداخله من مشاعر إنسانية عادية.. واحتياجات بشرية لا جدال فيها.

تعود هذا الشخص، منذ طفولته، أن يكون دائماً The Good Child، الطفل اللطيف الظريف.. الهادئ المسالم.. الضاحك المبتسم.. الذى لا يشكو.. ولا يبادر.. ولا يعترض.. ورغم أن ذلك يبدو جميلاً وطيباً ومحل إطراء.. إلا أن الطفل يفعله على حساب نفسه، ويكتم داخله لسنوات طويلة مشاعر إنسانية كثيرة جداً، هى كلها من حقه، لكن ما وصله فى طفولته هو أنه من غير المسموح أن يعبر عنها.. غير مسموح أن يعبر عن الكره أو الغضب أو الملل أو الاشمئزاز أو الرفض.. تعلم هذا الطفل ألا يعبر عن مشاعره الحقيقية حتى يتجنب المشاكل التى قد تحدث له أو تحدث بسببه (كما صور له من حوله).. قام أهل هذا الطفل بتحميله مسؤولية ليس له أي علاقة بها في الحقيقة.. وهي أن من حوله يجب أن يكونوا راضين وسعداء.. وإذا لم يحدث ذلك.. يتحمل هو الذنب.. والعقاب بالطبع.

صديقي العزيز..

صديقتي العزيزة..
من حقك أن تعبر عما بداخلك كما هو..
من حقك أن تحب أو تكره..
من حقك أن تفرح أو تحزن..
من حقك أن تزهق أو تمل..
من حقك أن توافق أو ترفض..
من حقك أن ترسم على وجهك ما يدور داخلك..
ومن حقك أن يظهر ذلك فى كلامك وتصرفاتك وتعبيراتك..
ليس المقصود هنا بالطبع أن تكون عبوساً أو قاسياً أو متجهماً.. لكن ذلك لا يعني أيضاً، أن تكون منافقاً أو متكلفاً أو مبدياً غير ما تظهر..
باختصار شديد..
من حقك - وبكل بساطة وبديهية - أن تكون حقيقياً.. طالما لا تؤذى غيرك.. أو نفسك..
وأن تكون أصيلاً فى مشاعرك.. ومخلصاً فى التعبير عنها.. طالما لا تضر بها أو من خلالها أي أحد.

ولتبدأ الآن..
كيف تشعر في هذه اللحظة؟

اقرأ أيضاً:
العقلانية وكتم المشاعر.. الانفصال عن الذات
مشاعرك.. حين لا تمت لك بصلة
توحدت مشاعري به وعشت له.. نفسك أمانة
الشعور بالذنب.. سلاح مدمر
قبول النفس أهم خطوات الوجود الحقيقي

آخر تعديل بتاريخ 14 فبراير 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية