في تيار من العثرات الصغيرة، وتتابع وتيرة الضغوط الحياتية، قد يفقد الفرد مرساته، ويصبح كسفينة بلا قبطان، يبحر بها الموج ولا تبحر فيه، في حالة من فقدان السيطرة يصبح فيها الأنا مفعولاً لا فاعلاً، ومنفعلاً لا مؤثراً، وخذ مثالاً: كم مرة تأخرت عن موعد انطلاقه وقلت في نفسك: (لقد فاتني القطار)؟!

إن الفرق بين ”لقد تأخرت عن الموعد“، وبين ”لقد فاتني القطار“ ليس فقط في مبنى الكلمات، ولكن في الموقف النفسي الذي تعبر كل جملة عنه، بين أنا الفاعل وأنا المفعول، بين الشعور بالعجز وقلة الحيلة، وبين تحمل المسؤولية والقيام بها.

في الأوساط العلمية، هناك تصاعد للآراء التي ترفض مصطلح "اضطراب الشخصية الحدية"، لأنهم يؤمنون أنها حالة ذهن state of mind، وليست اضطرابا مستقلا، وفي المثال السابق حاولت القيام بتوضيح ما يمكننا فهمه بالموقف الحدّي، وهو حالة من الشعور بعدم القدرة على الإمساك بخيوط اللعبة، ويمكننا تشبيه الشخصية الحدية بحالة مستمرة من الموقف الحدي، وتسميها إحدى المعالجات بساكني البيت الحدي، حيث يمكن رؤية الشخصية الحدية بفقدان المرساة، وحالة من الإزاحة عن عصا القيادة الذاتية.



* فما الذي يمكننا القيام به لتولي قيادة سفينتنا؟
بدايةً، يمكننا الانطلاق من الوعي ببنائنا النفسي، فنحن لا يمكننا القيادة سوى من مكان يعرف بنافذة التحمل Window of tolerance، وهي المنطقة ما بين منطقة فرط الاستثارة حيث نجد أننا مغمورون بقدر من المشاعر يصعب معه القيام بمهام المسؤولية الذاتية، وتكون أفعالنا فيها ردود فعل، بالهجوم أو الهرب، وفي الناحية الأخرى من نافذة التحمل توجد منطقة الانطفاء، وفيها نكون مستنفدي الطاقة، وليس عندنا القدرة على تحريك أي قطعة في اللعبة، فهي حالة أشبه بالاستسلام للآخر، وكثيراً ما يجد بعضنا أن الدخول في حالة الانطفاء هي نتيجة استنزافنا في منطقة فرط الاستثارة.

وسميت نافذة التحمل بهذا الاسم، لأننا فيها يمكننا احتمال التوتر الناتج عن التعامل مع الضغوط ومعطيات الواقع الخارجي (الآخرين والأهداف والظروف)، والواقع الداخلي (المشاعر والأحاسيس والنزعات والرغبات)، ولدينا خياران يمكننا اتخاذ أحدهما أو كليهما في سبيل المزيد من التحمل، وهما توسيع مساحتها أو تحسين نوعية وجودنا فيها.


* تثبيت أقدامنا في نافذة التحمل
هناك ما يعرف بالموارد Resources، وهي المراسي التي يمكننا الاعتماد عليها لتثبيت أقدامنا في منطقة التحمل والسماحية، وتشمل مواردنا الداخلية الوظائف الحيوية كالتنفس والحس أو الوظائف الحركية، وكذلك الموارد الخارجية من العلاقات الصحية والتأمل، والموارد الروحية من العلاقة مع قوة عليا محبة وراعية.

هناك من تكون موارده علاقاته وتشمل العلاقة مع الذات والله والآخرين، وهناك من تكون موارده في التواصل مع الطبيعة، وهناك من موارده في مواهبه وهواياته، هي ملاجئ نفسية يمكننا التواصل معها لالتقاط الأنفاس.


* توسيع نافذة التحمل
وذلك بالمزيد من الوعي، فبدلاً من مصارعة الضغوط الخارجية والداخلية يمكننا السماح لها بالتواجد، وبذلك نسلبها الطاقة التي تستمدها من محاولات مقاومتنا لها والعراك معها وإتاحة مساحة لتواجدها، سماحية تواجدها تحدث من خلال التواصل مع الذات الواعية، وهي الجزء منا الذي يمكنه شهود الواقع دون التدخل فيه، وتعتبر القدرة على الوظيفية في وجود التوترات أحد محكات النضج النفسي والوجداني.

تركز طرق التربية على تنمية الذات الفاعلة، أي التي تقوم بمهام التفكير والانفعال والتدخل، وهي باختصار ما نعنيه بوظائف الدماغ، وفي الحقيقة فإن محاولة التواصل مع الذات الواعية قديمة قدم الإنسان، وتجدها في الممارسات الصوفية والبوذية وغيرها، وهناك العديد من التكنيكات التي تم تطويرها لتحقيق ذلك مثل تمارين اليقظة Mindfulness، وهي الوعي الصافي بالواقع.


ما أهدف إليه من حوارنا اليوم هو أن نحتضن أنفسنا، ونتعاهدها بالدعم والمساندة، فإن دفء أحضان العالم لا يغني عن احتضاننا لأنفسنا، أن نرفق بخطواتنا إن تعثر المسير، وأن نحتمل وتيرة نمونا النفسي كما احتملنا وتيرة نمونا الجسدي، ومن الطبيعي أن نختبر الإحباطات والألم والتوترات، لكن يمكننا أن نكمل مسيرتنا بالرغم من ذلك.
آخر تعديل بتاريخ 20 مارس 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية