البعض منا يعاني من ألم في الظهر مثلا.. ينصحه الأطباء بالعلاج الطبيعي.. يدفع ثمنا باهظا للعلاج الطبيعي، ولكن بطريقة ما لم يجد الوقت الكافي للقيام بتمارينه.

البعض الآخر يشعر بالإحباط بسبب عدم قدرته على الإقلاع عن التدخين؛ رغم محاولاته المتكررة، وبعض منا يميلون إلى اجترار الآلام؛ رغم علمهم أن هذا الاجترار يساهم في اكتئابهم، وأن خروجهم مع أصدقائهم يشعرهم بالتحسن، ومع ذلك لا يستطيعون إلا أن يستمروا في اجترار الألم.

إذا بدت هذه السيناريوهات مألوفة لك، فأنت لست وحدك؛ ففي بعض الأحيان نتصرف جميعا بطرق نرغب في تغييرها، وحتى عندما نعرف جيدا ما يجب علينا القيام به، فإن معظمنا يناضل من أجل إجراء تغييرات إيجابية والحفاظ عليها، ولكن في كثير من الأحيان تكون سلوكياتنا مثل الأمثلة المذكورة.. نحاول أن نتغير ولكننا لا نبدأ.. وإذا بدأنا رحلة التغيير فإننا نفشل في الاستمرار.. فلماذا يحدث هذا؟ ما هي عوائق التغيير؟

* التغيير صعب.. ولكن لماذا؟
التغيير صعب حقاً.. لو كان الأمر سهلاً، فلن يكون هناك طلب على صناعة المساعدة الذاتية (Coaching and self development) التي تبلغ تكلفتها مليارات الدولارات، والتي تعد بتقديم إصلاحات سريعة.

* لكن، لماذا يبدو الأمر على الأرض صعباً جداً؟ ما الذي يجري؟
عادة ما نحاول المماطلة أو نبدأ ولكننا نفشل في الحفاظ على التغيير بعد يومين، ثم نوبخ أنفسنا لعدم التزامنا بقراراتنا.

هناك عامل حاسم، لكن غالبًا ما يتم تجاهله، هو أن كل سلوك - حتى عندما يكون غير مرغوب فيه ظاهريًا على السطح - أمر منطقي، ويقوم بأداء بعض الوظائف المفيدة طبقًا لوجهة نظرنا الحالية للعالم.. أي أن سلوكنا "السيئ" جيد لنا بطريقة ما، وأي محاولات لتغيير السلوك، دون إدراك دوره الحقيقي في حياتنا، تترك لنا فجوة في مجموعة أدواتنا للتعامل مع العالم، وبالتالي فإننا نميل إلى العودة إلى الوضع الراهن.

فلنلقِ نظرة على ما قد يحصل عليه الأشخاص المذكورين أعلاه من سلوكياتهم غير المرغوب فيها:
- قد يعطي ألم الظهر للمصاب به انتباها ورعاية، وقد يجعله يشعر بأنه مميز أو يعطيه شيئًا للحديث عنه، وقد يعطيه الأعذار لتجنب العمل أو بعض الأنشطة والمسؤوليات.. فهو - وبشكل غير واع تماما - يريد لألم الظهر أن يستمر.

- قد يمنح التدخين للمدخنين شعورًا بالانتماء لمجتمع المدخنين، أو يدعم هويتهم كمتمردين.. كما قد يكون أيضا الطريقة الوحيدة للحصول على استراحة من العمل.

- قد يحمي الاكتئاب احترام المكتئبين ذاتهم من خلال إعطائهم "عذرًا" لعدم الإنجاز، أو ربما أصبح مكوناً محوريًا لهويتهم، وقد يشعرون بأن الاجترار مفيد و"يفعل شيئًا مفيدًا"، أو قد يحميهم من مواجهة حقيقة دورهم في مشاكلهم.

بالنظر بهذه الطريقة، فمن السهل أن نرى أن تغيير السلوك "للأفضل" - من خلال تحسين الصحة، أو التوقف عن التدخين، أو الحد من الاجترار - يمكن في الواقع أن يفتح الباب لـ "تهديدات شخصية" مثل فقدان الاهتمام أو المجتمع أو الهوية أو غير ذلك.. ومن ثم فلا عجب أننا نقاوم التغيير.


* مع معوقات التغيير.. كيف يمكننا المضي قدما؟
إن فهم سبب قيامنا بسلوك معين هو البداية.. فنحن في طفولتنا نطور طريقتنا الذاتية الفردية لفهم العالم وما هو مطلوب منا، وبحسب عالم النفس "ألبرت أدلر" فإن الأطفال مراقبون ممتازون، ولكنهم مترجمون فقراء، ويخطئون في فهم أفضل السبل للحصول على ما يريدون، ومع ذلك تبقى الاعتقادات والأهداف الخاطئة لتشكل الأساس لأعمالنا، تماماً كما تفعل استنتاجاتنا المعقولة.

ربما يكون الشخص الذي لا يواظب على العلاج قد استنتج أنه بحاجة إلى أن يكون مريضاً ليحصل على الاهتمام، أو أنه يجب أن يكون مثالياً، وبالتالي يحتاج إلى عذر لتفسير سبب عدم وجوده، وبالنسبة للمدخنين، قد يكون التدخين هو الطريقة التي جعلتهم يشعرون بأنهم مختلفون أو مميزون في عائلتهم الصارمة، وقد يكون الاجترار لحجب مشاعر أكثر صعوبة.

أدت مثل هذه المعتقدات إلى السلوك الذي خدمهم بشكل جيد في مرحلة ما، لكنه الآن يخلق مقاومة للانتقال إلى سلوكيات إيجابية وبناءة وأكثر موضوعية. إذا كنا نريد تغييرًا حقيقيًا في السلوك، فنحن بحاجة إلى تعديل المعتقدات الأساسية، وإيجاد طرق أفضل لتلبية احتياجاتنا.



* هل يمكن أن نقوم بهذا العمل النفسي بمفردنا؟
ليس من السهل دائمًا القيام بهذا العمل النفسي بمفردنا، لأن ما يبدو معقولًا بالنسبة لنا يعتمد على معتقداتنا الحالية، لذا يمكن أن يكون مبرراً ذاتيًا. لذلك قد تكون هناك حاجة إلى المعالج للمساعدة في إلغاء المعتقدات العميقة الجذور.

* اقتراحات للمساعدة
ومع ذلك، قد تساعدك هذه الأسئلة على أن تبدأ طريق التغيير:
- هل أريد حقًا إجراء التغيير؟ 
- ما هي مخاوفك إذا قمت بإجراء هذا التغيير؟ ماذا ستفقد أو ستفتح على نفسك؟
- هل (بصراحة) ترغب في بذل الجهد المطلوب لإجراء هذا التغيير؟

في بعض الأحيان، مع القليل من الاستبصار الداخلي، ندرك أن هدف السلوك مضلل تمامًا مما يجعله أسهل في المخالفة، وعلى سبيل المثل، قد يدرك من يرفض العلاج رغبة في الحصول على الاهتمام أن "كونه بحاجة إلى أن يكون مريضاً حتى يشعر بأنه ذو قيمة أمر يدعو للسخرية".

في أوقات أخرى، ومن خلال التركيز على الحواجز التي تحول دون التغيير، أو المخاوف إذا تغيرنا، فإننا قد نكتشف شيئًا عن دوافع ودور السلوك الذي نرغب في تغييره؛ مما يمكننا بعد ذلك في البدء في تحديد طرق أفضل لتحقيق الأهداف مثل الحصول على الاهتمام أو القبول أو بناء الثقة بالنفس؛ مما يمكننا من التركيز على إضافة سلوكيات "بديلة" أكثر بناءً، والذي غالبًا ما يكون المفتاح لتقليل السلوك غير المرغوب فيه. وبشكل عام، فإن التحرك نحو النتيجة يعد استراتيجية للتغيير أكثر نجاحًا من الابتعاد من شيء غير مرغوب فيه.


قد يكون من المهم أن تدرك أن تغيير أنفسنا هو عمل معقد، يتطلب في كثير من الأحيان أن نتحدى معتقداتنا وأنظمة المكافآت المدفونة عميقا، وأننا نحتاج أن نكون أكثر لطفاً مع أنفسنا عندما نجد ذلك صعبًا جدًا، ونادرًا ما يكون هناك حل سريع.

لكي نتغير، علينا أن نتعلم كيف نكون مشجعين لأنفسنا بدلاً من أن نكون متنمرين لها، نحتاج أن نتعلم أن نقول لأنفسنا: "فلنخرج من أجل نزهة جميلة"، وليس "فلتتحرك من على الأريكة، أنت كسول!".. فالترهيب (من قبل أي شخص حتى من نفسك) هو وصفة لتخفيض الطاقة، وللوصول إلى الحالة المزاجية المنخفضة والفشل، ولن يساعد أي شخص حتى يتغير نحو الأفضل.



المصادر
Overcoming Obstacles to Change Part 1: Beat internal resistance with insight

آخر تعديل بتاريخ 5 يوليو 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الوطنية الأمريكية