"الآلام الوجودية".. في قلبي عتبٌ على الله

أثار العنوان المختار للمقالة السابقة ردود أفعال استدعتني أن أستفيض بالحديث عن الألم الوجودي existential pain، وما أعنيه بالألم الوجودي هو مشاعر اللوم والعتب تجاه الله، والتي يختبرها البعض حين تغمرهم تجربة قاسية كمرض عضال، أو فقد أو انهيار أسري، أو أشد من ذلك أو أقل، بحسب حساسية المرء النفسية.

بحكم تخصصي، كثيراً ما يقابلني أفراد مرّوا بتجارب اعتصرت قلوبهم، وأحياناً ما أستحسن سؤالهم: "هل تجد في قلبك غصّة، أو عتباً على الله؟"، وهو السؤال الذي يتحاشى كثرٌ طرحه حتى على أنفسهم، وأنا لا أجد حرجاً فيه. فخوف الآخرين من طرحه يكون خوف اقتراح مشاعر غير موجودة فيوجدها، إلا أنني أجد أن هذا النوع من المشاعر من الصعوبة والمرارة بمكان يجعل من الصعب جداً اقتراحه. ويكون الفرد أمام هذا السؤال بين حالة من ثلاث، إما أن هذا الشعور موجود بالفعل وهو يدركه، أو غير موجود وهو يدرك ذلك، أو موجود تحت غطاء من الإنكار، ولكل حالة علاماتها.

فإذا كان الفرد لا يجد داخله هذا الأمر، فسيكون جوابه باستحضار مشاعر الرضا والقبول، وهذه مشاعر شافية ليس فقط للجرح الوجودي، وإنما للخبرة المؤلمة التي مر بها، فهنا أنا كطبيب أستعمل ترياقاً من ذات الملدوغ، وهو أجدى وأقرب إلى الشفاء، فهذه المعاني من الصعب إلقاؤها من الخارج، ولكن يمكن خلخلة تربتها الصالحة في الداخل، واستثارتها للتنامي.

أما في الحال الثانية، وهي أنه يجد هذه المشاعر بالفعل ويتأجج بها داخله، ويكون سؤالي هنا بمثابة فتح قنوات لتصريف الحمم قبل أن ينفجر بها البركان، أو كفتح باب الفرن قبل نضج الكعكة فتفسد خميرتها، وهو نوع من العلاج مستعمل بالفعل، حتى وإن لم أتبعه بخطوات أخرى لتنظيف هذا الجرح. يمنح هذا السؤال للمتألم شعور المشاركة، وأن هناك من يشعر بهذا الألم الذي يعتصره، وفي أغلب الأحيان يكون هذا الألم الوجودي أشد قسوة وإيلاماً من الخبرة المسببة له ذاتها.

في هذه الحالة، إن لم أجد في جعبتي ما أقوله، فإن كلمة صادقة بمعنى "لا أعرف ما أقوله، إلا أنني أشعر بك" تكون أكثر من المطلوب، لأن الكلام في هذه الحالة قد يعجز لأن الخبرة غامرة بالفعل، إلا أن شعور المشاركة يخفض من حدتها بقوّة. أما إن كان باستطاعتك فاجتهد أن ترى الله مع صديقك في آلامه، أن يراه في داخل الألم لا خارجه، كما سمع موسى صوت الله في داخل النار، هنا تكون قد حوّلت مسار الحمم إلى التجربة لا غيرها، وهذا ليس بالأمر السهل، والحديث هكذا عنه أيسر بكثير من القيام به.

الحالة الثالثة، هي أن يكون الشعور داخله ولكنه مغلّف بالإنكار، وهنا ستسمع كلمات خاوية، وشعارات لا يشعر بها قائلها، وعظات عن الصبر والتكتم وضرورة الاحتمال، وهذا ما نسمّيه في مجالنا بالاستذهان أو الدفاع الذهني Intellectualization، وقد يكون علامة على عمق المشاعر لدرجة يخشى الوعي اختبارها، وهنا يكون ترديد هذا الشعارات من ذات الشخص أقل ضرراً بكثير من إلقائها من الآخر، كما سأبين فيما يلي، وهنا قد لا يُفضل النخر خلف هذا الاستذهان، وإنما اصطحاب هذا الفرد لخبرة إيمانية بالمشاركة معه؛ فنشفي اللاوعي دون جلبه لحيّز الشعور.

إنْ سألتني ما الذي عليك تجنبه في شتى الحالات:
  • فبدايةً الصمت، والذي يعني أنك لا تهتم، وكما ذكرت سابقاً يكون في كثير من الأحيان قول: "لا أدري ماذا أقول" كافياً.
  • ثم تجنب العبارات والشعارات الجوفاء، شعارات مثل: "كن مؤمناً، ولا ينبغي أن تشعر بذلك" فهذا بمثابة تفجير قنبلة تحت قشرة بركان متقلب، لأنه سيرى الله من خلال حديثك معه، وأنت هنا تضفي صورة المبتعد الذي لا يشعر به ولا بمعاناته.
  • وأيضاً تجنّب بكل السبل شعارات: "عليك أن تجتهد في الصلاة لكي يرتفع عنك هذا الأمر"، وجملة كهذه لا تضع في اعتبارها أن الكثيرين ممن يمرّون بالهزات الوجودية يكونون مجتهدين بكل استطاعتهم في الدعاء والصلاة، إلا أن الخبرة أعمق من ذلك.
في الختام، كل رجائي أن ندرك معنى إنسانيتنا، وألا نتنكر لطبيعتنا، وألا نختار صلابة الوردة المصطنعة على ضعف الوردة المنزرعة في تربة الخبرة؛ فنحن بشر تجرحنا الكلمات، وتكسرنا الخبرات ويجبرنا لطف الله.

اقرأ أيضا:
تعرضت للظلم وصدمت.. ما الحل؟
فقد الأحبة ألم متجدد.. خطوات التعافي
فقد الأحبة يعتصر القلب.. كيف تتجاوز ألمك؟
هل للأحلام دلالات صحية؟
ذهان وتشوه العين من حادث بالصغر.. ما الحل؟
كرب مابعد الصدمة يهدد الأحبة
آخر تعديل بتاريخ 13 فبراير 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية