فتاة جميلة في العشرينيات من عمرها؛ جلست أمامي ونظراتها حائرة ومتألمة، سألتها كيف أساعدك؟ كان ردها: أنا "أعاني من البوليميا"، ونظرت إلي بطرف عينها تحاول قراءة ما بدا على وجهي، وكأن لسان حالها يسأل: "هل تقبليني؟؟".. وأحسبه السؤال الخفي دائم التردد في عقول ونفوس من يعانون من الاضطرابات النفسية عامة؛ و اضطربات الأكل خاصة.

* للأكل اضطراباته
هناك أنواع مختلفة من اضطرابات الأكل؛ تقع على متصل يبدأ من فقد الشهية العصبي  Anorexia nervosa؛ مروراً بالشراهة العصابية ”bulimia nervosa”، وصولاً إلى الإفراط القهري في الأكل ”compulsive overeating”.

من المعروف أن هذه الاضطرابات تحصل خاصة لدى النساء، وسنركز في هذا المقال على الشراهة العصبية، وفقد الشهية العصبي، وهنا نود أن نشير إلى وجود بعض السمات الأساسية التي تلاحظ على هؤلاء الأشخاص، والتي نحتاجها حتى نتمكن من تشخيص أي من اضطرابات الطعام.

أولاً: فقدان الشهية العصبي (الأنوركسيا Anorexia nervosa)
- يقل الوزن عن المثالي لمن هم في مثل عمرها وطولها بنسبة 15% أو أكثر.
- الخوف الشديد من البدانة؛ ويعتقدن أنهن بدينات بالفعل.
- يحدث اضطراب هرموني في الدورة الشهرية "الحيض" لمدة ثلاثة أشهر متتالية على الأقل.

وجدير بالذكر أن هناك نوعين من هذا الاضطراب:
1. الأول يسمى فقدان الشهية المقيد Restrictive anorexic، ويعتمد فقط على تقليل الأكل بصورة شديدة.

2. النوع الثاني يسمى فقدان الشهية النهم Binging anorexic، وتمارس فيه المصابة النهم الشديد ثم سلوكيات فقد الوزن.

ثانياً: الشراهة العصابية (البوليميا Bulimia)

- نوبات نهم، حيث تلتهم كميات كبيرة من الطعام في وقت قصير؛ وتشعر بالفقدان التام للتحكم في تناول الطعام أثناء هذه النوبة.
- تمارس بعدها سلوكيات لفقد السعرات التي اكتسبتها مثل: إجبار نفسها على التقيؤ؛ واستخدام الملينات ومدرات البول؛ وممارسة تدريبات بدنية عنيفة؛ واتباع أنظمة غذائية صارمة.
- من الشائع أيضاً أن تقوم بسلوكيات إيذاء الجسد؛ بل قد تدمن هذه السلوكيات لإفراز الأدرينالين.
- ويذكر أن التدخين وتعاطي المخدرات بصفة عامة أكثر شيوعاً بين المصابات بالشراهة العصابية.

ربما لا يميز حتى أقرب الناس مرور الفتاة بهذه الأزمة، وخاصة أنه لا تظهر المشكلات الصحية إلا بعد فترة، عندما يحدث اختلال في اتزان الأملاح والمعادن في الجسم بسبب القيء المتكرر، ويحتمل وجود انتفاخ في الوجه بسبب ورم الغدد اللعابية، ويحدث أن تتعرض الفتاة بنسبة أكبر لالتهابات الحلق والنزف في المريء، كما تبدأ مينا الأسنان في التآكل، ويؤدي اختلال العناصر المهمة في الجسم لبعض المشكلات الخطيرة الأخرى مثل الفشل الكلوي، بالإضافة إلى ضعف العضلات الذي يؤدي أحياناً إلى اضطرابات في عضلة القلب، وتحدث هذه الاضطرابات بين المصابات بفقد الشهية والشراهة العصابية.

* وزن الجسم في كل حالة
يقل الوزن في حالات الأنوركسيا عن المعتاد بنسبة 15 % على الأقل، مقارنة بمن في مثلهن في السن والطول، بينما تبقى غالباً حالات الشراهة بنفس الوزن تقريباً؛ ويزيد وزن حالات الأكل القهري.

* الوزن الجيد مطلوب
هناك فرق بين من تتبع نظاماً غذائياً صحياً، وبين المصابات باضطرابات الأكل، والجدول التالي يوضح الفارق بين من تعاني من علاقة مضطربة مع الأكل، وبين من تتبع نظاماً غذائياً لخفض الوزن.

من تتبع نظام غذائي

من تعاني اضطرابات الأكل

اتباع نظام غذائي صحي

فقد الشهية العصبي

الهدف الحفاظ على الوزن الصحي

الهدف الحفاظ على الوزن المضطرب

فقدان الوزن طريقة للحفاظ على الصحة والمظهر.

فقدان الوزن طريقة للحصول على السعادة أو الهروب من الألم؛ ومشكلات الحياة.

تكون صورة الذات مبنية على ما هو أكبر، وأكثر من المظهر والوزن، فالفتاة ترضى وتحب ذاتها.

صورة الذات مرتبطة بشكل جوهري بالوزن والنحافة، والمريضة تكره ذاتها لبدانة جسمها.

فقدان الوزن يتم بصورة صحية.

فقدان الوزن يتم بأي طريقة.

ليست هناك كراهية للأكل؛ ولا خوف منه؛ ولا شعور باللذة، أو الإنجاز، والفخر عند تجويع الذات.

الجوع هو طريقة للشعور بالفخر، والإنجاز، والتفوق النفسي، وربما الأخلاقي.


* السمات الشخصية بين المصابين باضطرابات الطعام

- هوس السيطرة على النفس
قضية الأكل هي كل الحياة بالنسبة لهن، فيكون الوصول لوزن معين هو الهدف؛ ثم يوضع هدف جديد لوزن جديد؛ وهكذا.

تكون هذه السيطرة في أعلاها لدى المصابات بفقد الشهية العصبي؛ وفي أدناها لدى المصابات بالأكل القهري، أما المصابات بالشراهة العصابية فيحاولن السيطرة ثم تنهار قدرتهن فجأة، فيدخلن في نوبة نهم تعقبها سلوكيات فقد السعرات.

- الهرب من المشاعر بالأكل أو بعدم الأكل
الأكل وسيلة للهرب من مشاعر الخوف والغضب والحزن، كما يستخدم كحل لضعف الثقة في النفس؛ وعدم القدرة على مواجهة المشكلات الحقيقية في الحياة؛ وقبول مسؤولية الحياة؛ إضافة لعدم الشعور بالهوية، والكيان المستقل، والاستقلالية الذاتية، والقدرة على اتخاذ القرارات.

- هوس الكمال
العناد وجمود الشخصية بما يصاحبه من هوس الكمال، والرغبة في الإتقان الشديد في مجالات الحياة كالدراسة؛ الرياضة والعمل، وتكن مدفوعات بقوة غير مرئية ثم يسقطن في الاكتئاب.
ويصاحب هوس الكمال الميل للشعور بالذنب، و كراهية الذات؛ مع ميل لحرمان النفس من الراحة واللذة.

- اضطراب العلاقة بالآخر
سلوكيات اضطربات الأكل تجلب تعليقات الآخرين مما يجعلهن منعزلات تدريجياً، إضافة لأن نقص التغذية المفرط يؤدي لاختلال التفكير أحياناً فيؤدي بدوره للاكتئاب والانعزال.

ومما لا شك فيه أن جميع ما ذكر يتعلق بصورة قوية وعميقة بما حدث في الأسرة والطفولة، وأدى لرسالة مفادها "أنت غير مقبول" فيتحرك الاضطراب بدافع قوي من الشعور بعدم القبول والشك في النفس والشعور بعدم الكفاية.. وتتكرر في نفوس المضطربات الرسالة ذاتها التي لمعت في عين فتاتي التي ذكرتها في بداية المقال: "هل تقبليني؟؟".

آخر تعديل بتاريخ 30 سبتمبر 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية