لا تخلو علاقة زوجية (خاصة في مراحل الزواج الأولى) من أحاسيس الغيرة، التي تصيب الزوج أو الزوجة بين حين وآخر.

قد يكون لأحاسيس الغيرة بعض الفائدة في توثيق العلاقة بين الزوجين، إذا بقيت ضمن حدود معقولة، ولكن قد تتعدى الغيرة حدودها الطبيعية، فتصبح عبئاً على الزوجين، وقد تودي - في حدودها القصوى - بعلاقتهما إلى الخراب، ومن المعروف في دوائر الأمن أن الغيرة هي أحد أكثر الأسباب الكامنة وراء جرائم القتل في العالم.

* كيف ولماذا تحصل الغيرة؟
يرجع الخبراء الغيرة للشعور بفقدان الشعور بالأمان، أو ضعف الثقة بالنفس، أو الخوف من الضياع، أو الرغبة في التملّك. ولا شك أن هناك استعدادا عند بعض الناس للإحساس بالغيرة أكثر من سواهم، وقد يرجع ذلك لأسباب وراثية أو تجارب مؤلمة سابقة.
ويربط الأطباء الغيرة من الناحية التشريحية باللوزة amygdale والمهاد hypothalamus في الدماغ، وهما الباحتان الدماغيتان المسؤولتان عن السلوكين الجنسي والعنفي.

وقد بيّنت إحدى الدراسات أن جنس المرء له علاقة بتحديد طبيعة الغيرة، فبينما يركز الرجل في غيرته على النواحي الجنسية، نجد المرأة في المقابل تهتم بما إذا كان شريكها يحب امرأة أخرى أو كونه لا يحبها (أي تركز على النواحي العاطفية).

* هل يمكن أن تكون الغيرة مفيدة؟
قد يعتبر معظم الناس الشعور بالغيرة أمرا مكروها، لكنها - في حدودها المعقولة - تمنح العلاقة الزوجية فوائد جمة:
- فهي وجه من وجوه التعبير عن الالتزام، وإعلان عفوي من أحد الطرفين عن عمق محبته ورغبته بالتزام الشريك بهذه العلاقة بنفس درجة التزامه.

- ثم إنها تظهر المعدن الحقيقي للشريك موضوع الغيرة، فإن عبّر الشريك عن أسفه وحبه وعدم تقصّده الأذى من التصرف الذي دعا لغيرة شريكه، فالعلاقة تسير في منحاها الطبيعي، وينتظر منها أن تكلل بالنجاح.
أما إذا تصرف بعنجهية وعدم اكتراث لمشاعر الشريك الغيور، فقد يكون هذا دليلا على عدم التقدير والمحبة للشريك، وإيذانا بانهيار العلاقة بينهما في المستقبل.

- وكثيراً ما دعت الغيرة المعقولة لإشعال جذوة الحب بين شريكين فترت حرارة الحب بينهما مع مرور الزمن، فكانت الغيرة الوسيلة التي استدل بها كل منهما على حب وولاء الطرف الآخر.
ويمكن القول إن غيرتك قد تعطي دفعا لعلاقتك مع شريكك، أو تدمرها، وفقا لطريقتك في التعبير عن هذه الغيرة!

لكن هناك سؤالا هاما، يحتاج للنظر في إجابته:
* متى يصبح الشعور بالغيرة مرضا أو هوسا؟
تظهر بوادر الغيرة المرضية في الحالات التالية:
1- عندما يتعامل الشريك مع مواقف صغيرة بعصبية كبيرة ويضخّم الأمور.
2- عندما يطلب الشريك معرفة حركات وسكنات شريكه في كل الأوقات، والاطلاع على فحوى مراسلاته وأغراضه الشخصية وكلمات السر التي تخصه.
3- عندما يحاول الشريك التحكم بعلاقات شريكه الاجتماعية خارج نطاق الارتباط الزوجي، والحد من فعالياته خارج البيت.

فكل هذه المظاهر تعتبر دليلا صريحا على عدم الثقة وعدم مراعاة خصوصيات الشريك، والسماح للغيرة بالتغلب على مشاعر الاحترام التي تتطلّبها العلاقة الزوجية المبنية على الحب والتفاهم، وكثيراً ما يكون لدى المصاب بالغيرة المرضية بالأصل خلل نفسي كان يعاني منه قبل إصابته بالغيرة (كالقلق المزمن أو الاكتئاب).

* كيف تعالج الغيرة المرضية؟
إذا كنت أنت الطرف الغيور الذي لا يستطيع منع نفسه من ملاحقة الشريك في رواحه ومجيئه والتلصص على رسائله، فقد تستفيد من النصائح التالية:
1- تماسك والتزم الهدوء، ولا تتسرع في الاستنتاج والحكم على شريكك.

2- اعمل على تحسين ذاتك، وتخلّص من الأمور التي تسبب لك القلق وعدم الاستقرار، وابن المزيد من الثقة في نفسك (وذلك عن طريق ممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي صحي، وتنظيم أمور الحياة، وملء أوقات الفراغ بممارسة وكسب معارف تنفعك وتنفع من حولك)، بالإضافة إلى ترميم وتقوية علاقاتك مع الآخرين.

3- اعترف أنك تشكو من مشكلة الغيرة، ولا تخلق الأعذار لنفسك، فمصارحة النفس هي أول الطريق لإيجاد الحلول.

4- تجنب المناسبات التي تدعوك للشك والريبة. ففي إحدى الدراسات وجد الباحثون أن الأزواج الغيورين الذين كانوا يتلصصون على مراسلات زوجاتهم الإلكترونية، كانوا دوما يجدون في هذه المراسلات ما يدعوهم للمزيد من الريبة والشك في إخلاص زوجاتهم، ما كان يعمل على زيادة الشك في نفوسهم، ويوقعهم في حلقة معيبة من ازدياد التلصص وازدياد الشك.

5- كذلك حاول أن تتجنب المواقف التي تثير حساسيتك أو تجعل الدم يغلي في عروقك، لتخفف من المحفزات التي تثير الغيرة لديك.

6- ولعل أهم نصيحة تفيد في هذا المضمار هي مصارحة الشريك بما يعتلج في نفسك (فإذا لم يتعرف شريكك على مخاوفك عن طريق حديثك، فسيتعرف عليها من خلال تصرفاتك - وهو الطريق الأسوأ).

لكن طريقة المصارحة يجب أن تكون مدروسة.. فإذا كِلت للشريك الاتهامات جزافا وأنت غاضب، فلن تحصل إلا على جرح شعور الشريك، وبداية شجار أو حفلة بكاء لن تعرف كيف تنتهي.

ما عليك فعله - بدلا عن ذلك - هو الانتظار وتحيُّن الفرصة التي تكون فيها غيرتك هامدة، لتشرح لشريكك مشاعرك ومخاوفك بهدوء، ولتطلب منه أن تبحثا معا عن حل، فعندها سيكون أكثر قدرة على التحاور معك، وتقديم توضيحاته وأعذاره، ما يجعل الفرصة أدعى لتسوية الأمور على ما تحب.

ولنتذكر قول الكاتب الفرنسي فرانسوا دوك دولا روشيفوكو: "الغيرة تنم عن حب للذات يفوق حب الغير".

* إذا كان شريكك يبدي غيرة غير مبررة، فماذا عساك أن تفعلي؟
(وسنوجّه الكلام هنا للمرأة، علما أن الحديث ينطبق على الجنسين)؟
- تذكري أن المشكلة لا تتعلق بك بقدر ما تتعلق بزوجك الغيور.

- لا تنفعلي وتتشاجري مع شريكك كلما أبدى بعض الغيرة، بل افعلي ما بوسعك لتفادي الاصطدام، فإذا التقيتما بشخص كنت تعرفينه قبل الزواج مثلا، يمكنك تبديد مخاوف زوجك بتعليق مثل "كان شخصا لا يطاق"، وإذا لاحظ زوجك أنك تحدقين بشخص غريب، يمكنك القول مثلا "إن سترته جميلة".

- لا تكلي من تطمين زوجك بمدى حبك وولائك له في كل مناسبة، وأنه لا يمكن لأي طرف خارجي أن يؤثر على علاقتكما.

- إذا حصلت مشكلة أثارت غيرة الزوج، فيمكنك أن تلجئي إلى عبارات مثل: "ما الحل الذي يريحك؟"، أو "هل سترتاح إن فعلت كذا وكذا؟".

- أخيراً، إذا لم تنفع كل هذه النصائح في معالجة الغيرة الزوجية غير المبررة، فلا مهرب من اللجوء للمساعدة الطبية والنفسية، لأن الأمر عندها يكون على الأغلب متعلقا بعلّة نفسية أو اضطراب في الشخصية يعاني منه الشريك الغيور، وهي علة غالبا ما تكون موجودة حتى من قبل الزواج.
آخر تعديل بتاريخ 2 ديسمبر 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية