تسود في عصرنا الحالي قيم الفردانية والتنافسية والبحث عن المتعة من أجل المتعة حتى لو كان هذا على حساب الآخرين، ويحيط بنا أشخاص مؤذون يسيرون في دروب الحياة على أجساد أقرانهم؛ في محاولة للحصول على أكثر المكاسب وأعلى مستويات المتعة، ونرى حولنا ازدياد حوادث التنمر في المدارس والجامعات، والتحرش والاعتداءات الجنسية، كما نرى تصاعد مستويات العنف الأسري، ونرى غياب روح العمل في فرق وشيوع سلوكيات العنف الظاهر والعنف السلبي، ولا يقتصر الأمر على سلوكيات فردية، ولكنه أصبح ظاهرة عالمية.. فشعار الكثيرين "أنا ومن بعدي الطوفان"؛ مما يدلل على أزمة أخلاقية كبيرة تهدد الجنس البشري. 

ويقع على عاتق أولياء الأمور مهمة تنشئة أطفال خيّرين جيدين ومتوازنين في خياراتهم، ومقصدنا من التوازن هو أنهم قادرون على الموازنة بين احتياجاتهم واحتياجات الآخرين؛ فلا يطغى جانب على الآخر، وبذل الجهد من أجل تنشئة أطفال خيرين لا يصب فقط في صالح صحة المجتمع، ولكنه يصب بالأساس في صحتهم النفسية.


* ما هو المقصود بالشخص "الجيد الخيّر"؟
بالنسبة للكثيرين منا، الشخص الجيد هو الشخص الذي يظهر السلوك الذي يسميه علماء النفس "السلوك الأخلاقي الاجتماعي".

وفي دراسة حديثة نشرت في مجلة علم النفس التنموي عن نمو التفكير الأخلاقي الاجتماعي، أعطتنا الدراسة بعض الإرشادات حول كيف يمكننا أن نربي جوانب الخير في أطفالنا، وبدأت الدراسة أولا في تحديد الخصائص المميزة للأطفال الخيرين.

* خصائص الطيبين الخيّرين
غالباً ما تُعرّف الشخصية الاجتماعية الإيجابية بأنها شخصية تتصرف "بطرق مفيدة وسخية وراعية"، وتهتم "بحقوق ورفاهية الآخرين"، ويتمتع الأشخاص الذين تم وصفهم على أنهم اجتماعيون ببعض الخصائص المميزة:

1) عندهم قيم وإدراكات موجهة نحو الآخرين
هؤلاء الأشخاص يملكون قيماً عليا تجعل العالم مكانًا أفضل، مما يؤثر على الآخرين بطرق إيجابية تترك أثراً دائمًا، ونتيجة لهذه القيم يفكر الشخص الإيجابي في تفاعلاته مع الآخرين، وكيف يمكن أن يكون مصدر إلهام ومفيدا، وقد يكون من المفيد أن نشجع الأطفال على ممارسة أنشطة مختلفة تدعم هذه القيم، فمثلا يمكنك أن تطلب من أطفالك أن يختاروا قيمة أخلاقية يودون أن يحملوها، واطلب منهم أ ن يكتبوا عن الأفعال والممارسات التي تعكس تلك القيمة، والأخرى التي تناقضها، ثم ناقشهم في أجابة لهذا السؤال "كيف يمكن أن تتناسب حياتي بشكل أفضل مع قيمي؟ وهذا النشاط هو نشاط مقصود يستخدمه الأشخاص المهتمون أخلاقياً بشكل متكرر لتحسين أنفسهم.



2) القدرة على التعاطف (empathy)
الأشخاص الطييون يسعون إلى فهم كيف يشعر الآخرون، وهذا هو المقصود بالتعاطف، والذي يمكن تعريفه بأنه "رد فعل عاطفي ينبثق من حالة أو حالة عاطفية لشخص آخر ويشبهها إلى حد بعيد"؛ فالطفل الذي يقوم بعمل تطوعي لحماية الأطفال الآخرين من البلطجة والتنمر - رغم أنه شخصيا لم يتعرض لهذه التجربة المؤلمة - هو شخص قادر على وضع نفسه مكان الآخرين، وقادر على الشعور بمشاعرهم، وهذا الطفل لا يمكنه المشاركة في البلطجة والتنمر لأنه قادر على رؤية كيف تؤثر هذه الأفعال على ضحايا البلطجة والتنمر.

3) القدرة على النظر إلى الحياة من منظور شخص آخر
تنشأ هذه القدرة كنتيجة طبيعية للتعاطف؛ ومن يستطيع رؤية الحياة من الجانب الآخر لا يمكن أن يمارس البلطجة والتنمر، لأنه قادر على أن يفكر في كيفية شعور الضحية عندما يضرب أو يتعرض للسخرية.

4) عدم تبرير الخروج عن نطاق المبدأ والقيمة
توافر السمات الثلاث السابقة يؤدي إلى ظهور المكون النهائي للشخص "الجيد"؛ وهو عدم تبرير السلوكيات الخارجة عن النطاق القيمي الذي يتبناه الإنسان، فالشخص الذي لديه منطق ناضج، والذي يرغب في مضاهاة قيمه بأفعاله، والذي يشعر بالتعاطف ويمكنه أن يرى من منظور الآخر؛ لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يبرر السلوك "الخارج عن نطاق المبدأ"، لأن الشخص الذي يحاول بوعي أن يعيش حياة أخلاقية يجب أن يكون متماسكًا بين مواقفه وسلوكياته، وبالطبع من غير المتوقع أن يكونوا في حالة توافق وتطابق تام، لكن من المتوقع أن الجهد المبذول لخلق هذا التوافق سوف يتغلب تدريجيا لتصبح حالة التوافق هذه أكثر حضورا في الحياة.


* كيف تساعد أطفالك على اكتساب هذه الخصائص؟
أنت مصدر أساسي لصوت طفلك الأخلاقي الداخلي، وستكون ملهما له عندما تقوم بالتعبير عن إدراكك الموجه نحو الآخرين وخصوصا الأكثر احتياجا منهم، وعندما تقوم بتجسيد التعاطف، وعندما تشترك في المحادثات التي تكشف كونك ترى بمنظور الآخر، وعندما تضع قيمة عليا في حياتك الخاصة وتحرص على الاتساق بين معتقداتك وأفعالك؛ فأنت تمكن طفلك من الأدوات التي يحتاجها ليكون شخصًا جيدًا.

أطفالنا هم أكثر الأفكار الصادقة عن أنفسنا، فكثير من مخاوفهم هي مخاوفنا، ونقاط ضعفهم تبدو مثل نقاط ضعفنا، ونقاط قوتهم تستمد قوتها من خلال نقاط القوة لدينا، ويتم إطلاعهم على الخير من خلال سعينا نحن نحو الخير.. فإذا كنا نتساءل: كيف نربي الأطفال "الطيبين"؟ فالإجابة أن كل شيء يبدأ معنا.


المصدر:
How to Raise "Good" Children

آخر تعديل بتاريخ 23 مارس 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية