كيف على الأرض يمكن لأحدٍ أن يُعرّف الحب؟! هكذا يرى أينشتاين استحالة التعريف، ولم لا، وقد أجهد الحب فقهاء النفس واللغة جميعاً في وضع تعريف قاطع له؛ فبه اشتعلت نيران الحروب ومن أجله انطفأت، حتى وصل بعضهم إلى كذا وثلاثين تعريفاً للحب، كلها تحاول شرح هذا المفهوم البالغ البساطة والتعقيد في آنٍ واحد، وإذا ما رغبت في فهم هذه القوة الحقيقية المبثوثة في الكون فاستعد لوجبة دسمة مثقلة بالحب.
قديماً جداً قام العرب وفقهاء اليونان بوضع تعاريف للحب، ولكنني هنا سأكتفي بالتقسيم السداسي اليوناني للحب، لما عرف عن اليونان من دقة التعاريف والاهتمام بالفواصل في الأوصاف، ولذا أراه هو الأجدر بالاعتبار. ولصعوبة الأسماء اليونانية سأضع التعريف أولاً والاسم اليوناني بين قوسين:

1 - الحب غير المشروط (الأجابي Agabe)
وهو الحب الذي نمنحه باختيار، وهو يعني في صورة أخرى مفهوم القبول، وهو الحب الممنوح من الله ﷻ لخلقه، وهو أيضاً الممنوح من الوالدين لطفلهما.




2 -  حب الإخلاص والولاء (الفيليا Philia)
وهو حب بلا شهوة، ويسمّى بالحب الأفلاطوني، وهو ما ينشأ بين الرفقة والصحبة الصادقة. وهناك قسم من الحب الفيلي، وهو الستورج، وهو الحب العائلي بين الوالدين وابنهما ومنه لهما.

3 - الحب النزوي (اللودس Ludas)
ويعتبره بعضهم حب المراهقة، وهو مرحلة أولى من الحب قد يسبق نشوء الإيروس أو ينتهي بانتهاء النزوة.

4 - عاطفة الحب الشهوي أو الرغبة (الإيروس Eros)
وهو على اسم إله الخصوبة عند اليونان، وقد استعمل فرويد اللفظة كتعبير عن غريزة الحياة في الإنسان. وبعاطفة الإيروس ينجذب فردان ليصيرا كياناً واحداً في جسدين، ولذا كان يراها اليونان وبعض المحللين تحمل طاقة البناء والهدم معاً، فهي تميل، إذا انطلقت بلا ضبط، إلى إفناء أحد طرفيها، وهي تصل أبعد ما تصل عند المتصوفة بعد نزع صبغتها الجنسية فتصير غريزة الحب، دالة على الفناء في الآخر.

5 - الحب الدائم (البراجما Pragma)
ويعتبره بعضهم الحب الناضج، وهو حب الموازنات الذي لأجل بقائه تقدّم التضحيات، وهو ما ينشأ عن التفهّم والمشاركة، وهو ما نجده بين زوجين طال عهد زواجهما. ويقول إيريك فروم إننا نبذل كثيراً من الجهد من أجل الوقوع في الحب، إلا أننا لا نبذل مزيداً لأجل البقاء فيه، وإذا كانت قوة الإيروس تعني الوقوع في الحب فقوة البراجما تعني البقاء فيه.

6 - حب النفس (الفيلوتشيا Philutchia)
وهو قسمان؛ الحب النرجسي ويحمل معنى الأنانية والكبر والتمحور حول الذات، والنوع الآخر هو حب النفس الصحّي، وهو الذي يقول عنه أرسطو: "إن كل حب نمنحه للغير هو امتداد لما منحناه لأنفسنا منه".

وهنا ندرك أن الحب لا يُعاب، بل ما يترتب عليه، وكان العرب يضعون العبودية كأعلى درجات الحب.
  • والسؤال الذي يشغل بال كثيرين، متى نعرف أنه الحب؟
الإعجاب والحب مختلفان بقدر تشابههما، والحقيقة أن الحكم الحقيقي يكون بنهاية التجربة إن قدّر لها أن تنتهي، فإن تجاوزت ونسيت فأنت لم تكن تحب.

وفي الإعجاب هناك سبب؛ شيء يمكن أن تشير إليه بأنه ما يجذبك، صفة أو سلوك أو ما شابه. أما الحب فشيء مختلف، أنت لا تميّز شيئاً بعينه يجذبك إليه، وكأن روح المحبوب تعزف لحناً لا يقاومه قلبك.

في الإعجاب أنت تنجذب لأحدهم لأن ما تحبه من الأشياء فيه، بينما في الحب أنت تنجذب إلى الأشياء التي تذكّرك به. نحن حين نحب يجذبنا كل شيء له علاقة بمن نحب، حتى الأشياء الصغيرة التي قد يراها غيرنا عيوباً، وفي النهاية هناك قدر من التقاطع بين الإعجاب والحب، فقد تحب من يعجبك أو تعجب بمن تحب، ولكنني أجبت على التجريد.
  • الفرق بين الحب الحقيقي والتشافي
ينبغي أن نفرق أيضاً بين الحب الحقيقي والتشافي، فالكثيرون يدخلون في تجربة عاطفية كرد فعل تجاه إساءة قديمة، أو علاقة أخرى، أو لإشباع احتياج داخلي، احتياج آخر غير الحب. هنا لا تكون العلاقة "لقاء" بين إنسان وإنسان، بل بين متألم ومحاولة شفاء. أسوأ الأمثلة وأشهرها هي:

١- علاقة الشخص النرجسي بالآخر، فالشخص النرجسي شخص لديه شعور عميق بعدم الاستحقاق خلفته تجارب وحياة سابقة، وهو يطلب من كل علاقة جديدة إثبات أهليته، وهو يدخل في العلاقة يرى نفسه لا غير. وكثيراً ما يكون الشخص النرجسي في دور التوحد بالمعتدي، فهو يحاول شفاء نفسه من خلال الإساءة للغير.

٢- علاقة المواقف غير المنتهية: وهنا ندخل في العلاقة بتأثير علاقة أخرى، فالشخص الجديد يحمل شيئاً من شخص آخر، ويأخذ هذا عدة أشكال كالشاب/الفتاة التي تبحث عن صورة لأحد الأبوين، أو شبيه للحبيب/المسيء السابق، شيء آخر نريد أن يتكرر لاشتياقنا إليه أو لمحاولة إصلاحه.

تشترك هاتان الصورتان في شيء غاية في الأهمية، وهو أنهما سراب يتخذ شكل الحب، وربما لا يستبصر الفرد إلا بعد جروح وإيذاءات له وللآخر، هذا إن حدث الاستبصار أصلاً.

  • والآن يا صديقي، أين أنت من ذلك؟
محروم هو من لا نصيب له من الحب، فكما يقول فيكتور فرانكل: "الحبّ هو الطريقة الوحيدة التي يدرك بها الإنسان كائنًا إنسانيًا آخر في أعمق أغوار شخصيته، فلا يستطيع إنسان أن يكون واعيًا كل الوعي بالجوهر العميق لشخص آخر إلا إذا أحبه؛ فبواسطة الفعل الروحي للحب يتمكن الإنسان من رؤية السمات والمعالم الأساسية في الشخص المحبوب، بل إن الإنسان يرى أكثر من ذلك، ما هو كامن في الآخر، يرى ما ينبغي أن يتحقق مما لم يتحقق فيه بعد، وعلاوة على ذلك، فإن الشخص المُحب بحبه إنما يمكّن الشخص المحبوب من تحقيق إمكاناته".

ولذلك من الخطأ أن نحرّم على أبنائنا مشاعر الحب، فقلب يحب هو قلب حي، ولكننا نحتاج إلى الحب بمسؤولية، فالشعراء العرب - مثلاً - اتفقوا على اسم مجهول هو "ليلى"، وكلما أراد أحدهم أن يغازل محبوبته استبدل اسمها وخاطب ليلى، حتى لا يسيء إلى سمعة محبوبته، ولذا كان المنفلوطي يقول: (وتلك التي أحبها لا يراودني عنها السوء ولا أستطيعه)، ولذلك أكرر أنه قد أصاب قدماء العرب حين اعتبروا أن العبودية هي أعلى درجات الحب، فالحب هو المحرك الحقيقي تجاه كل فضيلة، ولا يبذل الإنسان دمه إلا من أجل حب حقيقي، بل لا يغير إنساناً من داخله مثل حب حقيقي، ومن الحب حياة.

اقرأ أيضاً:
الحب.. صور نفسية ومعانٍ منسية
عن الاحتياج للحب.. والطريق إلى الاعتمادية
علاقة التقديس
9 نصائح لعلاقة زوجية صحية وسعيدة
ترياق الحياة.. قبول النفس بدون شروط
هل الزواج علاقة؟

المصادر:
Roman Krznaric; How Should We Live? Great Ideas from the Past for Everyday Life.

Victor Frankle; Man’s search for meaning

آخر تعديل بتاريخ 2 فبراير 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية