بمناسبة مواسم الامتحانات وما لها وما عليها.. هناك ملاحظة مهمة جداً، ومتكررة جداً جداً فى عيادات الأطباء النفسيين في هذه الأوقات.. طالب في كلية مرموقة (أو في الثانوية العامة).. متفوق طوال عمره.. يحوز المركز الأول.. يذاكر جيداً.. يحبه أهله ويصفقون له على نجاحاته وإنجازاته الدراسية منقطعة النظير.. حتى يأتي وقت الامتحانات.. وتحدث أشياء غريبة جداً.. فلا يطيق الكتب.. ولا يستطيع التركيز.. مع اضطرابات في النوم.. ونسيان سريع.. وقلق متزايد.. وبمجرد دخوله الامتحان.. تتطاير كل المعلومات من رأسه.. أو يجيب عن الأسئلة بشكل سيئ.. أو يرفض دخول الامتحانات.. أو يدخل ويرسب مرة واثنين وثلاثة..

بالطبع يمكن حدوث ذلك مع أي طالب في أي سنة دراسية.. ولا يكون ذلك سوى أعراض قلق وتوتر نتيجة ضغط الامتحانات.. ويتم شفاؤه سريعاً.. لكننا هنا نتحدث عن طالب يسير بسرعة الصاروخ.. نبيه ومتفوق جداً.. لكنه يقع فجأة.. تحت الأرض..



بعض (وليس كل) هذه الحالات يكون له تفسير أعمق من مجرد الأعراض.. كما سيتضح الآن..

لدينا طفل صغير.. وصله من أبيه وأمه أن الدرجات هي أهم شيء في الدنيا، وأن نتيجة الامتحان هي معيار رضاهما عنه.. وأن المجموع هو محدد أساسي لعلاقتهما به.. وصله منهما الحب (بشرط) أن يحصل على الدرجة النهائية.. وصله منهما القبول (بشرط) أن يحصل على المركز الأول.. وصله منهما الاهتمام والاحترام (بشرط) أن يكون متفوقاً في دراسته.. هذا غير المقارنة بزملائه وأقرانه وجيرانه وغيرهم..

ماذا يفعل إذن؟ فليدفع الثمن كي يحصل على الحب.. ويلاقي القبول، والاهتمام، والاحترام.. فليحصل على الدرجة النهائية.. فليحصل على ترتيب (الأول).. فليكن متفوقاً بشكل رهيب..
ليس هذا فقط..

فحينما يكبر هذا الطفل، تصله رسائل نفسية أخرى من المجتمع.. هناك كليات (قمة).. والباقي كليات (قاع).. ويجب أن يلتحق بكلية (قمة) حتى يصير له قيمة ووضع ووجاهة اجتماعية.. وإلا سيضيع مستقبله.. ويزيد الأمور عجباً من يناديه والداه بالدكتور والمهندس منذ صغره.. حتى يصدق ذلك.. ويتبناه كأنه صاحبه..

باختصار شديد.. كل ما وصله من رسائل عن نفسه وعن وجوده هي: أنت = مجموع درجاتك.. فاضطر أن يمشى مع الموجة فترة من عمره، ويدفع ثمناً غالياً من وقته ومجهوده ولعبه ومواهبه وأحلامه هو الشخصية (التي تتبدل أحياناً بأحلام أهله التي قد يصدق بعد قليل أنها أحلامه هو).. حتى يأتي عليه الوقت الذي يقول فيه بأعلى صوته: كفى.. لن أستمر فى هذه اللعبة..

فنراه في الثانوية العامة مثلاً.. وقت تركيز كل أحلام وطموحات أهله عليه، في هذا الوقت تحديداً يخرج من عقله الباطن مارد ضخم فى صورة قرار داخلي واجب التنفيذ بإيقاف هذه المهزلة.. فيقل تركيزه.. ويقل (أو يزيد) نومه.. ولا يطيق مذاكرته ولا كتبه ولا نفسه ولا أهله.. ويدخل الامتحانات ولا يجيب.. وكأنه يقوم بإفشال نفسه بنفسه.. حتى يقوم بتوصيل رسالة صغيرة مشفرة إلى أهله ومجتمعه مفادها: ألم تختزلوني إلى درجات؟ لن أحصل على درجات.. ألم تنتظروا سوى النتيجة؟ لن أهدي إليكم النتيجة التي تنتظرونها.. ألم تروا غير المجموع؟ سأرسب إذن.. سأفشل كل خططكم..

والأصعب بكثير هو من يحصل بالفعل على تقدير أو درجات عالية.. وتقام له الأفراح والليالي الملاح، وينبهر به أهله، ويصفق له أصدقاؤه.. ثم ينقلب حاله في امتحانات كليته.. وكأنه يوقف الزمن.. ويقول لأهله ومجتمعه: لن أتحرك من هنا.. فيضيع وقته.. أو يصاب بخوف وتوتر نفسي مرضي عنيف.. أو يعتذر عن دخول الامتحانات.. أو.. أو.. وكأنه يوجه لهم رسالة أخرى مشفرة من عقله الباطن تقول: ألم تأخذوا مني ما تريدون؟ سأريكم الآن..
ومشكلة هذا.. ومشكلة ذاك.. أنه ينتقم منهم.. في نفسه.. ويفشلهم.. من خلال إفشالها.. وقد يصل هذا الانتقام في بعض الأحيان إلى تفسخ كامل في تركيبته النفسية.. التي تتفكك تماماً.. ويتحول إلى مريض نفسي من الطراز الأصعب..

إلى كل أب وأم..
إلى كل مدرس ومدرسة..
إلى كل الناس..
من فضلكم..
لا تختزلوا أولادكم فى درجاتهم..
لا تسجنوا أولادكم فى مجموعهم..
كفانا مسوخاً بشرية منزوعة الروح..

اقرأ أيضاً:
هل يجب أن تكون لطيفاً دائماً؟
أنت من تحدد نوعية وجودك.. فاختر لنفسك
كيف أساعد صديقي المهووس بالتفوق الدراسي؟
كلية الصيدلة بين الواقع والحقيقة
اختزلت نفسي في الدراسة.. فتمردت علي
اختاري.. سجن الثانوية أم حرية الوجود الحقيقي

آخر تعديل بتاريخ 29 ديسمبر 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الوطنية الأمريكية