لقد تم إجراء الكثير من الأبحاث حول السعادة والرفاهية الذاتية خلال الخمسين سنة الماضية، ويبدو أن الجميع يريد تحديد الصيغة الدقيقة للسعادة، وعلى الرغم من عدم وجود وصفة محددة لتحقيقها، إلا أن هناك بعض النتائج المهمة التي يمكن أن تكون بمثابة إرشادات لنا، تعالوا نتعرف عليها في هذا المقال.



* شروط مسبقة لإيجاد الرضا أو السعادة في الحياة
1. يحتاج البشر إلى علاقات للاستمتاع بالرفاهية والسعادة المثلى
هذه حقيقة بسيطة؛ فنحن نولد بدوافع قوية لإقامة علاقات مع الآخرين، وفي حين أن الكثيرين منا يعتقدون أننا سنكون سعداء عندما نجد "الحب الحقيقي"، ولكن في الحقيقة العلاقات الرومانسية ليست مطلوبة للسعادة، فمجرد وجود أصدقاء جيدين يشجعونك ويساندونك سوف يساهم بنفس القدر في الشعور العام بالسعادة والرضا في الحياة.

2. أن تكون طيبًا مع الآخرين أمر ضروري لإيجاد الإحساس بالسعادة الشخصية
يتم توصيل أدمغتنا البشرية بحيث نشعر بالبهجة عندما نتصرف بإيثار، ومجرد وضع خطط للقيام بشيء لطيف للآخرين - سواء كان ذلك بترتيب حفل لصديق أو التطوع بوقتك من أجل قضية جديرة بالاهتمام أو التخطيط لتبرع نقدي - سوف يمنحك دفعة ويولد شعوراً بالرضا والرفاهية.

3. الاعتراف بوفرة وغنى حياتك
بغض النظر عن شكل حياتك وهل تعيشها ببساطة أو بإسراف؛ فإن الامتنان لهؤلاء الناس الموجودين في حياتك، والامتنان للتجارب والأشياء الموجودة فيها يساهم بشكل إيجابي في الشعور بالرفاهية.

والدافع لتحقيق المزيد والمزيد من الأشياء المادية يتعارض مع التعبير عن الامتنان والشعور بالرضا مع من أنت وأين أنت في الحياة، والسعي وراء "الأشياء" له قيمة فقط إذا كنت تعتز بالسعي أكثر من اعتزازك بـ "الشيء" الذي قد ينتج عنه، ولنضرب مثالاً على ذلك بشخص يسعى لامتلاك العديد من الشهادات الدراسية؛ فالفارق كبير بين من يسعى لمجرد امتلاك ورقة ولقب في نهاية الطريق، وبين من يستمتع بكل تفاصيل رحلة التعلم وما فيها من شغف.

4. إيجاد إحساس بالمعنى والغاية في الحياة ضروريان للرضا والسعادة
إن الاعتقاد بأنك تسهم في شيء أكبر منك، وشعورك بأنك جزء من شيء أكبر من وجودك الفردي ضروري أيضًا لتجربة الشعور بالسلام الذي هو جزء من السعادة.

5. اختيارك لأسلوب حياة صحي من حيث احتياجاتك الأساسية - النوم والتغذية والتمرين - يساهم أيضًا في سعادتك بالحياة
هناك العديد من الدراسات البحثية التي تظهر أن التمارين الرياضية المنتظمة - حتى مجرد المشي اليومي - فعالة في الحد من الاكتئاب، كما ثبت أن أنشطة التأمل، مثل اليوغا والاسترخاء والتأمل، تقلل الإجهاد وتشجع الرفاهية.


يعتقد العديد من الناس أن النوم الجيد في الليل هو أمر "اختياري"، لكن الأبحاث تُظهر أن عادات النوم السيئة تؤدي إلى زيادة التوتر، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وحتى زيادة الوزن.

فيما يتعلق بالتغذية، تؤثر الحمية الصحية حقاً على صحتك العامة وصحتك البدنية، وتؤثر على سعادتك بشكل كبير، وأظهرت دراسة حديثة أن تضمين الفواكه والخضروات الطازجة في نظامك الغذائي يقلل أيضًا من الاكتئاب والقلق، وقد تتصور أن تناول الأطعمة المصنعة الإدمانية أو المكيفات مثل الكحول أو النيكوتين أو غيرها من العقاقير تجلب السعادة، ولكن للأسف - ورغم أن هذه الأشياء قد تشعرك بسعادة لحظية - إلا أن تأثيراتها الضارة لا تقتصر فقط على فترة تناولها، ولكن لها تأثير سلبي مستمر ودائم على الصحة والسعادة على المدى الطويل.

* فكّرْ.. ما الذي يشعرك بالسعادة؟
إذا حاولت التفكير في ما يجلب لك السعادة في الحياة، ووجدت أن إجابتك تتعلق باكتساب الأشياء، ففكر كيف تنتهي سعادتك بمجرد انتهاء تشويق الشراء أو انتهاء الفرحة بامتلاك الشيء الجديد.

نفس الأمر عندما تفكر في العلاقة الرومانسية الخاصة بك الأكثر إشباعاً ونجاحاً، هل كان الارتياح مبنيًا على "امتلاك" الشخص أم على الخبرات والمشاعر التي كانت مصاحبة للعلاقة؟

ويبدو أن الكثيرين منا يتمتعون بالسعي أكثر من استمتاعهم بالاستحواذ على شيء معين، وفي كثير من الأحيان سوف تجد الأزواج يتذكرون الأيام التي ناضلوا فيها من أجل علاقاتهم، ويبدو أن تجربة الكفاح والعمل معاً هي التي تربطنا بالآخرين؛ وعندما نصل إلى نقطة في الحياة نشعر أننا ليس لدينا المزيد من الأهداف للعمل عليها، نجد أنفسنا غير قادرين على الشعور بالقيمة، أو بالرضا، أو بمعنى الحياة.


* لا ينبغي أن تكون السعادة صناعة - بل هي ممارسة شخصية
الناس يبحثون في كثير من الأحيان عن "وصفات السعادة" المثالية التي ستجلب لهم نوعًا من الرضا والطمأنينة الذي يتوقون إليه، ولسوء الحظ، هذين الهدفين هما نتاجان للحياة، وليسا "أهداف" أو "أماكن" يمكن إدخالها في نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).

غالباً ما يسعي الأشخاص غير الراضين إلى الحصول على مساعدة مهنية، إلا أن السببين الأساسيين وراء عدم رضا الناس ينبعان من أمرين أساسيين مرتبطتين بالعلاقات؛ حيث نجد هؤلاء في حالة من اثنين:
- إما أنهم لا تربطهم علاقات مع الآخرين.
- أو أن لديهم علاقات ضعيفة مع الآخرين.

الحقيقة أننا نحتاج لوجود أناس في حياتنا يمكن أن نكون أنفسنا معهم، يمكن أن نكون معهم ضعفاء، غير كاملين، على أن يكونوا شهود على رحلتنا الشريفة في الحياة لنكون أفضل.

الذين يسعون لامتلاك الأشياء بغية تحقيق الطمأنينة لن يحصلوا عليها؛ حيث سيكون هناك دائمًا شيء بعيد عن متناولهم لا يستطيعون تحقيقه، وهم غير قادرين على العثور على السعادة في السعي، وفقط يريدون امتلاك الهدف، والذي بمجرد امتلاكه فإنه يفقد قيمته، وينظرون ظاهريًا مرة أخرى للبحث عن "الشيء" التالي الذي يعتقدون أنه سيجلب الرضا. إنها دورة لا تنتهي من الرغبه في الوصول إلى ما هو بعيد المنال، بدلاً من الاستمتاع "بما هو متاح".

وللأسف قامت الصناعة المعروفة بـ "صناعة السعادة" على فكرة واعتقاد خاطئ أننا أسياد حياتنا وأنه يجب أن نكون قادرين على التحكم في عواطفنا وحالتنا، على أن يكون التحكم من خلال أشياء تشترى نتصور أن فيها سعادتنا، ولكن الحقيقة المؤلمة أن التجربة لا الأشياء هي التي تجلب رضىً دائماً وامتناناً حقيقياً.



* أجدادنا أدركوا أنّ السعادة لا تُشترى
منذ أجيال مضت، يبدو أن أجدادنا كانوا أكثر حكمة أو البيئة المحيطة ساعدتهم على إدراك أنه لا يتم قياس السعادة كمياً أو افتراض أنها "مكان" محدد يمكن الوصول إليه، وكان لدى الناس وقت وموارد أقل لتكريسها "للإثراء الشخصي"، فقد استيقظوا كل يوم، وفعلوا ما تربوا عليه، ثم نهضوا في اليوم التالي للقيام بذلك مرة أخرى، ووجدوا القناعة في القيام بنجاح بما هو مطلوب منهم، ولعبت العلاقات والأسر والمجتمعات (بما في ذلك المجتمعات الروحية / الدينية وعلاقات الجيران وما إلى ذلك) دورًا أكبر في حياة الفرد.

اليوم، خلقت قيمة الإنجاز الفردي مجتمعاً يبدو عازماً على النجاح الشخصي فوق الصالح العام. وهكذا، يعيش الناس "وحدهم" لأنهم يبحثون عن طرق لإضفاء معنى على حياتهم والعثور على السعادة، ولكن لسوء الحظ هذا النمط لا يجلب السعادة، فنحن نحتاج إلى علاقات صحية وأصلية وشبكة دعم من أولئك الذين يحبوننا بدون شروط.

نحن بحاجة أيضا إلى الشعور بأن هناك غرضًا في وجودنا، وأننا نساهم في شيء أكبر من أنفسنا، وبدون هذا الاتصال مع الآخرين، والتقدير لما لدينا في الحياة في هذه اللحظة، لن يتم اختبار القناعة والسعادة.

ولعل أكبر فكرة خاطئة عن السعادة اليوم هي الاعتقاد بأن السعادة هي "وجهة" أو أن السعادة يمكن "شراؤها". كل هذا يبدو مبتذلاً وقليلًا إلى حد ما، ولكن رحلتنا عبر الحياة وتجاربنا على طول الطريق هي حقاً التي تسفر عن مشاعر الرضا والطمأنينة في حياتنا.
آخر تعديل بتاريخ 8 أغسطس 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية