فقد الحبيب ألم ومعاناة.. كيف تتجاوزه؟

جاءني شاب يعتصر الألم قلبه، يتمالك نفسه بجهد كبير، ويغالب دموع عينيه بجهد أكبر، يسألني كيف أنساها؟ وهو لا يصدق ما طلبه لسانه مني توا؛ فلقد أعياه الألم، وتهاوت كل محاولاته، المزيفة/ والجادة، أمام صدق ما يشعر به في أعماقه.

ولكل من "توجع"، ولكل من فارق حبيبه، أقول له/ لها
برغم أن الحب هو أجمل ما يتذوقه القلب من مشاعر تحييه بعد ثبات طويل، وبرغم ما يمنحه لمن تذوقه من طاقة وحركة وقدرة على العطاء غير معتادة، وحب لكل أحد ولكل شيء، إلا أنه يحتمل الفراق.

نعم لم أخطئ في كتابتها، ولم تخطئ في قراءتها..
فالحب الصادق الكبير "يحتمل" الفراق على صعوبة ذلك، وهذه الحقيقة المؤلمة المزعجة هي النقطة الفارقة في تجاوز ما حدث من ألم في قلب أحب وفارق حبيبه.

ولكل من فارق محبوبا واعتصر قلبه من الألم اترك لكم تلك النقاط، وهذه النقاط ليست للقراءة ولكن للاستيعاب، وإن لم تتمكنوا الآن من القيام بها، فغدا ستتمكنون إن شاء الله:
- ما شعرته من مشاعر الحب بكل تفاصيله من لهفة، وفرحة، وتوتر، ورضا، وبهجة هي مشاعرك أنت؛ فلا تكرهها، ولا تتصور أنها مرهونة بالحبيب الذي غاب؛ فما فعلته، وما شعرته كان يخصك أنت؛ فحتى مع غياب من أحببت، فهذه المشاعر ملكك.

- جدد "رؤيتك" لنفسك.. فأنت بحاجة لأن تمتنَّ لما مررت به؛ ولم يكن بإمكانك أن تعرف كيف تكون حالتك حين تحب، ولا كيف تشعر، ولا كيف تعطي، بل وحقيقة ما تملك من طاقة وصبر وإبداع إلا بمرورك بتلك التجربة التي لم تكتمل؛ فكأنه كان من المهم أن تمر بتلك التجربة "لتتعرف" على ما تجهله عن نفسك وتقترب منها، وتتعامل معها تعاملا جديدا أكثر قربا ومعرفة، ولقد صارت تلك الطاقات بقوتها، وتفاصيلها، والسماح باستخدامها مسؤوليتك وحدك.

- فقدان الثقة في نفسك، أو في الآخر، أو في الحب مجرد "فخ" نفسي، فاحذر الوقوع فيه؛ فالحب بريء مما التصق به زورا من أنه عذاب أو وهم أو خرافة؛ فالحب حقيقة، ومن يحب وينوي دفع ثمن الحب من عطاء وقبول وصبر وإيثار حقيقة، ولكن أنت تحتاج حين تنتقل للمرحلة الثالثة التي تحدثنا عنها في مراحل الفقد أن "تقيم" حقيقة ما حدث في علاقتك تلك.. كيف رأيت العلاقة، كيف فهمت الطرف الآخر، كيف لم تتمكن من فهم احتياجاتك، أو احتياجاته، كيف ساهمت في حدوث الفراق، كيف تعاملت مع الاختلافات، ما هو مدى ثباتك على مبادئك تحت ضغط الحب، كيف تعاملت مع نفسك حين قررت الفراق، أو حين قرر الطرف الآخر فراقك، والكثير من التساؤلات التي تجعلك أكثر نضجا وقربا من نفسك؛ فتتعهد ما تجد فيها من أمور تحتاج لمراجعة، وأمور "تفخر" بأنك تملكها، ويمكنك القيام بتلك الخطوة مع صديق مقرب يفهمك، ويحبك، ولا يحكم عليك، أو متخصص نفسي يساعدك.

- فخ نفسي جديد يمكن أن تقع فيه وأنت تقوم بمراجعة العلاقة فاحذره بقوة، هذا الفخ هو فخ وقوعك في الإحساس باللوم على نفسك، أو الغرق في مشاعر الذنب أو التقصير؛ فهذه المشاعر هي بوابة الوقوع في الاكتئاب والقلق المرضي في حال زيادتها.

- ساعد نفسك بعدم الرجوع للذكريات، والاحتكاك بها سواء كانت أماكن أو هدايا أو أصدقاء مشتركين خاصة في بداية الفراق؛ وكلما وجدت نفسك ترغب بشدة في الاحتكاك بالذكريات التي تؤلمك، تأكد أنك تحتاج لمراجعة صدق حبك لنفسك، واحتمال أن تكون ممن يتلذذون بالألم الذي يتحول لمعاناة؛ فالألم جزء من الحياة لا يمكن تفاديه، ولكن المعاناة اختيار.

- تحتاج لقبول الألم، وقبول الفقد، وقبولهما يعني أن ما حدث قد حدث، وأنك تقبل أن هذا قد حدث وأنك الآن متألم وإن من حقك احترام مشاعر الألم، ولكنك قادر ألا تتركه يبلعك، فيتحول لمعاناة تقضي على الأخضر واليابس في حياتك؛ فنحن نتمكن من الفرح رغم وجود مشاعر الألم، ولكن مع المعاناة تتلون الحياة كلها بلون داكن يمنع الإحساس بأي مشاعر سوى المرارة، ويظل الخاسر هو أنت.

- امنع نفسك بكل الطرق من متابعة أخبار الطرف الآخر؛ فهو جزء من منظومة التلذذ بالألم فانتبه، وساعد نفسك بطلب مساعدة ممن تثق فيهم.

- لا تخجل من مشاعر اللوعة والاشتياق والألم، وعبر عنها بكل الطرق التي تحقق لك راحة؛ كالكتابة والفضفضة والرسم والخواطر.. إلخ؛ فكل تلك الأدوات هي أدوات صحية تساعدك على التخلص من جزء كبير من المشاعر السلبية المتراكمة بداخلك.

- البعض يقول إن دخول الشخص في علاقة جديدة يساعد في التخلص من العلاقة القديمة، وهذه المقولة حمقاء بجدارة؛ فذكرياتنا جزء منا لا يمكن استئصالها أو إنكارها، ولكنه يحتاج معها إلى كل ما تحدثنا عنه سابقا وقبولها كما هي؛ فهذا هو النضج الصادق الذي سيجعلك تكمل مسيرة حياتك، وتسمح لنفسك بالحب مجددا.

- بعد انتهاء علاقة الحب يحدث من ورائها فراغ يحتاج أن يملأ؛ تحتاج أن تنخرط في أنشطة تفيدك، وعلاقات مطمئنة من حولك تشعر معها بالاستئناس والقبول وعدم الحكم عليك، وممارسة الرياضة بشكل مستمر، مع استمرار التقييم والمراجعة بنضوج أكبر.

- الحياة مملؤة بالمهام والمسؤوليات والواجبات والأحداث، والحب فيها كالموسيقى التي قد لا تؤثر في الأحداث نفسها، ولكن تعطيها مذاقا مختلفا باختلاف نغماتها وحبكة توزيعها؛ فالحب يضفي على الحياة مذاقا يجعلك تستسيغها، وتتحمل تحدياتها، ولكنه في الحقيقة ليس هو الحياة؛ ففقدانك للحب ليس فقدانا للحياة.

وأخيرا.. لا تنسى أن الحب كان مصدره قلبك، وليس العكس؛ فقلبك قادر على الحب من جديد، ولكن مع خبرة أعمق عن نفسك واحتياجاتك، ومن هو الأجدر أن ينال شرف حبك.

آخر تعديل بتاريخ 14 سبتمبر 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية