تغطية خاصة لفيروس كورونا

تغطية خاصة لفيروس كورونا


هل تعرف ذلك الذي يحدث داخلك حينما ترتكب خطأ؟ ذلك الإحساس الذي ينتابك لو اقترفت عيباً؟ أو الشعور الصعب الذي يعذبك حينما ترتكب حراماً؟ هذا هو ما سنتحدث عنه اليوم.

يوجد داخل كل منا كائن ضخم، عملاق مخيف، وحش كاسر، يظهر حينما تفعل شيئاً خطأ، أو عيباً، أو حراماً، يسمون هذا الكائن أحياناً بالأنا الأعلى، وأحياناً أخرى بالضمير، وأحياناً بالنفس اللوّامة.

يتكوّن داخلنا هذا الجزء من تركيبنا النفسي ابتداء من سن ثلاث إلى خمس سنوات تقريباً، ويكون أحد أهم مصادره طريقة تربية الوالدين لنا، وكم فيها من حنان أو قسوة وعادات وتقاليد وموروثات المجتمع الذي نولد فيه، وكم فيه من تسامح وقبول، أو ظلم ورفض، وكذلك معتقدات وتعاليم ديننا (كما وصلتنا)، وكم قام من أوصلها لنا بالتركيز على العفو والغفران، أو العقاب والانتقام.

مشكلة هذا الكائن الداخلي هي أنه كائن مسلح، وسلاحه قوي جداً، ويعطيه هذا السلاح سلطة وقوة وسيادة، ويجعله يتحكم فيك وفي أفكارك ومشاعرك وأيضاً تصرفاتك، هذا السلاح اسمه (الشعور بالذنب).

حجم هذا الكائن داخلك، ودرجة قوته، وعلاقتك به هى التى تحدد بشكل كبير علاقتك بنفسك، بمعنى أنه لو كانت طريقة تربيتك فيها قسوة شديدة، وعقاب بمناسبة وبدون مناسبة، أو لو كنت تعيش فى مجتمع يملؤه الظلم ورفض الاختلاف، أو لو كان ما وصلك من دينك هو فقط التخويف والتهويل والعذاب والوعيد، سيكون وقتها حجم هذا الجزء داخلك كبيراً جداً، وتسليحه قويا جداً، وسيشعرك بالذنب مع كل حركة، وكل فعل، وكل عاطفة، يقول لك هذا عيب حتى لو لم يكن عيباً، وهذا خطأ حتى لو كان صواباً، وهذا حرام حتى لو كان أبعد ما يكون عن الحرام. سيكون ضميرك قاسياً جداً عليك وعلى الآخرين، ولن تكف نفسك عن لومك وعتابك وتعذيبك ليل نهار.

أما لو كان ما وصلك من التربية سعة الصدر والقبول غير المشروط، ووصلك من المجتمع العدل والمساواة وقبول الآخر، ووصلك من الدين السماح والعفو والمغفرة والرحمة، فوقتها سيكون حجم هذا الجزء لديك متوسطا ومعقولا، وعلاقته بك فيها لطف وهدوء وتفاهم، سيكون ضميرك حى، لكنه ليس بقاسٍ، سيكون بمقدورك إعطاء مساحات للخطأ والصواب، وفرص للعفو والسماح، لنفسك قبل أى أحد آخر.

وبالطبع إذا وصلك من التربية إهمال واستهتار وعدم اهتمام، ومن المجتمع كسل ولامبالاة وتفريط، ومن الدين تشويه وادعاء وافتراء، فلا يكون مكان لكلمة (ضمير) هنا على الإطلاق.

وبالطبع لا تعتبر هذه كلها قواعد لا تقبل الاستثناء، فهناك عوامل أخرى تتحكم فى تكوين وحجم وقوة هذا الكائن الداخلى فينا، أهمها الاستعداد الوراثى والتعبير الجينى، وغيرهما.

إذن.. يوجد داخلك مؤسسة قانونية وأخلاقية ودينية اسمها (الضمير)، على رأسها كائن ضخم اسمه (الأنا الأعلى)، يحاول أن يقوم بوظيفة هامة اسمها (النفس اللوامة)، ويستخدم فى ذلك سلاحاً اسمه (الشعور بالذنب).

ولا أعتقد أن هناك كلمة تم تشويه معناها، ولا شعور حدث فيه مغالاة، ولا سلاح أسيء استخدامه مثل (الشعور بالذنب).

عند بعض علماء الدين.. الشعور بالذنب ندم وتوبة.
وعند الآباء والأمهات.. الشعور بالذنب أدب وطاعة.
وعند كثير منا.. الشعور بالذنب سجن وعذاب.
ليس هذا فقط.. بل إن الشعور بالذنب هو أقوى سلاح فى تاريخ البشرية.

فأقوى سلاح يمكن أن يستخدمه أحد ضدك، هو أن يشعرك بالذنب تجاهه، وأقوى سلاح يمكن أن تستخدمه ضد نفسك، هو أن تشعرها بالذنب بمناسبة وبدون مناسبة، وأقوى سلاح يستخدمه بعض الآباء والأمهات كى يسجنوا أطفالهم فى سجون حصينة من الطاعة العمياء والصوت المنخفض والعين المكسورة، هو أن يشعروهم بالذنب، على مجرد وجودهم فى الحياة فى بعض الأحيان.

كما أن أقوى سلاح يستخدمه البعض باسم الدين زوراً وبهتاناً لامتلاك قلوب الناس وشل تفكيرهم وتعمية عيونهم وصمّ آذانهم، هو أن يزرعوا داخلهم شعوراً دائماً بالذنب تجاه أى فكرة وأى عاطفة وأى فعل.

ما الحل إذن لهذه المعضلة؟
كيف أرحم نفسى وأحميها من الشعور بالذنب، ويكون ضميرى مستيقظاً فى نفس الوقت؟ كيف أخطئ من دون أن أعذب نفسى أو أسمح لأحد بتعذيبها؟ كيف أفشل من دون أن أجلد نفسى أو أسمح لأحد أن يجلدها؟

دعني أخبرك..

يجب أولاً أن تعلم أن الشعور بالذنب له نوعان: نوع صحى ومفيد ومطلوب، ونوع آخر مرضي ومؤذ ومدمر، وبينهما أنواع أخرى كثيرة.

الشعور الصحى بالذنب هو أنك حينما تخطئ وتكتشف أنك قد أخطأت، عليك أن تراجع نفسك، وتتعلم من خطئك، ولا تكرره، وتعتذر، أو تتوب.

أما الشعور المرضي بالذنب فهو أنك حينما تخطئ، تنصّب لنفسك بعدها محاكمة قاسية غير عادلة، تشعر فيها بأن الصواب خطأ، وأن الخطأ مصيبة، وأن المصيبة هى نهاية العالم، فتعلق لنفسك حبل المشنقة كل يوم، وتجلدها وتعذبها كل ساعة.

الأول تمارس فيه آدميتك بأنك تستحق ما منحه لك ربك من حق فى الخطأ والضعف والفشل، فتتعلم من خطئك، وتقبل ضعفك، وتحاول مرة أخرى بعد فشلك.

أما الثانى فتجرد فيه نفسك من آدميتك، ولا تسمح لها بممارسة حقها الربانى الذى من أجله تم تسميتك (إنسانا).

الأول فيه سماح وعفو وبداية جديدة فى كل مرة، وفرصة جديدة مع كل خطأ.
والثانى فيه عقاب داخلى قاس وعنيف مع كل ضعف، ويأس وقنوت وسواد مع كل فشل.

الأول لا تكرر فيه نفس الخطأ مرة أخرى متعمداً، لكنك قد تخطئ أخطاء أخرى غيره، وتتعلم منها ولا تكررها أيضاً.
والثانى ستكرر فيه نفس الخطأ كل يوم، بشكل قهرى سقيم لا ينتهى.

الأول هو النفس اللوامة بدون قسوة، والضمير الحى بدون مغالاة.
والثانى هو النفس القاسية الغاشمة، والضمير المتكلف المغالى فى العقاب.

الأول هو الألم الإنسانى الواعى الشريف.. والثانى هو المعاناة النفسية المريضة العمياء الساحقة لصاحبها.

سامح نفسك، وتعلم من أخطائك، وابدأ من جديد، فنحن لا نتعلم بدون أن نخطئ.

اقبل ضعفك، فأنت بشر، والضعف جزء من بشريتك.

تجاوز فشلك، وحاول مرة أخرى، فلا طعم للنجاح من دون تذوق الفشل.

لا يصح أن يقول رسولنا "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، ونحن لا نقبل أخطاءنا ونقف ونوقف الدنيا والحياة عندها.

لا يصح أن يقول "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"، ونحن لا نحترم ضعفنا ولا نقبل فشلنا.

وكيف يعلمنا ربنا أن نكلمه ونقول له "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، ثم ننصب لأنفسنا المشانق كل يوم.

من اليوم.. من الآن.. من هذه اللحظة..
لا تسمح لأحد أن يسلبك حق الخطأ.. ويعطيك مكانه الشعور بالذنب..
لا تسلم مفاتيح قبولك لنفسك لأى أحد.. ثم تنتظر منه القبول والرضا..
لا تنتظر صك الغفران من أى بشر.. مهما كان..
مهما كان..

اقرأ أيضا:
هل قمت بتحديث نفسك اليوم؟
هل الزواج علاقة؟
الحب.. صور نفسية ومعانٍ منسية
الآخر الذي بداخلك.. وقاية وعلاج
الجنس.. والعلاقة الجنسية
القبول للتغلب على ضغوطات الحياة

آخر تعديل بتاريخ 18 فبراير 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية