رهاب القيء (Emetophobia)، هو نوع من أنواع الرهاب أو الخوف الشديد من التقيؤ، سواء كان ذلك في الأماكن العامة أو حتى الخوف من التفكير بالغثيان أو رؤية شخص يتقيأ. وبالرغم من أن رهاب القيء أحد أكثر أنواع الرهاب شيوعًا في المملكة المتحدة، إلا أن القليل من الأشخاص يدركون ما معنى هذا الاضطراب النفسي.



• ما هو الرهاب؟
الرهاب هو نوع من الخوف تجاه شيء معين، وتراوح مخاوف البشر بين الخوف من شيء بسيط، مثل ريش الطيور إلى الخوف من المرتفعات. والرهاب الحقيقي لا شك أنه أمر خطير وقد يؤدي إلى مرض القلق الشديد. إلا أن البعض قد يستخدم كلمة الرهاب (Phobia) بشكل غير صحيح.

فالرهاب هو درجة إكلينيكية من درجات الخوف وتدل على شدة الخوف الذي قد يؤثر سلبًا على حياة الشخص وقد يتعارض مع حياته. ورهاب القيء قد يظهر في أي سن، بالرغم من أن الكثير من البالغين لا يذكرون صراحةً في أي فترة من حياتهم بدأ هذا الرهاب.

يقول البروفيسور د. كيفين جورناي - أستاذ الطب النفسي المتقاعد بجامعة كينجز كوليدج والخبير في علاج الرهاب -: "إن أغلبنا لديه مخاوف قد تزيد قليلًا عن الطبيعي، فالكثيرون لا يحبون العناكب ولا الأماكن المرتفعة، ولكن حينما يكون هذا الخوف – في حد ذاته - سببًا في تهديد حياتك، نسميه رهابًا".

وهناك خط واصل بين الخوف الطبيعي من طرف وبين مرض الرهاب على الطرف الآخر، حيث يحتاج الأخير إلى العلاج. وبين طرفي هذا الخيط هناك الكثير من المخاوف، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى الرهاب.

• أسباب رهاب القيء
غالبًا - وليس دائمًا - ما يبدأ رهاب القيء بتجربة سلبية، فبالرغم من أن أسباب التهاب المعدة (برد المعدة) غالبًا ما تكون بسبب الكحوليات وتسمم الطعام، إلا أن التهاب المعدة قد يحدث دون سبب معلوم.

وتزيد فرص رهاب القيء حين يتذكر المريض أنه تعرض للقيء في مكان عام أو تقيأ لمدة طويلة في الليل دون أن يستطيع السيطرة عليه. ويربط الخبراء بين رهاب القيء وبين قلق المرضى من عدم السيطرة على القيء. فيخشى مرضى الرهاب من أن يتعرضوا لموجة من القيء لا يستطاع السيطرة عليها، أو يستمرون في هذا القيء أمام أصدقائهم أو في مكان عام فيصيبهم هذا بالخجل من التعرض لمثل هذا الموقف.

• أعراض رهاب القيء
المدهش أن أغلب الناس الذين يعانون من رهاب القيء، نادرًا ما يتقيأون. والجدير بالذكر أن بعضهم يقرر أنه حتى لم يسبق له التقيؤ منذ كان صغيرًا، ومع هذا يخشون من حدوث ذلك. إذا كنت تعاني من رهاب القيء، لا شك أنك قد تتخذ بعض الإجراءات لحمايتك من حدوث هذا.

وهذه التدابير قد تظهر في صورة سلوكيات وأنماط معينة، مثل الوسواس، والوسواس هنا يصبح جهدًا تحاول بذله لتبقي نفسك سليمًا ونظيفًا قدر المستطاع. وحتى أنك قد تشعر بالارتياح في غرفة محددة داخل شقتك أو موضع محدد في عملك، ولا بد أن هؤلاء الأشخاص سيكونون الأكثر نظافة وأقل تلوثًا. وحتى قد تضع منشفة قريبة من سريرك عند النوم ليلًا خوفًا من أن تصاب بالقيء أثناء الليل.



وحتى في عملك قد تبحث عن أقرب الحمامات إلى مكتبك، وأقصر الطرق للمراحيض في الأماكن العامة والمباني الجديدة. وحتى أن بعض الحالات تفضل أن تقود السيارة بنفسها، خوفًا على نظافتها، ولا تفضل حمل الركاب أو اصطحاب صديق في السيارة للذهاب لمكان مشترك خوفًا من أن يتقيأ أمامها في السيارة ولا يسعفه الوقت للوصول إلى أحد الحمامات.

وغالبًا ما يعاني مرضى رهاب القيء من غثيان متكرر ومشاكل في الهضم. وهذه الأعراض قد تكون مشتركة بين مرضى رهاب القيء ومرضى القلق، وهي تولد نفسها وتدور في دائرة مفرغة. أنت خائف من القيء، وهذا الخوف يحدث غثيانًا وألمًا بالبطن، وهذا يجعلك أكثر خوفًا، وهكذا دواليك. ويقرر الباحثون أن هذه الدائرة المفرغة من الأعراض ينتهي بها الحال إلى فرط حساسية وانتباه وتركيز من المريض بالرهاب تجاه أي شيء يحدث لجهازه الهضمي حتى ولو كان طبيعيًا، فيسيء تقديره ويترجمه تفكيره إلى أنه شيء مرضي.

• ما هو تأثير رهاب القيء ومضاعفاته؟
يعتبر رهاب القيء من الأمراض التي يصعب علاجها، خاصة أنه مرض معقد بعض الشيء. وينشأ هذا الرهاب لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أخرى، مثل الوسواس القهري، واضطرابات الأكل. فمثلًا الخوف من القيء لدى البعض قد يصاحبه في كثير من الأحيان خوف من التلوث بشيء ما.

وغالبًا ما يأتي رهاب القيء ثانويًا لبعض الأمور المقلقة للمريض، مثل:
- تجنب الطعام.
- غسيل الأيدي.
- الانشغال بالآخرين الذين يعانون من عدوى فيروسية قد تنتقل إليهم.
- الخوف من الآخرين الذين يعانون من القيء، الاشمئزاز من القيء.
فمع مرور الوقت قد تعاني من المزيد من المخاوف والوساوس. وقد يعتريك رهاب الطعام، وهو شائع وسط مرضى رهاب القيء. فقد يصيبك القلق من أن الطعام غير مطهو جيدًا، أو أن تخزينه لم يكن بالشكل الصحيح، وأن هذا قد يؤدي إلى تسممك جراء تناوله. وتبدأ حينها تضع قيودًا على طعامك، وقد ترفض ملء بطنك حتى تصل لمرحلة الشبع. فالعديد من مرضى هذا الرهاب يخافون من ملء بطونهم خشية أن يصيبهم هذا بالغثيان والقيء. وفي حالات متطرفة، قد يحدث للبعض اضطراب فقدان الشهية.

وكذلك قد تصاحب رهاب القيء بعض الاضطرابات النفسية الأخرى، مثل القلق ورهاب الخلاء (الخوف من الأماكن المفتوحة). وقد يخشى مريض رهاب القيء مخالطة البشر خشيةً من أن تصيبه حالة القيء أمامهم وتصيبه بالخجل. كما أنه ليس بالغريب أن يخشى أيضًا مخالطة الناس لخوفه من أن تصيبهم هم حالة القيء أمامه، فهو حتى يخشى من رؤيتهم في مثل هذه الحالة.

وعلى مستوى نسبي، يعرف الذين يعانون من رهاب القيء أن القيء كعرض غير خطر على الحياة ويعلمون أيضًا أنه ليس له تأثير جسماني سلبي عليهم على المدى البعيد، وبرغم هذا يصيبهم الهلع من مجرد احتمال حدوثه لهم.

والشيء الآخر المهم أن الذين لديهم شعور بالخوف من أن يمرضوا لا يعلمون حقيقة ما وراء هذه المخاوف. يشرح البروفيسور جورناي الأمر فيقول "لقد رأيت – حرفيًا – مئات الأشخاص لديهم هذا الرهاب، لديهم خوف شديد من أن يفقدوا السيطرة على القيء إذا تعرضوا له، ولكنهم غير قادرين على الإشارة إلى السبب الحقيقي وما هي تبعات القيء التي يخشون منها بالضبط".



• كيف نعالج رهاب القيء؟
إن العلاج الأساسي والمتاح لعلاج رهاب القيء قائم على فكرة العلاج الإدراكي السلوكي (CBT)، وأغلب مرضى هذا النوع من الرهاب سوف يحصلون على قائمة من الممنوعات في أول مراحل العلاج، مثل تجنب أطعمة معينة، وتجنب الذهاب إلى أماكن تناول طعام معينة، فينصحون بتجنب الأماكن العامة، خاصة إذا كانت لديهم مخاوف من أن تكون هذه الأماكن قد تلوثت بفعل الآخرين أوعدم وجود احترازات صحية هناك. بعد ذلك يبدأ المريض بالتعرض التدريجي لمثل هذه المواقف شيئًا فشيئًا، ليتسنى له كسر مخاوفه واحدة تلو الأخرى.

يقول البروفيسور جورناي "من الممكن أن تحاول جعل مرضاك يتناولون الأطعمة التي يتجنبونها، لأن أصل المسألة هو مساعدة هؤلاء الأشخاص وإقناعهم بأن مخاوفهم من التلوث أو الإصابة جراء تناول أطعمة معينة، ما هي إلا مخاوف مبالغ فيها. وكل ما عليهم فعله هو القيام ببعض المجازفات".

• مجاراة ومواكبة الفكر الكارثي
قبل تعاملنا مع قائمة الممنوعات، فإن الذين يعانون من هذا الرهاب عليهم أن يتعاملوا مع الجزء المسؤول عن الخوف في أدمغتهم. فالعلاج الإدراكي السلوكي قد يساعد البعض على رؤية المشكلة أقل كارثية مما يظن. فمرضى الرهاب في الغالب ينتكسون ويتعرضون لحالة من الغثيان إذا تعرضوا لبعض مسببات الرهاب، ولذا فهدف العلاج الإدراكي السلوكي هو تخفيف حدة الكارثية وتغيير الطريقة التي يفكرون بها في هذه المسببات.

يقول البروفيسور جورناي: "الناس غالبًا ما يتجاوبون بطريقة جيدة مع محاولات التعرض لمسببات رهابهم عن طريق مشاهدة بعض الفيديوهات أو الأفلام المعينة على شبكة الإنترنت. وهذا سيساعدهم في بعض من الأحيان، لأن الشخص سيعتاد الفكرة تدريجيًا. وهؤلاء الذين يشعرون بالأنفة والاشمئزاز والرغبة في القيء ستساعدهم هذه الطريقة في تجاوز مخاوفهم ومشاعرهم السلبية تجاه ذلك".



ويضيف البروفيسور جورناي "إن علاج مثل هذه الحالات جِدُّ معقد، فأنا أعلم بأن أبحاثًا حديثة عدة تجرى بهذا الشأن. ومعالجة رهاب القيء لا تشبه بأي حال من الأحوال رهابًا آخر مثل رهاب العناكب، فأنا أستطيع أن أعالج مريض رهاب العناكب بجلستين تستغرق كل واحدة منهما ساعتين، إلا أن رهاب القيء قد يستغرق جلسات وساعات طويلة".

• أهمية الاعتماد على النفس
إن طريقة مساعدة الشخص لنفسه أثبتت كفاءتها في علاج مثل هذه الحالات. يقول البروفيسور جورناي "إن الأمر يستحق التأكيد وإقناع المريض بأن عليه مساعدة نفسه قبل أن يتم تحويله إلى المختصين من أطباء الطب النفسي. فالعلاج (الإدراكي السلوكي) متاح في مستشفياتنا بإنكلترا ولكن هناك قائمة انتظار طويلة، فقد يحتاج المريض إلى انتظار لأشهر أو حتى أكثر حتى يحين دوره لتلقي مثل هذا النوع من العلاج النفسي".

• أدوية رهاب القيء
يلجأ البعض إلى تناول الأدوية المضادة للقيء، وهذا لا ينصح به وقد يكون خطيرًا على المريض. فلا يوجد أي دليلٍ علمي على أن الأدوية النفسية، مضادات الاكتئاب، والمهدئات لديها أي تأثير على علاج الرهاب، لذا فإن على الذين يعانون منه أن يأخذوا في اعتبارهم عدم تناول مثل هذه الأدوية ظنًا منهم أنها أفضل طرق العلاج.

* المصادر
Causes and Treatment for Emetophobia
Emetophobia: how to manage the phobia of vomiting

آخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية