تكمن أسوأ درجات الأذى النفسي في الضرر الذي تلحقه بالصورة الذاتية، وهنا يتردد مفهوم الخزي، وهو "شعور غامر بعدم القيمة والاستحقاق"، ما عبّر عنه أحد العملاء بقوله: "أنا مش بعمل غلط، أنا غلطة"، وهذا هو المعنى العميق للخزي، فهل يمكن تجاوز هذا الأذى؟ وكيف؟

* الإنسان وسلسلة من الصدمات المتتالية
ربما أوّل الصدمات في تاريخ الأديان الإبراهيمية هي ما يُعرف بالهبوط أو السقوط، ساعة نزول الأبوين آدم وحوّاء إلى الأرض، ولا يمكن القول أن الانتقال من جنة عدن إلى الأرض كان بالأمر السار، لكنه أرّخ لبدء حياة الإنسان، وتشييد الحضارات وإعمار القارات، ولربما يمكن اعتباره أول فطام تعرّض له الإنسان.

وعلى الجانب الآخر يذكر علماء النفس أن أول صدمة نفسية في حياة الفرد هي لحظة الولادة فبعدما استقر له المقام في الدفء والغذاء المتصل متى احتاجه، إذا به يضطر أن ينضغط حتى تتداخل عظامه، ويفاجأ بالضوء الساطع والضجيج المزعج، وتتفتح رئتاه للهواء رغماً عنه، فيطلق صرخته الأولى معلناً نهاية أيام الراحة الأولية.

وحينما يتم عامه الثاني تبدأ أيام الفطام الطويلة، وهي صدمة غامرة؛ حيث ينقطع عن الطفل ذلك الاتصال الآمن بالأم، ويفقد شعوره بالأمان من الجوع لوجود مصدر ثابت للغذاء بانتظاره، وغير مطلوب منه بذل أي جهد للحصول على ما يحتاج، لكنه وفي فترة قصيرة يجد نفسه مطالباً بالاعتماد على نفسه للحصول على طعامه، وهنا تضطره تلك الخبرة أن يعتمد على نفسه، ويبدأ رحلته ليصير نفسه، وتصبح هذه المرحلة علامة فارقة بين الأنا والآخر.

* الألم.. نمو وتجدد
نحن إذاً ننمو من خلال الألم، ونلاحظ ذلك أشد ما يكون عند التئام الكسور، حين تتجدد أنسجةً أمتن بدل الأنسجة المتهتكة، يخفف فقط من آلامنا أنها تنمو لتصبح أشد وأكثر صلابة من الأنسجة الأولية، ولكن ذلك مشروط بتوفير الظروف والبيئة الملائمة، وذلك باستعدال الكسر لإتاحة إعادة نموّ العظام بشكل سليم، وإلا فالنتيجة هي نمو العظام بشكل معوجَّ أو ملوّث.

وكذلك جروح النفس، تحتاج تعاملاً خاصَّاً لإصلاح الأذى الذي خلفته الخبرات السلبية، وتكمن أسوء درجات الأذى في الضرر الذي تلحقه بالصورة الذاتية، وهنا يتردد مفهوم الخزي، وهو "شعور غامر بعدم القيمة والاستحقاق"، والذي ما عبر عنه أحد العملاء بقوله: "أنا مش بعمل غلط، أنا غلطة"، وهذا هو المعنى العميق للخزي، وذلك لأن الإساءة في مرحلة الطفولة تأتي في وقت لا يكون فيه الجهاز النفسي النقدي في طور النضج، فلا يفرّق الطفل بين مسؤوليته ومسؤولية الآخرين، إلا أن هذه الخبرة تنطبع بكل ما تمثله من معنى وإدراك.

* كيف يمكن تجاوز الأذى؟
كيف إذاً يمكننا تجاوز الأذى؟ وما هي الظروف المهيئة للتعافي؟ يمكننا القول أن هناك خطوطاً عريضة للشفاء من الإيذاء، تتضمن رغبة الفرد نفسه في تخطي الأزمة، حيث تمنحنا الإساءة أحياناً الفرصة لتبرير لعن العالم واستمراء الأذى، ولذلك كتبت إيلين باس كتابها عن التعافي بعنوان "الشجاعة للشفاء"، ثم طلب المساعدة على اجتياز الأمر، وهنا قد يرى المعالج استعمال أسلوب أو أكثر للمساعدة (العلاج النفسي أو العلاج الدوائي أو كليهما).

هل نروي الإساءة أم لا؟
تعتبر هذه النقطة محل اختلاف بين المختصّين بمجال التشافي من الإساءات فترى Marcia Karp أنه لا جدوى من سرد تفاصيل الإساءة لأن بعض الناجين يبني علاقة مرضية بينه وبين الإساءة والذكرى، وعليه فلا تشجّع المتعافي على استحضار تفصيل الذكرى، وإنما سرد مشاعره وأحاسيسه واحتياجاته النفسية التي صاحبت الإساءة.

وعلى الجانب الآخر تقف إيلين پاس فترى أن سرد تفاصيل الإساءة هي خطوة ممهدة لتجاوزها، لأن الإساءة تختم تفاصيلها بخاتم الخزي الذي يستشعر معه صاحب الخبرة أن لديه ما لا يمكن البوح به، ويظل السر الذي يخفيه داخله يتغذّى على محاولات التشافي.

ويشجعنا هذا على اتخاذ موقف وسط بين الاثنين، حيث يبني المعالج على خبرته ليختار ما يناسب كل حالة تُعرض عليه، ويمكن القول إن الاحتياج لسرد التفاصيل يتناسب مع مدى رفض صاحب الخبرة وخزيه منها، هنا أتذكر قول إحداهن: "في كل مرّة كنت أشارك بخبرة الإساءة كنت أفرغ جالوناً آخر من مستنقع الخزي الذي كنت أحيا فيه"، ومتى اخترنا خيار الخوض في تفاصيل الخبرة فلابد أن يتم ذلك بين يدي مختص وفي بيئة آمنة.

* التدخّل الدوائي
في بعض الأحوال يصبح التدخّل الدوائي لازماً خاصة في حالات الاكتئاب الشديدة أو اضطراب كرب ما بعد الصدمة، حيث تحتاج اللوزة الدماغية إلى إعادة ضبط وتحكم في معدلات إفرازها، وهنا يصبح الدواء ممهّداً وداعماً لعملية التعافي والشفاء.

ما يهمني التأكيد هنا عليه أن الإساءة ليست نهاية المطاف وأنك "ستكون متيقناً من أمر واحد فقط، حين تخرج من العاصفة لن تعود الشخص نفسه الذي دخلها، ولهذا السبب وحده كانت العاصفة".
آخر تعديل بتاريخ 11 يناير 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الوطنية الأمريكية