احتفل البعض بالأمس بعيد الحب أو (الفالانتين)، ونحتفل به مرة أخرى في فبراير من كل عام، تمتلئ المحلات بالورود، ويتهادى العشاق، ويسود جو عام من الهيام والرومانسية والتحليق فى أجواء السماء.

لكن.. هل هذا هو الحب؟ هل هذه هي صورته الحقيقية التي تبقى وتعمر وترقى بأنفسنا وتسمو بأرواحنا؟

لا أعتقد..

معظم ما نسميه (علاقات حب) هي في حقيقتها من أبشع ما يمكن أن توصف به أي علاقة على الإطلاق، رغم مظهرها الخارجي اللامع، ولافتتها الكبيرة البراقة.

بعض الآباء والأمهات يقومون بتشويه منظم لفطرة أبنائهم باسم الحب، بعض الأزواج يقرر أن يمتلك زوجته ويسلبها إرادتها باسم الحب، كثير من المحبين يمارسون أمراضاً علاقاتية واضحة باسم الحب، هناك من يرتكب جرائم نفسية تحت شعار الحب.

ما يصل لأبنائنا عن الحب أنه علاقة مشروطة، بمعنى افعل كذا فأحبك، وإن لم تفعله فلن أحبك، كن هكذا فأحبك، وإن لم تكنه فلن أحبك، كن كما أريد، ولا تكن كما تريد، وهذا هو شرط حبي لك، هل هذا هو الحب؟

يصلهم من آبائهم وأمهاتهم أيضاً أن الله نفسه يحبهم بشروط، ويقبلهم بشروط، ويتعامل معهم بنفس منطق (الأب) وليس (الرب) الواسع الغفور الرحيم، فهل هذا هو الحب؟

نحن ندفع أبناءنا لدفن نفوسهم الحقيقية الفطرية الخالصة، صاحبة الإبداع والاختلاف والمرونة، ليعيشوا معنا بنفوس مزيفة لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، تمشي على نفس دروبنا القديمة، وتكمل نفس رحلاتنا المكررة في الحياة، وتحقق أحلامنا نحن (وليس هم)، وتصير كما نريد نحن (لا هم)، ونفعل ذلك باسم الحب.

وترى فى علاقات الزواج ما هو أغرب وأبشع، فالزوج هو (السيد) وزوجته هي (الخادمة) باسم الحب، لا تخرج، لا تعمل، لا أصحاب، لا حركة، لا حياة.

والزوجة تراقب زوجها وتشك فيه وتحسب عليه أنفاسه باسم الحب، تمنعه عن عائلته، وتقطعه من أهله وتحرمه من ذويه، وكأن الحب قد تحول إلى حبل طويل وخانق يمتد دائما من أحدهما نحو الآخر، حتى يلتف حول رقبتهما معا، هل هذا هو الحب؟

ولو اتجهنا إلى المخطوبين والعاشقين والأحباب لوجدنا ما هو أصعب وأصعب؛ أنتَ الوحيد في الكون، وأنتِ كل الحياة، أنتَ كل شيء وأنتِ الدنيا وما عليها، مزيج من المبالغة والتقديس وعدم الرؤية. لا تخاطب أحداً غيري، لا تخرجي مع أصحابك إلا بإذني، قومي بتغيير صورتك على الفيسبوك، اقطع علاقتك بكل البنات، اقطعي علاقتك بكل الأولاد، رغبة دفينة مريضة في الامتلاك والتحكم والسيطرة، نكوص وتدهور نفسي وعدم نضج إنساني على كل المستويات، كل هذا باسم الحب.

لا أعتقد أن هناك جرائم نفسية تتعدى في كثرتها ونوعها تلك التي ترتكب باسم الحب أو باستخدامه كآداة للضغط أو للتلاعب أو حتى للإقناع، ونعلم جميعاً ما يتم من ترويع وقتل وإرهاب باسم (حب الدين).

ثم نحتفل بالحب، ونجعل له عيداً، وليس كل هذا من الحب في شيء من قريب أو بعيد، بل إنه صور نفسية مشوهة نمارسها يومياً بكل إصرار، وبشكل يثير الدهشة.

الحب هو أن تكون نفسك، وتسمح لغيرك أن يكون نفسه، دون اختزال أو تشويه أو أذى، ودون رتوش أو مخاوف أو حسابات.

أن تقبل الآخر كما هو، بكله وبكامله، بعيوبه ومميزاته، دون شروط أو تعجيزات أو تهديدات.

أن تتخلى عن كل أحكامك المسبقة، وتكون مستعداً دائماً للمراجعة وإعادة النظر.

أن تضع نفسك مكان غيرك، وتشعر كما يشعر، وتفكر كما يفكر، ثم ترجع لمكانك، وتراه من جديد.

الحب هو أن تكون حاضراً مع من معك بكل ما فيك، ولست حاضراً بجسدك، وغائباً بعقلك أو تفكيرك أو مشاعرك.

أن تكون مهتماً ومصغياً ومتفاعلاً، لا متحوصلاً حول ذاتك منفصلاً عمن معك.
أن يمتلئ صدرك بالسماح، وتمتلئ روحك بالبراح، ويمتلئ قلبك بالحياة.

الحب هو أن تكون حراً، وفي نفس الوقت منتمياً لعلاقة أكبر تستوعبك وتستوعب غيرك.
أن تحيا، وتسمح لغيرك بالحياة، أن ترضى وتسمح لغيرك بالرضا.
أن تحتفظ بتفردك وذاتيتك واستقلالك، ويحتفظ شريكك في العلاقة بتفرده وذاتيته واستقلاليته، مع بعض خطوط التوازي والتلاقي والتماس.

الحب هو أن تنمو وتنضج وتكبر من خلال العلاقة، وليس فوق شريكك فيها، الذي يفتر ويذبل ويذوب.

أن تخلو علاقتكما من التعلق المرضي، والاعتمادية المدمرة، واختراق الحدود النفسية لحد الانتهاك.

أن تشعر طوال الوقت أنك تستحق، ويشعر من معك بأنه أيضاً يستحق.

الحب هو أن تكون حقيقياً كما أنت، ويكون غيرك معك حقيقياً كما هو.

أن يكون حولكما أهل وأحباب وأصحاب، وألا تنغلق عليكما الدنيا والعالم والكون، وتتخلصا من كل الناس، للعيش في فقاعة هوائية خاوية إلا منكما.

وأن يكون الله دائماً معكما وبينكما، تتحابون فيه، وبه، وله.

كل هذا، كل ما وصفته ليس هو كل الحب، بل هو نفحة منه، ولمحة على طريقه، فالحب مصدره الحقيقي هو خالقه، وطريقه الصادق لا يستنير إلا بنوره.

لنحتفل الآن بالحب، وليس بعيد الحب فقط.

اقرأ أيضاً:
هل الزواج علاقة؟
كيف تعرف الزوجة أن زوجها يحبها؟
لا أثق في الحب.. وحاولت الانتحار مرتين
صحتك النفسية وفيلم سولي

آخر تعديل بتاريخ 17 نوفمبر 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية