ذهبت جائزة نوبل في الطب هذا العام لمن اكتشفوا الكيفية التي تترجم بها أجسادنا الأحاسيس، فترجمة الأحاسيس والتعامل معها أحد أسرار أجسامنا التي لا تنتهي، وما زال العلم عاجزاً عن تفسير الكثير من وظائفنا الحيوية، والاختلافات في ما بيننا، وكل ما يمكن للعلم أن يقدمه هو محاولة رصد ووصف الظواهر ومحاولة معرفتها عن قرب.

ومن الظواهر المكتشفة بشكل حديث نسبياً ظاهرة الأشخاص شديدي الإحساس أو مفرطي الإحساس (sensory processing sensitivity – The Highly sensitive persons - finely tuned nervous system).. فما هو فرط الإحساس؟ وهل يعتبر اضطرابا؟ وكيف تعرف أنك شخص مفرط الإحساس؟ وكيف تتعامل مع فرط الإحساس؟

* ما المقصود بفرط الإحساس؟

الشخص مفرط الإحساس يتعامل مع كل المؤثرات المختلفة بعمق شديد، يثار من الأصوات والمثيرات الضوئية والشمية واللمسية، ويشعر بالألم أكثر، كما يشعر بمشاعر الآخرين ويتأثر بها، وصك المصطلح بواسطة الباحثة والمعالجة النفسية إيلين أرون Elaine Aron (1996)، والتي قضت حياتها هي وزوجها في البحث حول فرط الإحساس. ومن الجدير بالذكر أن السيدة أرون نفسها مفرطة الإحساس.

فرط الإحساس لا يعتبر اضطرابا أو مرضا، ولكنه تنوع طبيعي، ونسبة المصابين به تقريبا 20%، أي أنه من بين كل 5 أفراد هناك شخص مفرط الإحساس، وتوجد هذه الصفة لدى الرجال والنساء بالنسبة نفسها تقريباً، كما يوجد الإحساس المفرط لدى 100 نوع من الحيوانات.

* كيف تم اكتشاف فرط الإحساس لدى الإنسان؟

قام العلماء بدراسة مخ الأفراد مفرطي الإحساس باستخدام جهاز رنين مغنطيسي مخصوص اسمه (Functional MRI)، حيث يتعرض الأشخاص مفرطو الإحساس، ومجموعة حاكمة من الأشخاص ذوي الإحساس غير المفرط لمثيرات معينة، ووجد العلماء أن أماكن استقبال الإثارات تضيء أكثر لدى الأشخاص ذوي الإحساس المفرط.

الأشخاص مفرطو الإحساس ينتبهون للتفاصيل الدقيقة

* سمات وخصائص الأشخاص مفرطي الإحساس

  1. عمق المعالجة: الأشخاص مفرطو الإحساس يعالجون المعلومات بعمق أكبر، وهذه هي السمة الأساسية، وكل شيء يتفرع من هذا.
  2. فرط الإثارة بسهولة: نحتاج أن نكون في مستوى استثارة مثلى حتى يمكننا أن نعمل بشكل أفضل، والشخص مفرط الإحساس يثار بشدة بشكل دائم؛ ما يعني أنه يخرج من المنطقة التي يمكنه فيها أن يؤدي مهامه بشكل فعال، وعندما يفشل في الأداء بشكل جيد، فإن هذا يشعره بالخجل مع شعور بالنقص وعدم الكفاية.
  3. العاطفية والقدرة على التعاطف (المواجدة - empathy): الأشخاص مفرطو الإحساس يشعرون بكل المشاعر بقوة، وقد يبكون كثيراً، كما أنهم يشعرون بمشاعر الآخرين، ولو كانوا في مكان به العديد من البشر فإنهم يشعرون بمشاعر كل من حولهم، وهذا بالطبع مرهق جدا لهم، ويستنفد طاقتهم، وفي التجارب كان الباحثون يعرضون على الشخص صورا لأشخاص تبدو مشاعرهم على وجوههم، وكانت هذه الصور تحرك مناطق الإحساس نفسها في أدمغة الأشخاص مفرطي الإحساس، ويعرف العلم الآن أن هذه الظاهرة تحدث من خلال استثارة ما يعرف بالـMirror Neurones، ومن الجدير بالذكر أن الباحثين وجدوا أن الأشخاص مفرطي الإحساس رغم أنهم يتأثرون بمشاعر كل الناسٍ، إلا أن التأثير يكون أقوى مع الأحباء، وهذه الصفة رغم صعوبتها على كل مفرطي الإحساس إلا أنها أصعب على الرجال، لأن العالم يتوقع منهم أن يكونوا أكثر صلابة وقسوة، وبالتالي فهم مضطرون إما للانزواء بعيداً، أو إلى أن يضغطوا على طبيعتهم الحساسة، ويخفوا شخصياتهم الحقيقية. 
  4. التركيز على التفاصيل الدقيقة، فيلاحظون ما لا يلاحظه غيرهم، ورغم أن هذا يساعدهم على أداء الأعمال بشكل أكثر دقة، إلا أنه أمر مرهق ومستنزف للطاقة.

* تأثير هذه الخصائص والسمات على حياة الأشخاص مفرطي الإحساس

  • يصعب على هؤلاء الأشخاص معالجة الكثير من المدخلات، وهو ما يجعلهم مثقلين ومنهكين ومثارين بشدة، وخروجهم من منطقة التوازن يصعب عليهم أداء الأعمال.
  • ومن وصفنا لهؤلاء الأشخاص، فقد نتصور أنهم انعزاليون أكثر، ولكن الأبحاث تنفي هذا، حيث وجد أن حوالي 70% منهم بالفعل انعزاليون (introvert)، والـ30% الباقين منفتحون للعلاقات (extrovert).
  • الأشخاص مفرطو الإحساس مسؤولون جداً، وعندهم ضمير حي، وروحانون، ومتصلون بالطاقة الإلهية، وحدسيون، وبداخلهم طاقة حب.
  • الأشخاص مفرطو الإحساس قد يعانون من البيئة المحيطة، وفي العادة يتأثر الذكور أكثر من الإناث بهذا الضغط المجتمعي، رغم أن الأطفال الذكور في سن الرضاعة أكثر بكاء من الإناث، حيث إن العالم أكثر قبولاً للأنثى العاطفية مفرطة الإحساس، وفي الوقت نفسه يضغط على الذكر حتى لا يظهر مشاعره ولا يعبر عنها، وبالتالي يتعلم الطفل أن يكتم مشاعره ليحصل على القبول المجتمعي، ما يجعله يعيش بشخصية غير شخصيته الحقيقية، ويبذل طاقة رهيبة لكبت هذه الأجزاء من نفسه، وبالطبع يسبب له هذا مشاكل في عمله وصحته وعلاقاته.
  • قد نتصور أن هؤلاء الأشخاص أكثر عرضة للمشكلات النفسية مثل الاكتئاب والقلق وغيرها من المشكلات النفسية، ولكن وجد الباحثون أن الأشخاص مفرطي الإحساس الذين تعرضوا لطفولة صعبة هم الذين يعانون من الاكتئاب أو القلق، ولكن إذا عاشوا طفولة داعمة فإن معدل أصابتهم بالقلق والاكتئاب يكون قليلاً جداً مقارنة بغيرهم.
  • مفرطو الإحساس يحبون المناقشات العميقة ويملون عن السطحية.
  • يتكلمون بصوت منخفض الطبقة.
  • قراراتهم تؤخذ بحرص شديد وببطء، وهذا يجعلهم مختلفين في العلاقات، حيث يأخذون قرار الالتزام بالعلاقات بشكل بطيء، ولكن يأخذونه على محمل الجد.
  • وفي الجنس يستثارون بشدة، ولا يحبون التغيير، ويرون الجنس أكثر غموضاً، وأكثر ثراء من مجرد علاقة جسدية.
منطقة Insula هي منطقة الإحساس وتكون مثارة أكثر لدى الأشخاص مفرطي الإحساس

* مخ الأشخاص مفرطي الإحساس

وجد الباحثون أن منطقة Insula نشطة جداً لدى الأشخاص مفرطي الإحساس، وInsula هي منطقة من الدماغ عميقة في القشرة الدماغية، وتختص بالوعي ومعالجة كل المدخلات.

* العلاقة بين الوراثة وفرط الإحساس

لا توجد حتى الآن دلائل مؤكدة على العلاقة بين الوراثة والأشخاص مفرطي الإحساس، ولكن هناك ملاحظات مبدئية، حيث لوحظ ارتباط بين جين السيروتونين القصير وبين شدة الإحساس. كما وجد أيضاً ارتباط بين بعض جينات الدوبامين.

* إجراءات تساعد الشخص مفرط الإحساس على التكيف

  1. احترم وقدر هذا التنوع وصدق انه موجود فعلاً.
  2. غير نمط حياتك، فلا يمكنك الحياة مثل الآخرين، وعليك أن تعمل على الاستفادة من اختلافك ولا تعمل ضده (نام 8 ساعات في السرير حتى لو مش نايم أفضل في السرير علشان تستريح، وأضف عليهم ساعتين على الأقل في وسط النهار إما تنام أو تريح أو تعمل حاجة مش عقلية، ولازم على الأقل يوم واحد أجازة في الأسبوع لا تعمل فيه شيء، وقسم أجازتك السنوية أسبوع كل 3 شهور بدلاً من اجازة طويلة مرة واحدة في السنة، ولا تجعل كل الأجازة أنشطة وخروجات، ولكن اجعل وقت للراحة والسكون).
  3. تعلم أن تقول "لا".
  4. حاول أن لا تركز على كل شيء، وذلك بغلق عينيك.
  5. خذ راحة قبل أن تصل لمرحلة الاحتراق.
  6. تناول طعامك قبل أن تصل لمرحلة الجوع الشديد.
  7. استفد من الأشخاص المحيطين الذين يمكنهم تفهم حساسيتك، والذين قد يساعدون في حمايتك، كما يمكنكم أن تتشاركوا في عمل أشياء تحبونها وتناسبكم.
  8. استفد من سماتك الشخصية باختيار الأماكن والأعمال التي تناسبك، والتي تظهر تميزك ولا تستهللك بالكثير من المدخلات.
  9. عدل حياتك بما يسمح لك باستعادة ثقتك بنفسك.
  10. إذا كنت قد مررت بطفولة صعبة فاعمل مع معالج نفسي على معالجة هذه الذكريات، فمن الصعب عليك أن تنسى الماضي.
  11. تجنب مقارنة نفسك بالآخرين، فأنت مختلف، واختلافك ثراء، وعندك الكثير الذي يمكنك أن تقدمه للعالم.
  12. في العلاقات بين شخص مفرط الإحساس وآخر بدون حساسية مفرطة (محتاجين أن تكونوا مبدعين بما يناسب الشخصيتين، فمثلا عند الذهاب لحفلة، يمكن أن تأخذوا عربيتين حتى يتمكن الشخص مفرط الإحساس من المغادرة مبكرا عندما يشعر أنه لا يستطيع البقاء في الحفلة أكثر من ذلك. وكمان محتاجين يسمحوا لنفسهم انهم يحزنوا لأنهم هايتحرموا من مشاركة بعض الأنشطة، مثلا إنهم لن يستطيعوا الذهاب سوياً لماتش كورة).

* الخلاصة

شدة الإحساس هي سمة تعتبر تنوعاً طبيعياً موجودة لدى نسبة حوالي 20% من الناس، وهذه السمة قد تصبح وبالاً على صاحبها وعلى المحيطين به إذا لم يفهموا طبيعته الخاصة، ويتعرفوا إلى أفضل طرق للاستفادة من نقاط قوته.

آخر تعديل بتاريخ 11 أكتوبر 2021

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية