كيف تؤثر صراعات العمل على حالتك الصحية؟

هل سألت نفسك يوماً، لماذا تفعل ما تفعله؟ ما الذي يوقظك في الصباح وما الذي يجعلك تخرج للعمل بما فيه من نقاشات وإرهاق وتعب قد تكون أنت في غنى عنه؟ ألم نجد كثيراً من الأثرياء الذين لو قضوا أعماراً فوق أعمارهم لما حدث تغير جذري في حياتهم ولا نقصت ثرواتهم لو توقفوا عن العمل؟
أنا على يقين من أنك سألت نفسك ذلك السؤال مراراً، ولكن يكون جواب الكثير منا: بدون عمل، لن أستطيع أن أكفل نفسي ومن أعول، والحقيقة أن تلك الإحابة وحدها ليست كاملة، بل قد تكون مختلفة جذريا عند أولئك الذين يعملون وعندهم ما يكفيهم مدى الحياة.

يقول المعالج النفسي ويندي أولريش: يجد الناس معنى عندما يرون علاقة واضحة بين ما يقدرونه بشدة وما يقضون وقتهم في القيام به، وهذا الارتباط ليس دائمًا واضحًا، وهو ما قد يكون مهماً للمديرين الناجحين أن يوضحوه.

* الصراعات في سوق العمل بين المميزات والعيوب

لا يوجد شئ في الحياة، مهما كان، إلا وفيه مميزات وعيوب، وهو ما قد يضفي على الحياة الألوان والتنوع وسعة الاختيارات. التنافسية الموجودة في العمل تحمل بين طياتها العديد من المميزات حيث تدفع الأشخاص نحو إبراز أفضل ما عندهم، كما أنه يوضح الفروقات بين المجتهدين والكسالى.

على العكس، فإن بعض الذين يعملون في الأجواء التنافسية يشعرون بالإحباط، وبعضهم قد يتخلى عن العمل في حالة عدم تحقيق ما يريده، أيضاً، قد تخلق التنافسية قدراً من الضغينة بين الأفراد وفرق العمل المختلفة، وأيضاً من أشد عيوب التنافسية أنها قد تخلق بيئة تزاحمية غير أخلاقية، خاصة عندما يتعلق الأمر بطرد بعض الموظفين واستمرار بعضهم.

الصراع في العمل وتأثيراته على الصحة العقلية والجسدية

من السهل، بل من الطبيعي، أن نتأثر بالبيئة المحيطة سواء بيئة عمل أو أسرة أو أصدقاء، ووجودنا في بيئة عمل تنافسية يجعلنا بشكل واع أو لا واع نخوض في تلك الصراعات، وما لم نكن مدركين ما نقوم به وما نحن فيه، سوف يؤثر علينا بشكل سلبي، على صحتنا العقلية والجسدية، فمثلاً تثير بعض المسابقات الخوف والقلق بين فريق العمل الواحد، لأنها تجعل الموظفين يضعون تركيزهم على خطر الاستغناء عن العمل، أو فقدان الدخل، أو الإذلال علنًا.

كما تركز المسابقات على الفوز بمكافأة مرغوبة أو تقدير عام، ما يخلق الإثارة ولكن يجعل الناس يشعرون بالترقب والإثارة، وهو ما يؤثر بشكل واضح على الصحة العقلية.

وضحت منظمة الصحة العالمية أن التأثيرات الصحية التي تنتج عن العمل تنقسم كالتالي:
  1. 40% من إصابات العمل تخص الجهاز العضلي الهيكلي.
  2. 16% أمراض تخص القلب.
  3. 14% أمراض عقلية.
  4. 9% أمراض الجهاز التنفسي.
  5. 8% الجهاز العصبي المركزي.
  6. 3% أورام و3% أمراض جلدية.

لكن بشكل أكثر دقة يمكننا معرفة مدى تأثير العمل والصراعات وعدم الراحة فيه، في عدة أشكال تؤثر على الصحة الجسدية والعقلية بل والسلوك أيضاً.

  • الصحة العقلية

  1. القلق، حيث إن الصراعات الدائمة والمسؤوليات التي قد تتجاوز قدرة الفرد على إنجاز المهام المكلف بها تجعله أكثر قلقاً.
  2. الاكتئاب.
  3. الإحباط.
  4. التشاؤم.
  5. الصعوبات المعرفية وعدم القدرة على اتخاذ القرارات.
  6. الشعور بالإرهاق وعدم القدرة على التأقلم.
  • الصحة الجسدية

  1. الشعور العام بالإرهاق.
  2. الإجهاد العضلي.
  3. سرعة ضربات القلب.
  4. صعوبة في النوم وأرق.
  5. اضطرابات في الجهاز الهضمي.
  • التغيرات السلوكية

  1. زيادة أيام المرض أو التغيب عن العمل.
  2. السلوك العدواني.
  3. ضعف في الإبداع والمبادرة.
  4. انخفاض في أداء العمل والإنتاجية.
  5. مشاكل العلاقات الشخصية.
  6. تقلب المزاج والتهيج.
  7. انخفاض التسامح مع وجود الإحباط ونفاد الصبر.
  8. عدم الاهتمام والانعزال.
  • زيادة مخاطر الإصابة بالجلطات الدماغية والوفاة نتيجة أزمات القلب

يشير تقرير في منظمة الصحة العالمية إلى أن العمل مدة 55 ساعة أو أكثر في الأسبوع مرتبط بخطر أعلى بنسبة 35% للإصابة بالسكتة الدماغية، و17% خطر أعلى للوفاة من أمراض القلب الإقفارية، مقارنة بالعمل 35-40 ساعة في الأسبوع.

  • العمل لساعات طويلة والإدمان

في 61 دراسة تم إجراؤها على 330 ألف عامل من أكثر من 14 دولة، وُجد أن الذين يعملون أكثر من 48 ساعة في الأسبوع أكثر عرضة لإدمان الكحوليات.

  • 745 ألفاً يفارقون الحياة سنوياً بسبب العمل

تلك الإحصائية أصدرتها منظمة الصحة العالمية، موضحة أن تلك الأعداد تنتج جراء ساعات العمل الكثيرة، وتحدث تلك الوفيات نتيجة جلطات في الدماغ والذبحة الصدرية، ويمثل الرجال النسبة الأكبر في أعمار بين 45 و74 عاما، حيث يعملون ما يزيد عن 55 ساعة أسبوعياً، وهو ما يمثل ناقوس خطر لأولئك الذين يعملون ساعات عمل كثيرة تربو على 55 ساعة أسبوعياً، فليس ثمة ما هو أهم من حياة الإنسان وروحه مهما ارتفعت قيمة العمل.

* علامات على أنك تعمل في مكان غير آمن

  1. تشعر باستمرار بالقلق أو الاكتئاب.
  2. ‍تشعر بالغضب بسهولة، سواء في العمل أو في المنزل.
  3. ‍تعاني من التعب ولكنك تجد صعوبة في النوم.
  4. تجد صعوبة في التركيز أو الاستمرار في التركيز.
  5. تشعر بعدم المبالاة حيال الأشياء التي كانت تهمك ذات يوم.
  6. ‍تمرض كثيرًا.
  7. ‍تواجه انخفاضًا مفاجئًا في الدافع الجنسي لديك.
  8. ‍تلجأ إلى الكحول أو المخدرات أو كليهما للتعامل مع التوتر.
اذا بدأت يظهر بعضٌ من تلك العلامات، فاعلم أنك في مكان عمل ضاغط، ويجب عليك أن تبدأ بحل المشكلات أو تسعى للعمل في مكان آخر إذا تعثر عليك حل ما يجب حله. فما هي مصادر المشاكل والقلق التي من الممكن أن تكون ضاغطة عليك؟

ما هي مصادر القلق والصراعات والتوتر في العمل؟

قد يكون العمل بشكل عام هو مصدر القلق الذي ينتاب الكثيرين، لكن هناك أموراً أكثر تحديداً تسبب الضغط والقلق في العمل، وهي:

  • زملاء العمل (28%)

 نجد بعضاً منهم يتثاءب بكثرة أو كثير الشكوى أو يلقي بمهامه عليك، وهو ما يكون سببا لعدم رغبتك بأن تمكث فترات طويلة مع هؤلاء الأشخاص، المطالبة بحقك ووضوح رغباتك هي الحل الأمثل مع هؤلاء.

  • ضغط العمل نفسه (46%)

قد لا يكون غير مستغرب أن تكون ضغوطات العمل والمهام الملقاة على عاتقك هي النسبة الأكبر في أسباب ضغط العمل.

  • عدم القدرة على الموازنة بين العمل والحياة الاجتماعية (20%)

قد تسبب كثرة المهام أو زيادة عدد ساعات العمل فقدان الفرد قدرته على التواصل بشكل جيد في دائرته الاجتماعية التي يرغب في التواصل معها.

  • نقص الأمان وعدم ضمان الاستمرارية في العمل

هل هناك عدد ساعات معين يجب أن لا يزيد العامل عنه؟

أن نعمل لساعات طويلة أكثر مما تتحمل قوانا العقلية والبدنية، فإن ذلك حتماً يؤدي بنا إلى الوقوع في الأخطاء مهما كانت رغبتك كبيرة في العمل والاستمرارية فيه. توضح العديد من الدراسات أننا لا نستطيع أن نكون في حالة صفاء ذهني كامل مدة كبيرة على مدار اليوم، وكانت المدة الكبرى هي: 6 ساعات يومياً مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يجب أخذ فترات من الراحة بين تلك الست ساعات، ‫3% فقط من سكان العالم يستطيعون أن يناموا 5-6 ساعات يومياً من دون معاناة.

تقول الدكتورة ماريا نيرا، مديرة قسم البيئة وتغير المناخ والصحة في منظمة الصحة العالمية: "إن العمل مدة 55 ساعة أو أكثر في الأسبوع يمثل خطرًا صحيًا خطيرًا"، و"لقد حان الوقت لكي نستيقظ جميعًا، الحكومات، وأصحاب العمل، والموظفون على حقيقة أن ساعات العمل الطويلة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة المبكرة"، وهذا لا يمثل خطراً على الصحة الفردية وحدها، بل إن الدول التي يعمل سكانها مدة طويلة أقل إنتاجية من تلك الدول التي يعمل قاطنوها مدة أقل، وفي السويد يعمل الموظفون مدة 6 ساعات يومياً، وهو ما لاقى نجاحاً في كافة المستويات الإنتاجية والنفسية.

* كيف يمكننا إيجاد بيئة عمل صحية؟

ما دامت التنافسية في العمل والصراع من أهم ما يميز العمل في عصرنا الحالي، فمحاولة خلق بيئة عمل صحية تقلل من المخاطر، وتحد من الآثار المؤثرة سلباً على الصحة العقلية والجسدية، هي من المسؤوليات الفردية والاجتماعية. وتلك بعض الطرق التي تساهم في إنشاء بيئة عمل صحية:
  • أوقات العمل الزائدة لا تقدم الكثير من الإنتاجية: في كتابه "عظيم في العمل"، أوضح مورتنين هانسن أن ساعات العمل الكثيرة لا تتناسب طردياً مع الإنتاجية، بل كلما زادت ساعات العمل، كانت الإنتاجية أقل، وذلك الاستنتاج بعد بحث على 5 آلاف عامل، والعاملون يحتاجون إلى أن يقضوا أوقاتاً مع أسرهم وأصدقائهم.
  • وضع أشكال واضحة ومحددة للعمل وطبيعته، فكلما كان العمل واضحاً ومحدداً، كان الضغط النفسي والبدني أقل.
  • الحياة الاجتماعية المستقرة: كلما كانت حياة الإنسان الاجتماعية في علاقته بالأصدقاء والأهل جيدة، كان أقل عرضة لمخاطر العمل.
  • العدل والإنصاف في العمل: من أهم ما يميز بيئة العمل ويجعلها قابلة للاستمرارية من دون ضغوط هو شعور العاملين بالإنصاف أو عدم خوفهم من الطرد من العمل، حيث إن الانصاف هو مفتاح الثقة في العمل.
  • توفير تأمين صحي للعاملين: أن يشعر الموظف أنه في حالة مرضه أثناء وجوده في مكان عمله سوف تتم تغطية كافة احتياجاته الصحية، وهذا دافع عظيم للراحة وعدم الشعور بالقلق.

العمل والإنتاجية هما أمران لا بد منهما للشعور بالتأثير في الحياة وتقديم ما هو نافع والقدرة على كسب العيش والاستمرارية في الحياة بشكل ذي معنى، ولكن لا يجب أن يكون العمل أداة ضاغطة وتؤثر عليك بشكل سلبي، حاول أن تخلق لنفسك حياة اجتماعية تُشعرك بالارتياح، حدد أولوياتك، استثمر في حياتك الشخصية، مارس الرياضة، حاول أن تأكل طعاماً صحياً قدر المستطاع، لا تتوقف عند نقطة ما في حياتك، وجد لنفسك ما يشعرك أنك في أمان وسعادة.


المصادر:
Competition among employees - Pros and Cons
Long working hours increasing deaths from heart disease and stroke: WHO, ILO
Mental health and work: Impact, issues and good practices
The Top 7 Workplace Factors that Impact Employee Health
Are Shorter Working Days The Secret To A Happier, Healthier And More Productive Life?
The Why Of Work: Purpose And Meaning Really Do Matter
The Effects of Workplace Stress on Your Health - And What To Do About It!
Work-related stress
Working Long Hours Makes Us Drink More
The Pros and Cons of Competition Among Employees
The Research Is Clear: Long Hours Backfire for People and for Companies

آخر تعديل بتاريخ 14 سبتمبر 2021

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية