"أذكر في صباي أن سلة مخزوننا الشتوي من البطاطس كانت بالقبو في الأسفل، وكانت الأجواء هناك ليست جيدة، لكن براعم البطاطس شاءت أن تنبت، براعم شاحبة وبيضاء ليست كتلك الخضراء النضرة التي تنبت في تربة الربيع، لكن تلك البراعم الضعيفة وجدت طريقها للأعلى، بضع أقدام حيث النافذة التي يدخل منها ضوء الشمس. ضعيفة وباهتة، مدفوعة بغريزة البقاء وقوة الحياة وجدت طريقها نحو الشمس حيث اخضرّت وأزهرت".. هذه قصة ذكرها كارل روجر في كتابه "أن تصير إنساناً".

ربما هذه هي إحدى المعادلات الصعبة في فهم الطبيعة البشرية، كيف يمكننا الجمع بين قبول الواقع وتغييره؟ حيث ألهم تأمل براعم البطاطس، وهي تقاوم الظروف المعاندة وتشق طريقها نحو الحياة، "روجر" بنمط جديد من العلاج النفسي، نمط لا يعتمد على التقنيات والأدوات بقدر ما يعتمد على فلسفة كاملة.

وهذه هي محاور فلسفة روجر ومن تبعه من المعالجين:
- أن كل بذرة، وكل كائن حي، تحمل داخلها غريزة بقائها
وأنها إذا ما صدّقت في إمكاناتها، وأن نسختها النهائية لم تتبلور بعد، فهي في رحلة لكي تكون؛ وهي رحلة دائمة ومتجددة.

- الإيمان بأن الأصل فينا هو الحياة لا الموت
وأن السلوكيات الخاطئة مثل طحالب الرطوبة إذا ما تعرّضت لهواء صحي من شمس وأوكسجين فإنها تذبل وتترك مكانها للنبت الطيب.

- الإنسان مبني على حب الخير
وإنه ما إذا توفر لديه الاختيار فغالباً ما يميل إلى تصويب نفسه بنفسه، وهذا ما يعرف بالتغيير بالقبول، أن تقبل نفسك هنا والآن بما تحمله من أفكار ومشاعر، فرح وآلام، حسنات وسيئات، خطيئة وقداسة، وأن تقبل أنك كل يوم في صيرورة جديدة، نهر جار، وليس بركة ساكنة، وأن تترك لنفسك الحرية لأن تكون، لأن تنمو براعمك لتصبح ما هي مدفوعة لتكونه، مؤمن أنك تحمل غريزة الحياة ونزعة البقاء.

- توجيه التركيز نحو الخطأ ومحاولة تصويبه يحمل في الكثير من الأحيان نزعة فوقية سلطوية تمنع الآخر من الاستجابة لتلك المحاولة
وهناك خبرة يمكن تسميتها بالقبول المصحح، وهي خبرة قويّة جداً يمكن اعتبارها كخبرة علاجية، وعليها تقوم مدرستان كبيرتان من مدارس العلاج النفسي، وهما المدرسة التحليلية والمدرسة الإنسانية.

فتقوم المدرسة التحليلية على تحفيز كشف الذات بصورة حرّة بعيدة عن المقاومات النفسية مما يؤدي إلى رؤية صحيحة لكوامن الذات والنفس وتصحيحها إما بشكل حر، ودور المحلل النفسي من خلال التحليل الذي يقوم به هو توجيه محاولة الاستكشاف هذه.

ثم جاء كارل روجر بفلسفته الحياتية "الإنسانية" التي ترفض أن ترى في الآخر شيئاً معيباً ينبغي تصحيحه، والتي تخلّت بالكلية عن دور القيادة والتصحيح إلى دور المشاركة والمعايشة، والتي تنبني في جوهرها على اعتقاد ميل الإنسان إلى تصويب نفسه بنفسه، وهنا يكمن دور المعالج في توضيح الصورة، وإعادة ترتيب التفاصيل بشكل يمكّن العميل من فهم خبرته دون الدخول إلى أية محاولة تصويبية، وإنما قبوله كما هو ولما يمثله.

الرؤية السطحية لهذه الفلسفة قد تشير إلى أننا نسقط معيار الصواب والخطأ، وهو ما لا نعنيه هنا، وإنما نعني مقولة جلال الدين الرومي: ”خلف أسوار الصواب والخطأ وادٍ فسيح، ستجدني هناك أنتظرك“.. فهنا نحن لا نسقط الصواب والخطأ، ولكن نعتبره مقياسا شخصيا ومنظومة قيم ذاتية، خارج سياق الدعوة والقضاء والتشريع، وإنما في علاقاتنا الإنسانية الشخصية.

هناك نوعان من البيئات الصحية
وهي البيئة الميسرة facilitating والبيئة الدافعة positive learning، فالبيئة الميسرة هي البيئة التي يجد الفرد فيها حريته ليكون نفسه، والبيئة الدافعة هي التي تمنح التعزيز للصفات والسلوكيات الإيجابية، مع إسقاط الصفات والسلوكيات الخاطئة.

وهنا أذكر، كمثال على البيئة الدافعة، قبيلة في إفريقيا حين يقوم أحد أفرادها بخطأ ما، يصنعون حلقة ويضعونه في منتصفها ويقوم كل فرد بالدخول إليه وذكر موقف أو سلوك صالح قام هذا المخطئ معه به، لتذكيره بطبيعته الصالحة، وأنهم لا يزالون يعرفوه بحقيقته؛ لا بالخطأ الذي وقع فيه.

في مجتمع المدينة النبوية كان هناك هذا النوع من القبول المصحح، فذلك الشاب الذي أتى إلى النبي ﷺ يستأذنه في الزنا، لم يغب عن وعيه أن النبي ﷺ لا يقبل ذلك، لكنه لم يشك لحظه في أنه سيجد القبول عنده، واستعراض هذه القصّة يوضّح بجلاء المعنى الذي أعنيه، وسردي لهذه القصة هو فقط لإعطاء نموذج حي للتغيير بالقبول، واسمحوا لي أن أعبر معكم إلى مسجد النبي ﷺ قبل 530 عاماً.

نحن الآن مع النبي ﷺ في مسجده وحوله الصحابة بينما يقترب شابٌ من الجمع ويجلس معهم، ثم يتكلم فيقول: "يا رسول الله، ائذن لي في الزنا". وهنا يتصاعد اللغط في المجلس ليتدخل النبي ﷺ: "دعوني وصاحبي"، ويخرج الجمع ليتركوا النبي والشاب، ويدور الحوار التالي:
النبي: أعد علي مقالتك.
الشاب: ائذن لي في الزنا يا رسول الله!
النبي: اقترب مني. [ويقترب الشاب من النبي]
النبي: أترضاه لأمّك؟ أترضاه لأختك؟
فقال: فداك نفسي يا رسول الله، ومن يرضاه لأهله؟!.
فقال له النبي ﷺ: "اقترب يا شاب" ثم وضع يده على صدره، وقال: "اللهم اغفر ذنبه، وطهّر قلبه، وحصّن فرجه". فقال الشاب: دخلت على النبي وليس شيء أحب إلي من الزنا، وخرجت من عنده وليس شيئ أبغض إلي منه.

إننا نحمل هذه الفلسفة داخل طياتنا دون أن نعلم، فروحنا هي نفخة خالدة، منذ التكوين وحتى الأزل، فقط تصير من حال إلى حال، ومن قالب إلى قالب.
وأقدارنا نحن من يشارك في كتابتها.. "هل تؤمن بتغيير قدرك؟!"، "أومن أن أقاتل حتى ينجلي!"، هذا الحوار الذي لا يغيب عن مخيلتي بين الساموراي الأخير، وبين المقاتل الأجنبي الذي اعتنق فلسفة جديدة للحياة، فلسفة تعني أننا لم نصل بعد، ولم يتحدد مصيرنا بعد، بل نحن في صيرورة دائمة.


اقرأ أيضاً:
الاحتياج للقبول.. هل يمكن العودة إلى الجنة؟
احتياجات الطفل.. الطريق إلى السواء النفسي
الحب.. السهل الممتنع

استشارات ذات صلة:
الفشل في تكوين علاقات.. الحل علاقة شافية
الحب غير المشروط والتنازل عن الحقوق.. اتجاهان لطريق واحد

آخر تعديل بتاريخ 9 فبراير 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية