قد يضطر الكثير من الناس لترك مسقط رأسهم والهجرة لبلدان أخرى، إما بداعي العمل أو الدراسة أو الإقامة المؤقتة، ويُرى حالياً أنه يوجد عدد متزايد من الأشخاص الذين يختارون العيش في بلد أجنبي، فقد يكون لديهم آمال وطموحات لتحسين التعليم والوظائف ونوعية الحياة.

ومع أن العيش في الغربة أو خارج بلدك يساهم كثيراً في تنمية شخصيتك وفكرك ويساعدك على اكتشاف وتشكيل هويتك وتطوير شعور أوضح نحو النفس Clearer Sense of Self؛ إلا أن له بعض الآثار السلبية.



* ما تقوله الإحصائيات والدراسات
في عام 2016، كان هناك 258 مليون شخص يعيشون في الخارج. وفي عام 2017، كانت البلدان التي يعيش فيها معظم المهاجرين من الهند والمكسيك وروسيا، وكانت أكثر الدول التي يقصدها الناس هي الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وألمانيا.

وفي مارس 2018، أظهرت الأبحاث التي أجرتها جامعة رايس في هيوستن بتكساس أن الأشخاص الذين يعيشون في الخارج لديهم إحساس أقوى بشعور أوضح نحو النفس؛ أي إلى أي مدى يكون فهم شخص ما لنفسه "محدداً بوضوح وثقة ومتسقاً داخلياً ومستقراً مؤقتاً"، والذي يرتبط بمجموعة من الفوائد، مثل السعادة النفسية، والقدرة على التعامل مع التوتر، والأداء الوظيفي.

كما أظهرت الدراسة أن العيش في الخارج ساعد الناس على التفكير في قيمهم، وتحديد ما هو مهم بالنسبة لهم، بدلاً من التسليم لما تعلموه في وطنهم.

وأظهرت الدراسة أيضاً أن هذا التأثير كان أقوى بين الأشخاص الذين عاشوا في بلد أجنبي واحد لفترة طويلة، وفي حين كان التأثير أضعف بين الأشخاص الذين زاروا العديد من البلدان لفترة قصيرة.

* إيجابيات العيش خارج الوطن
سنستكشف في ما يأتي بعض العائدات والفوائد النفسية للعيش خارج الوطن:
1. يحرك تفكير الدماغ
العيش في الخارج هو وضع جديد، وبالتالي يطرح تحديات على دماغك، وهذا التغيير مفيد لأن الحياة الروتينية في مكان واحد يمكن أن تجعل عمل الدماغ راكداً، وحيث إن العيش في الخارج يتطلب منك حل الكثير من الأشياء، حيث تكون لوحدك، ويشمل ذلك اكتشاف الطرق وترقيم الشوارع وأنماط النقل، وعلاوة على ذلك، يجب عليك أيضاً التعود على عادات وقواعد مكانك الجديد، وهذه التغييرات يمكن أن تكون مرهقة في البداية ولكنها مفيدة لأنها تبقينا في حالة تأهب عقلي دائم، وإضافةً لذلك، فهي تساعد على تحسين الإدراك وإعادة تنشيط دوائر المكافآت في أدمغتنا.



2. يزيد الإبداع
يرتبط الإبداع بشكل معقد بتحفيز عقولنا، إذْ يطرح العيش في الخارج العديد من التحديات التي يمكن أن تواجهها أدمغتنا، والتي بدورها تعمل على تحسين المرونة المعرفية، وبلغة علم الأعصاب، فإنه يحفز المرونة العصبية التي تساعد في زيادة الإبداع، وعندها سنكون قادرين على التوصل إلى المزيد من الأفكار والخطط المبتكرة، وعلاوة على ذلك، حتى إذا كان الشخص يعيش في الخارج لفترة محدودة من الوقت، فإنه سيظل يمتلك هذا الإبداع المكتسب عند عودته إلى الوطن.

3. يجعلنا أكثر تسامحاً وتعاطفاً
العيش في الخارج يعني أنه يتعين عليك التفاعل مع أشخاص جدد في كل مكان، أي في منطقتك وفي العمل وفي الأماكن العامة، ولن يكون هؤلاء الأشخاص غير مألوفين من حيث الهوية وحسب، وإنما أيضاً قد تكون لهم جنسيتهم الخاصة وعرقهم ودينهم الجديد، وربما تكون على دراية بثقافاتهم وأساليب حياتهم، لكن الآن سيتعين عليك التفاعل معهم بشكل مباشر.

حيث إنّ مشاركتك لهم ستجعلك أكثر تسامحاً ومرونة تجاه الثقافات الأخرى، وعلاوة على ذلك، وسيزيد هذا أيضاً من شعورك بالتعاطف، مما يؤدي إلى نمو العلاقات الشخصية والفكرية والاجتماعية، ويمكن أن يساعدك أيضاً على التعامل مع القضايا الشخصية والتفاوض بشأنها في الوطن بطريقة أكثر فعالية.

4. يساعدنا على التفكير في قيمنا وسلوكياتنا
كثير من الناس لديهم انعكاسات تميز الذات عند العيش في الخارج، ويشير مصطلح "الانعكاسات المميزة للذات" إلى التفكير في ما إذا كانت أجزاء من هويتك تمثلك بالفعل أم أنها مجرد مظهر من مظاهر تربيتك الثقافية، وقد يطرح سؤال حول ما إذا كانت هذه الأفكار تحدث فقط عندما يعيش المرء في الخارج.

الجواب بسيط للغاية: نعم، إنها أكثر عرضة لتظهر في الخارج، فعندما تعيش في وطنك الأم، تكون محاطاً دائماً بالثقافة والأشخاص أنفسهم الذين نشأت معهم، وقد تميل إلى النظر إلى نفسك كجزء من المجتمع وعدم التشكيك في هويتك أبداً.

لكن عندما تعيش في بلد أجنبي، فإنك تواجه قيماً ثقافية وقواعد اجتماعية جديدة، وأنت مضطر للتساؤل عما إذا كانت قيمك تعكسك أم تعكس الثقافة التي نشأت فيها، وفي كثير من الحالات، تعزز معتقداتك الأساسية أو تتجاهلها، وهذه العملية برمتها تؤدي إلى تطوير شعور أوضح للنفس.



5. يساعد على تعزيز الثنائية الثقافية
يعرضك العيش في الخارج لثقافة جديدة ومجموعة من التقاليد، إذْ بعض الناس سيؤيدون ويحددون إحدى الثقافات فقط، أي ثقافتهم أو الثقافة الأجنبية.

لكن الكثير من الناس سوف يطورون هوية ثنائية الثقافة يدرسون فيها، ويجمعون بين جوانب ثقافتهم والثقافة الأجنبية، ويؤدي التعرف في الوقت نفسه على كلتا الثقافتين إلى تطوير أسلوب تفكير أكثر تعقيداً، ويمكّنك من عرض الأشياء من وجهات نظر مختلفة وإيجاد أرضية مشتركة بينها.

6. يجعلنا أكثر استقلالية
عندما تعيش في بلد أجنبي، قد لا تكون عائلتك معك للاعتماد عليها، وستتوجب عليك الدراسة والعمل والتواصل الاجتماعي وإدارة المهمات وتنفيذ الأعمال المنزلية كلها بنفسك، ويجعلك نمط الحياة هذا نشطاً ويمنحك الوقت للكشف عن المواهب الخفية واكتشاف إمكانات جديدة داخل نفسك.

كما أنك تكتسب الثقة في قدراتك على تحقيق كل أحلامك، وعلاوة على ذلك، تبدأ في امتلاك الشجاعة والتصميم على المغامرة في مناطق جديدة والتغلب عليها.

7. تكتشف اهتماماتك الشخصية والمهنية
عندما تعيش في وطنك، فإنك تتعرض للأشخاص والمواقف نفسها طوال الوقت، ولكن عندما تعيش في بلد أجنبي، فإنك ستكتشف أن هناك الكثير لتعرفه في الحياة، وسيكون لديك المزيد من الخيارات المتاحة، التي توفر لك مساحة وفرصة للتفكير في ما يعجبك بالفعل، وسوف تكتشف ثقافات وتقاليد ومأكولات وتاريخا وأنماط حياة جديدة.

علاوة على ذلك، سوف تجد أيضاً مجالات تعليمية ومهنية جديدة ومختلفة، وهذا أمر مفيد بشكل خاص لأولئك الطلاب الذين يختارون تخصصاً معيناً لمزيد من الدراسة بسبب عدم وجود خيارات أخرى في الوطن.

وينطبق الأمر نفسه على الأشخاص الذين يدخلون سوق العمل، إذْ يمنحك العيش في الخارج الفرصة لمعرفة اهتماماتك وحتى أهدافك المهنية، وستكتسب رؤية واضحةً حول أنواع المهن التي تتوافق مع نقاط قوتك وقيمك، وهذا جزء لا يتجزأ من عملية تطوير شعور أوضح بالنفس، حيث تشكل المصالح جزءاً من هويتنا.



* سلبيات العيش خارج الوطن
تتجلى سلبيات الغياب عن الوطن لمدة طويلة بعدة صور، نوردها في ما يأتي:
1. ضياع الهوية
يمكن أن تتسبب الغربة الطويلة بإحداث دمار لشعور الشخص بهويته الأصلية، وهو شعور يزداد حدة مع طول الوقت بعيداً عن الوطن، ويتوقف هذا الأمر على عدد المرات التي يزور فيها ذلك الشخص وطنه؛ إذْ لا يستطيع بعض المغتربين التكيف لفترة طويلة مع حياته الجديدة في وطنه القديم، ويعاني من صدمة ثقافية عكسية، وفي بعض الحالات، يعود المغترب إلى وطنه ولا يتمكن من استئناف حياته من حيث تركها.

وحتى بالنسبة للمغتربين الذين يذهبون في مهام أقصر أمداً، فإن العودة إلى الوطن يمكن أن تثبت أنها عبء كبير، ولذلك فإن الغالبية العظمى من الشركات (78% حسب دراسة حول التنقل بين البلدان للعمل) لا تتابع عملية الحفاظ على الموظفين بعد عودتهم إلى أوطانهم.

والأسوأ من ذلك، ربما قبل الموظفون بمهام دولية اعتقاداً منهم أنها ستسرع مسار حياتهم المهنية عندما يعودون إلى ديارهم، ليجدوا أنفسهم يقومون بدور لا يستخدم سوى القليل من المهارات التي اكتسبوها في الخارج وحسب.

2. صدمة ثقافية عكسية
يمكن للعيش والعمل في الخارج أن يغيرا الشخص وأفراد عائلته بشكل كبير، وبطريقة ربما لا يتوقعونها أبداً، ورغم أن توافر الوظائف قد يكون عاملاً في قرار العودة إلى الوطن، وخاصة في الأوقات الاقتصادية المضطربة، فإن العديد من المغتربين يعودون إلى وطنهم ليكونوا أقرب إلى أسرهم.

3. "أطفال الثقافة الثالثة"
صاغت عالمة الاجتماع الأميركية، روث هيل أوسم، مصطلح "أطفال الثقافة الثالثة" لوصف الأطفال الذين يقضون معظم سنوات تكوينهم خارج بلدانهم، وقد كان الحافز وراء بحثها الذي أجرته حول هذا الأمر هو تجربتها مع أطفالها الذين تربوا في الهند، حيث أقامت هناك بعد أن أرسلت في إطار مشروع بحثي في الخمسينيات من القرن الماضي.

في الواقع، يميل أطفال الثقافة الثالثة العاديون، لتكون لديهم إجابات متعددة حول انطباعهم عن بلدهم الأصلي، فهم لديهم أصدقاء من دول عديدة، وفي كثير من الأحيان لديهم القدرة على التحدث بأكثر من لغة، وهذا يؤثر على إجاباتهم بالفعل.



* خلاصة القول
ربما يكون العيش في الخارج فرصة لاكتشاف الذات والنمو لأولئك الذين يغتنمونه، فإذا كنت محظوظاً بما يكفي للحصول على هذه الفرصة، فعليك الاستفادة منها.

أما عن الآثار السلبية للغربة فيحدثنا عنها الشاعر مريد البرغوثي في كتابه (رأيت رام الله.. رأيت الوطن السليب) قائلاً: "الغربة كالموت، المرء يشعر أن الموت هو الشيء الوحيد الذي يحدث للآخرين. الغريب هو الشخص الذي يجدد إقامته، وهو الذي يملأ النماذج ويشتري الدمغات والطوابع، هو الذي عليه أن يقدّم البراهين والإثباتات".



المصادر
7 Ways Living Abroad Help You Develop a Clearer Sense of Self
The Benefits of Living Abroad
How Living Abroad Helps You Develop a Clearer Sense of Self
The problem with being a long-term expat
آخر تعديل بتاريخ 31 يناير 2020

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية