تغطية خاصة لفيروس كورونا

تغطية خاصة لفيروس كورونا

رحلة الحياة.. المتعة في التفاصيل لا النهايات

في الحياة تجدنا دوما في انتظار خط النهاية.. نذاكر طوال العام وأعيننا على نتيجة الامتحان.. نسافر رحلة طويلة وقلوبنا معلقة بمحطة الوصول.. وفي الحقيقة فإن انتظارنا للنهاية السعيدة يحرمنا من الاستمتاع بجمال الرحلة، كما أننا - وبعد الوصول - ننسى ونتناسى ونختزل الرحلة كلها في نقطة النهاية والنتيجة التي حصلنا عليها؛ فالنهايات السعيدة تضفي جمالا على كل ما سبقها، والنهايات غير السعيدة تلون كل ما سبقها بالكآبة والسواد.



* النفس المجربة والنفس المتذكرة
يميز دانييل كانمان Daniel Kahneman، عالم النفس الحائز على جائزة نوبل، بين الذات المجربة Experiencing self والذات المتذكرة Remembering self.

تشعر الذات المجربة بالأحداث في الوقت الحاضر، في حين أن الذات المتذكرة تنظر إلى الوراء وتعيش ذكريات أحداث الماضي، ومن الجدير بالذكر، أننا نعيش الأحداث باستمرار وبشكل كامل، ولكننا نتذكر الأحداث في المقام الأول من حيث كيفية انتهائها، والنفس المجربة تتذكر كل الأحداث، والنفس المتذكرة تتذكر النهايات فقط.

* أمثلة لكيف تشكل نهايات الأحداث جل القصة
لنفترض أننا خضعنا لعملية علاج للأسنان والتي سارت بشكل هادئ حتى النهاية، إلا أنها انتهت بخمس دقائق من الألم المعتدل، ثم ذهبنا لطبيب الأسنان مرة ثانية وخضعنا لإجراء مشابه، ولكن مع وجود 10 دقائق من الألم المعتدل في الوسط وعدم وجود ألم في النهاية، وعلى الرغم من أننا واجهنا نصف الألم مع الإجراء الأول، إلا أننا سنتذكر أنه أكثر إيلاما لأن الألم جاء في النهاية.

وقد نذهب إلى فيلم ممتع وجذاب طوال الوقت، باستثناء نهايته المخيبة للآمال، ورغم المتعة الموجودة في الفيلم إلا أننا في الغالب سنتذكر هذا الفيلم لاحقًا على أنه غير ممتع، على الرغم من أن معظم تجربتنا كانت مواتية، وفي المقابل، يمكن تذكر فيلم متوسط مع نهاية مبهجة كوقت جيد.

نفس التأثير يحدث مع الإجازات الصيفية، ودورات الكلية، والأحداث الممتدة الأخرى، كان شكسبير محقا عندما قال "كل شيء ينتهي بشكل جيد هو جيد"، والمعنى الضمني أن النهاية غير الملائمة تعني أن كل شيء ليس على ما يرام.


* لماذا تؤثر النهايات بشكل غير متناسب على ذاكرتنا حول تجربة أو خبرة كاملة؟
1) أحد الأسباب هو أن النهايات يمكن أن تضفي معنى على حدث كامل، ثم نتذكر هذا المعنى الكلي
لنفترض أن رجلا خضع لسلسلة من الفحوصات والاختبارات الطبية لوجود نمو مشكوك فيه، وفي زيارته الأخيرة للطبيب، تم تشخيصه بكيس حميد.. هذا التشخيص المواتي يعطي معنى للتجربة بأكملها، ويعرفها كعملية طبيعية للتحقق من صحة الشخص. قد تتذكر النفس المتذكرة حتى النهاية المواتية بأنها لا مفر منها - على الرغم من عدم تجربة هذه الحتمية خلال الفحوصات الفعلية، وفي هذا المثال، يبدو من المعقول والصحي التركيز على النهاية السعيدة، وتقليص عدم اليقين والقلق من الفحوصات السابقة والتأكيد على صحة الشخص. ومع ذلك، فإن الذاكرة تعبر تعبيراً منحرفًا عما كان عليه الوضع بالفعل.

نفس الأمر إذا حددت رمية ذات ثلاث نقاط في نهاية مباراة كرة سلة قريبة من الذي يفوز ومن يخسر، فإن هذه اللقطة تعطي اللعبة معنى؛ وعلى الرغم من أن المشاهدين قد شهدوا العديد من التمريرات المثيرة أثناء المباراة، إلا أن النهاية تصبح هي الأبرز بشكل مفهوم لدى النفس المتذكرة.

وبالمثل، فإن الانتخابات السياسية تكتسب معنى من فرز الأصوات النهائي، على الرغم من أن القرارات والأحداث المهمة على طول الطريق أثرت في ذلك التصويت النهائي.

2) سبب آخر يجعلنا نركز على النهايات هو أننا نتطلع إلى أشكال الفن السردي لتهيئة حياتنا
نحن نضع أحداث حياتنا في فئات سردية محددة؛ حيث تنتهي معظم الأفلام والروايات والقصص القصيرة والقصائد الملحمية نهايات مرضية، وهو استنتاج ذو معنى يتردد صداه خارج نطاق القصة، من الصعب كتابة النهايات بالتحديد بسبب هذا الالتزام بإنهاء السردية.

عرف إرنست همينجواي هذا عندما كتب سبعا وأربعين نهاية مختلفة لروايته "وداعا للسلاح" قبل أن يختار إحداها أخيرًا.

الانطباعات الأخيرة تدوم؛ وفي الفن، نحصل على فرصة واحدة فقط لترك انطباع أخير.. أما في الحياة، فليس لدينا التزام بختام بارع.


3) هناك سبب آخر لتركيزنا على النهايات هو أسطورة للأبد، والتي غالبا ما يتم استحضارها مع العلاقات والمهن
عندما تنتهي الزيجات بالطلاق، قد يتم تفسيرها وتذكرها على أنها "فاشلة" - حتى لو أنها خلقت سنوات سعيدة وأطفالًا أصحاء على طول الطريق، وإذا تم الاستغناء عن شخص ما أو طرده، فقد تكون الحياة الوظيفية المنتجة ملوثة بنهاية مفاجئة وغير سعيدة بالطبع، ويمكن أن تكون الأساطير مفيدة في سرد قصص حياتنا، لكن أسطورة الأبد يمكن أن تمثل عبئا على أنفسنا دون داع.

بالطبع، لسنا بحاجة إلى ضبط ذكريات الأحداث بنهايات سعيدة، لكن يمكننا إعادة هيكلة ذكريات الأحداث بنهايات غير سعيدة. أنا لا أدعو لإنكار العواقب الحقيقية، وإنما أوصي باعتراف كامل وتذكر التجارب كاملة، ويمكننا القيام بذلك مع العلاقات الرومانسية التي تتفكك، والصداقات التي تنتهي، والمشاريع التي لا تعمل، والوظائف التي تنتهي بشكل غير متوقع، والخسائر العادية التي تحدث في جميع حياتنا.

* الحياة مليئة بالأحداث المتوسطة
تذكر وسلط الضوء على هذه الأحداث.. اسمح لنفسك بالحزن على الخسائر الكبيرة.. ولكن أيضاً اسمح لنفسك بتجسيد وتقدير التجربة بأكملها.

* كلما أمكن أعد تسليط الضوء على الأحداث التي تذكرها من خلال تحديد نهايات مختلفة 
مثلا ركز على تلك المحادثة العميقة التي استمرت لمدة ثلاث ساعات قبل أن يبتعد صديقك - وليس الوداع الطويل الأخرق.

* لا تعامل الحياة الحقيقية مثل السرد المكتوب
لا يتم تنظيم أحداث الحياة في ثلاثة فصول، تنتهي بنهايات مكتوبة بشكل جيد. فغالبًا ما تكون النهايات في الحياة فوضوية وغير حاسمة، ولا يجب أن تتماشى مع المعايير الصارمة للفنون السردية. فالنهايات السعيدة دائما تحدث في الأفلام. والخروج بشكل رائع من على المنصة يحدث في المسرح. وأخذ نهج سينمائي أو مسرحي في الحياة يبعدنا فقط عن الأحداث الفعلية المعاشة.

نحن نمضي وقتًا طويلاً نجتر ذكرياتنا، لذا يجب أن نكون واعين لما يحدث في الذاكرة، ويمكننا العمل دوما لمنع النهايات من تشكيل كامل خبرتنا المتذكرة، وبدلا من تسليط الضوء على النهايات غير السعيدة، يمكننا تسليط الضوء على أوقاتنا السعيدة في المنتصف وتذكرها، وفي الواقع، فإن معظم ما يحدث في الحياة يحدث في الوسط.. في خضم القصة.. ونهاية القصة ليست هي كل القصة.



المصادر:
The End of the Story Is Not the Story

آخر تعديل بتاريخ 1 أبريل 2021

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية