الصندوق النفسي وثأثير المجموعات

قام العالم (سلومون آش) بتجربة مهمة جداً في تاريخ العلم سنة 1951. (آش) جمع عدداً من الناس ليجري عليهم اختباراً معيناً، واتفق معهم جميعاً على الإجابة التى سوف يجيبون بها على سؤاله، عدا واحد منهم لم يكن يعلم بهذا الاتفاق.

كرر (آش) هذه التجربة ثماني عشرة مرة، وكان اتفاقه مع الجميع (عدا واحد) أن يقولوا الإجابة الصحيحة فى أول مرتين فقط، ثم يقولون جميعاً إجابة خاطئة متفقاً عليها، ويرى ماذا ستكون إجابة (ذلك الشخص).. قام بعدها (آش) بعمل نفس التجربة مع عدد أكبر من الناس وبطرق مختلفة، وكانت النتائج مذهلة.

ثلث من تعرضوا لهذه التجربة أجابوا بنفس الرأي الخطأ الذي سمعوه من باقي زملائهم في كل التجارب (كان دورهم دائماً الأخير في الرد بعد الجميع)، وثلاثة أرباعهم قالوا نفس هذا الرأي الخطأ في تجربة واحدة على الأقل.

هؤلاء الأشخاص لم يقولوا الرأي الخطأ بسبب خوف أو تهديد أو رغبة في الموافقة.. لا.. لكن استقبالهم للحقيقة قد تغير.. فهم تأثروا فعلا برأي الممثلين المتفقين مع الباحث لدرجة أن رؤيتهم  وتفسيرهم وقراءتهم للأحداث قد أصبحت مختلفة.



ماذا يعني هذا الكلام؟
يعنى أنك حينما تكون في مجموعة ما.. فإنه من الممكن بكل بساطة أن يكون كل ما تراه وتقتنع به وتصدقه ليس سوى تأثير المجموعة عليك.. ويسمون هذا في علم نفس المجموعات Group Influence. قد ترى الشِمال يميناً لأن كل من حولك يرون ذلك.. وقد ترى اليمين شمالاً لأن عينيك ومداركك وحواس استقبالك تأثرت برؤية المجموعة أكثر من رؤيتك الشخصية.

المجموعة هنا قد تكون مجموعة أصحاب.. زملاء عمل.. عائلة.. فريقا رياضيا.. أي مجموعة.

أي مجموعة قد تقنع أي شخص بأي شيء.
أي مجموعة قد تجعلك تعيش حياتك داخل صندوق مغلق.. صندوق صغير مصنوع من طريقة معينة في التفكير.. طريقة معينة في الشعور.. طريقة معينة في التصرف والتعامل مع الآخر.. فرضيات معينة عن الدنيا والعالم والناس.. ردود فعل جاهزة على المواقف والأحداث.. وغير ذلك كثير.

بعض هذه الصناديق قد تكون مَرَضية.. ومن يعيش بداخلها مريض أو مجموعة من المرضى.. وبعضها قد لا يكون مرضياً.. لكنه في نفس الوقت ليس طبيعياً أو صحياً.. حتى لو بدا كذلك.. لأنه من غير الطبيعي أن نقضي حياتنا داخل صناديق مغلقة علينا.. وفقط.

هناك من يسجن عقله في بعض الأفكار أو المعتقدات أو التصورات أو المخاوف.. وليس عنده أي استعداد لسماع أي صوت غير صوته.. ولا أن يرى أي رؤية غير رؤيته.. ولا يضع أي احتمال غير ما هو متأكد منه.. هذا صندوق.

هناك من تعيش مع أولادها في دائرة مغلقة لا توصل إليهم فيها سوى أنها مصدرهم الوحيد لكل شيء في هذا العالم.. وهذا صندوق آخر.

هناك من يتعامل مع ابنه أو ابنته أو زوجته على أنهم ملكية خاصة له.. هذا أيضاً صندوق..
صندوق الناس والمجتمع.. صندوق العادات والتقاليد.. صندوق أنه يجب دائماً وأبداً أن أكون الأفضل في كل شيء وليس من حقي أن أخطئ أو أن أضعف أو أن أفشل.. صندوق التمسك والتعلق بأحد على حساب نفسي.. صندوق دور الضحية أو الجاني أو المنقذ.. صندوق المغالاة والتطرف في فهم الدين السمح الرفيق.. صندوق الرفض والشك والخوف من الآخر طوال الوقت.. صندوق الطلاق تحت لافتة الزواج.. والزواج تحت لافتة الطلاق.. صندوق العمل الذي غرقت فيه دون أن تختاره ودون أن تحبه.

صناديق مغلقة.. ودوائر مقفولة.. يعيش فيها أصحابها مغمضي العينين، وأحياناً مغمضين عيون من حولهم أيضاً.. وقد يستمرون كذلك حتى الموت.. وهم لا يعرفون.. مجرد معرفة.. أن هناك عالما آخر مختلفا تماماً خارج صناديقهم.. وأن هناك حياة كاملة.. خارج سجون عقولهم ونفوسهم.

هذه مجرد أمثلة.. لكننا في الحقيقة نستطيع أن نجعل من أي شيء صندوقاً ضيقاً نعيش فيه ونتشبث بجدرانه ونرفض أن نتخلى عنه مهما كان هشاً.. بل ونقنع من حولنا بضرورة البقاء داخلها. تماماً كما فعل سلومون آش في تجربته.

كيف نخرج خارج هذه الصناديق؟ وكيف نحرر نفوسنا منها؟ 
ما يخرجنا هو أولاً أن نصدق أن هناك عالماً كاملاً وجديداً ومختلفاً عن كل ما نعرفه، وكل ما عشناه مهما كنا مقتنعين به.

وثانياً.. أن ننوي ونقرر أن نخرج بكل شجاعة حتى لو كان الخروج مخاطرة.. لا يوجد أي شيء مفيد لا يحتوي قدراً من المخاطرة.

وثالثاً.. ألا تكون بمفردك في هذه الرحلة.. فلتتخذ معك رفيقاً يؤنسك ويشد من أزرك.. صديقا.. زوجا.. زوجة.. معالجا.. ولو لم تجد أحداً.. فالله معك.

ولو لم تعلم كيف ومن أين ومتى تبدأ ذلك.. فأقول لك لا تتعجل.. هون على نفسك.. يكفيك الآن مجرد أن ترى أنك كنت تعيش داخل صندوق محكم الغلق.. اصبر.. وسيأتي كل شيء في أوانه.

وستشعر بمجرد خروجك من الصندوق.. بمجرد أن تفتح عينيك وأذنيك وقلبك.. أنك كالطفل الصغير.. الذي يرى العالم لأول مرة.. ويكتشف نفسه والناس حوله من جديد.. لا تتعجب.. فنحن يمكننا أن نولد من جديد كل يوم.
كفانا صناديق نفسية..
ولنفتح عيوننا للنور..

اقرأ أيضا:
لن أشوه نفسي من أجلك
حكاية سالي وآن.. وصحتك النفسية
هل يجب أن تكون لطيفاً دائماً؟
بوصلتك في رحلة التغيير
العلاج الجدلي السلوكي.. لملم أجزاء نفسك
لماذا نكرر تجاربنا المؤلمة؟

آخر تعديل بتاريخ 26 أبريل 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية