تحدثنا في المقالات السابقة عن أعراض نوبات الهلع وماهيتها، والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما هي الأسباب التي تجعل نوبات الهلع تستمر، وأهمية هذا السؤال تكمن في أن معرفة هذه الأسباب يمكنك من السيطرة عليها؛ وبالتالي السيطرة على نوبات الهلع.

* ما الأسباب التي تجعل نوبات الهلع تستمر؟
هناك أسباب تتعلق بالأفكار، وأخرى تتعلق بالمشاعر، وأخرى تتعلق بالتفسير السيئ لأعراض جسدك؛ هي ما تجعلك دون أن تدري أسيرا لدى نوبات الهلع المزعجة؛ فلا تنتهي، وإليك بعض الأمثلة:
أولا: التفسير السيئ لأعراض جسمك
- كثيرا ما تفسر مثلا الألم الحادث في صدرك مع ألم الرقبة والكتف؛ أنه ذبحه صدرية، والحقيقة أن عضلاتك في حالة شد، وتقلص استعدادا للمواجهة.

- وتفسر شعورك بالاختناق والقلق من الموت بأنك تحتضر، ولكن الحقيقة أن جسدك يحاول بكل قوة الحصول على الأكسجين الكافي لتحركاتك؛ فيحدث تسارع شديد في تنفسك، وتحصل على جرعة نفس كبيرة تخرج بسرعة، أو بطرق متوترة غير متناسقة فتحدث الدوخة.

- وتفسر ألم الرأس مع زغللة الرؤية على أنه نزيف في المخ، والحقيقة تكمن في اتساع حدقة العين للاستفادة من المجال البصري بقدر أكبر من المعتاد لتفادي الخطر.

ثانيا: أفكار تصدقها
- الأفكار التي "تصدقها" للدرجة التي تجعلك لا تناقش صحتها هي أقوى وأخطر أفكار تؤدي بك للمعاناة النفسية؛ سواء فيما نتحدث عنه الآن، أو غيره من المعاناة؛ فنحن نتصرف من خلال خطوات يسلم بعضها البعض حتى تكتمل الدائرة فتنغلق؛ نحن نصدق أفكارا عن أنفسنا أو عن الحياة أو عن الآخرين؛ ينتج عنها مشاعر تتناسب معها، وحين تملؤنا تلك المشاعر؛ تنتج التصرفات؛ فحين تصدق أنك لن تتمكن من اجتياز الامتحان بتفوق؛ ستشعر بالتوتر والخزي والدونية والعجز والخوف الشديد من خذلان من تحبهم؛ وبناء عليه ستتعطل في تحصيلك، أو تعتذر عن دخول الامتحان، أو تفقد قدرتك على التركيز والتذكر.

رغم أن مناقشة تلك الفكرة، وتصحيح الحقيقي منها من المتوهم، من خلال حياتك السابقة، مع وضع خطط للمراجعة المستمرة، وفهم أجزاء ما تستذكره، مع وضع فترات راحة وترفيه، والتشارك مع زملائك بطرق استذكار متنوعة؛ ستحسن من مشاعرك، وبالتالي من تصرفاتك.

وفي كثير من الأحيان تكون أفكار المثالية والكمالية وعدم الاستحقاق، والرغبة في إرضاء الآخرين، والغرق في مشاعر الذنب غير المبررة؛ وراء معظم مشاعر القلق المرضي الذي يظهر بصور عديدة منها نوبات الهلع؛ فلتناقش الافكار؛ لتتمكن من تغيير نمط الدائرة التي تدور في فلكها.

ثالثا: المشاعر
المشاعر.. على عكس الأفكار؛ لا يجوز معها المناقشة أو التعديل أو التصحيح، ولكن أريدك هنا أن تقوم بأمرين غاية في الأهمية:
أولهما.. أن تتدرب على تمييز الأفكار عن المشاعر؛ فأنت دون أن تدري لا تناقش أفكارك؛ لأنك تتصور أنها مشاعر، وكثيرا ما تتصور مشاعرك قابلة للتعديل؛ فمثلا يعبر الكثير بقول "أنا أشعر بالوحدة"؛ فالوحدة ليست مشاعر، ولكنها فكرة، بل ويمكن مناقشتها، وتصحيحها حين تستعيد ذكريات حياتك فترى أنك لم تكن وحيدا حتى لو كانت علاقاتك كلها عبارة عن شخص واحد، وأن الوحدة التي تعيشها هي اختيارك بجدارة؛ فلو أردت الصحبة والمشاركة والانخراط لفعلت، ولكنك تفتقد لمشاعر"الونس" فانتبه للفارق بينهما.

والأمر الثاني.. أن المشاعر تكتسب التضخم، وتسبب "التعطل النفسي"، بل والمعاناة حين تظل محبوسة لا يتم التعبير عنها؛ فالتعبير عن مشاعرك حتى لو تصورت أنها حرجة، أو غير مقبولة ممن حولك بالحديث عنها؛ يخفف وطأة قوتها الضاغطة التي تتجمع رغما عنك في صورة نوبة هلع مركزة لمشاعر الخوف والقلق.

تذكر.. الحدث ينتج عنه فكرة، والفكرة ينتج عنها مشاعر، والمشاعر ينتج عنها تصرف؛ فكلما ناقشت الفكرة وصححتها، وتخلصت من الجزء المشوش الخاطئ فيها؛ تحسنت مشاعرك، وتحركت تصرفاتك تجاه الجزء الإيجابي.


* كيف يمكن علاج نوبات الهلع؟
تحدثنا سابقا عن الدائرة المغلقة التي تسبب استمرار نوبات الهلع؛ وذكرنا أن علاج الأفكار لأنها بداية انغلاق الدائرة هو العلاج الاستراتيجي للنوبات، وسنتحدث اليوم عما يمكننا فعله قبل حدوث النوبة، وأثناء النوبة ذاتها حين تداهمك.

أولا: قبل النوبة
أنت تحتاج في الأوقات التي تبعد عن النوبة أن تفعل التالي:
1. المحافظة المستمرة على تمرين واحد من تمارين الاسترخاء - على الأقل - في مكان يريحك، بوضع جسدي يريحك جدا، لتختبر أثناء التمرين مدى استرخاء عضلاتك كلها من أعلى راسك ومرورا بظهرك، وبطنك، وانتهاء بأصابع قدميك، وكلما وجدت عضلة مشدودة راقبها، واسمح لها بالاسترخاء حتى ترتخي، قد تجد ذلك صعبا في البداية، ولكن بالتكرار سيصير سهلا، هذه التمارين تؤتي نتائجها المرجوة فقط بالتكرار المستمر؛ حتى تصبح جزءا من سلوكك اليومي حتى لو كانت لمدة 10 دقائق فقط يوميا.

2. التدرب اليومي على التنفس الصحي؛ فالتنفس الصحي يعودك على تنظيم الشهيق والزفير، وبالتالي عدم حدوث التسارع، أو عدم التناسق في دخول الهواء وخروجه؛ مما يساعدك على التحكم في الاختناق الذي تتعرض له في نوبات فزعك، وأسهل تنفس صحي وأبسطه، حين تأخذ شهيقا من أنفك ببطء حتى يمتلئ بطنك، ثم تحتفظ به على قدر استطاعتك بسلاسة ورفق، ثم تخرج الهواء ببطء مرة أخرى أثناء الزفير، ولكن من فمك هذه المرة وليس من أنفك، ولتبدأ بعشر دقائق يوميا على الأقل بصورة منتظمة.

3. الاهتمام بصحتك العامة، وتفادي الأطعمة ذات الدهون المشبعة، وتناول غذاء صحي يحتوي على فاكهة وخضروات طازجة، والابتعاد عن المشروبات التي تحتوي على كافيين.

4. تجنب المؤثرات التي تحفز القلق عندك؛ كمتابعة الأخبار الصعبة، ومتابعة الأحداث الصادمة، ومشاهدة أفلام مزعجة لك، مع تعرضك المتدرج لما يسبب لك خارجيا خوفا، أو قلقا.

5. التدرب على التعبير عن مشاعرك التي ترهقك مع شخص يحبك، ولكن مشاعرك عموما، وليس مشاعر الرعب، والخوف الذي يخص نوبة فزعك.

6. تبنَّ تفسيرات أخرى غير ما تعودت عليه؛ فستجد عجبا؛ فلقد فكرت أنك تموت ولم تمت، وتصورت أنك ستفقد سيطرتك على نفسك ولم يحدث، وتصورت عجزك، ولا دليل حقيقي على ذلك، وظننت وحدتك، واكتشفت أنها من اختيارك.

7. تذكر أن معظم مخاوفك، ومعظم ما كان يقتلك قلقا لم يحدث؛ فقلقك إذن غير حقيقي بنسبة تزيد عن 97 %.

8. قاوم رفضك للتواصل مع الغير أو الاهتمامات أو الطبيعة، وتذكر أن ذلك جزء مهم من العلاج.

9. هناك من تمكن من نوبات هلعه حين تدرب يوميا على تحديد وقت معين في اليوم للقلق، لا يقلق لشيء، ولا على شيء إلا في ذلك الوقت فقط، جرب ذلك؛ لعله يفيدك أيضا.

10. التحرر من مشاعر الذنب غير المبررة؛ بقرار نفسي داخلي بهذا؛ فحين اكتسبت في الماضي تلك الطريقة في التعامل مع نفسك؛ كنت غير مسؤول، ولا تعي أن معظم ما تخيلته أنت سببا فيه كان من مسؤوليات آخرين؛ فلتكف عن الغرق في مشاعر الذنب المؤلمة، واستبدلها بوعي، ومسؤولية عما يدخل فقط في حيز مسؤولياتك، على رأسها التخلص من تلك المشاعر المكتومة المعطلة.

11. اقبل وجود قلقك الآن في تلك المرحلة، وقبولك هذا لا يعني موافقتك، ولا يعني استسلامك، ولا يعني كذلك شجارك مع وجوده، فقط هو موجود الآن؛ فقبولك هكذا سيخفف كثيرا منه.

12. تذكر أن قلقك في صورة نوبات فزع ليس كما يبدو أنه يعبر عن عدم السيطرة، ولكنه اختيار غير صحي لحل مشكلاتك؛ فلتجدد اختيارك كل يوم؛ بأن تتواصل مع نفسك بطريقة مختلفة تحمل الاستحقاق لكل طيب لنفسك.

وأقترح عليك أن تتدرب على الآتي أثناء حدوث أعراض النوبة:
1. تذكر أنك بخير تماما، وأنك لا تعاني شيئا في جسدك على الإطلاق.
2. تذكر أنها تأخذ وقتها طال، أو قصر ثم تزول.
3. تذكر أنك قررت ألا تنتظرها، ولكن ستتعامل معها حين تأتي فقط بهدوء.
4. اصرف انتباهك لطبيعة الأشياء من حولك وتفاصيل لونها وملمسها ومدى تناسقها، ولو كنت في الخارج ركز في تفاصيل ما حولك من أشجار أو أصوات أو ضوضاء.. الخ (هام جدا).
5. تذكر أمرا مفرحا أو يشغلك جدا لتفكر فيه بشكل تفصيلي الآن أثناء النوبة.
6. خذ نفسك ببطء، ولا تقاتل على أخذ نفس كبير عند شعور الاختناق؛ فأنت تعلم أنك لا تختنق، وأخرج النفس ببطء.
7. تحدث مع شخص في أمر ما يهمك، حتى لو كان عن طريق التليفون.
8. اشغل نفسك بأمر" ذهني" ينحيك عن الغرق في متابعة أعراض جسدك بعد انتهاء النوبة.

اقرأ أيضاً:
اضطراب الهلع .. الرعب ذاته (ملف)
نوبات الهلع.. رعب على رعب
للقلق أنواع وأشكال
الرهاب .. خوف على خوف
آخر تعديل بتاريخ 19 نوفمبر 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الوطنية الأمريكية