أول عملية زرع قلب من خنزير إلى إنسان

أول عملية زرع قلب من خنزير إلى إنسان
أعلنت جامعة ميريلاند في الولايات المتحدة الأميركية، يوم الاثنين 10/1/2022، أن فريقاً من أطبائها قام بأول عملية زرع قلب من خنزير إلى إنسان في يوم الجمعة 7/1/2022، وأن المريض يتعافى جيداً بعد ثلاثة أيام من العملية.

ربما فوجئ العالم بهذا الخبر، ولكن العلماء كانوا يقومون منذ زمن طويل بالبحوث العلمية للتوصل إلى طريقة ناجحة وآمنة لزرع الأعضاء من الحيوانات إلى الإنسان. ولا يعتبر زرع أعضاء حيوانية في أجسام البشر أمراً جديداً، إذ حاول بعض الأطباء نقل الدم من الخراف إلى الإنسان منذ القرن السابع عشر، ولكن الرفض الفوري الشديد، وعدم وجود أدوية قوية لمنع هذا الرفض، أوقف تطور عمليات زرع الأعضاء من الحيوانات إلى الإنسان.

ركزت التجارب العلمية الأولى في زرع الأعضاء على أنواع الحيوانات من فصيلة الرئيسيات (فصيلة من الثدييات)، لأنها الأقرب نسيجياً إلى تركيب أنسجة الإنسان. ومنذ السبعينيات، نجحت عمليات زرع صمامات قلب عند البشر صنعت من صمامات الخنازير والأبقار. حدث تقدم كبير في فهم المناعة عند الإنسان في النصف الثاني من القرن العشرين، واكتشفت أدوية قوية لضبط المناعة ومنع رفض الأعضاء المزروعة، وتحسنت نتائج زرع الأعضاء عند الإنسان، خاصة زراعة الكلية والكبد والقلب والرئة. وفي عام 1984، زُرع قلب قرد في جسم طفلة رضيعة بجامعة لوما ليندا في أمريكا، لكن الصغيرة التي سميت "بيبي فاي" لم تظل على قيد الحياة سوى 21 يوماً.


ومنذ حوالي ثلاثة أشهر، قام أطباء في نيويورك بزرع كلية من خنزير معدل وراثياً إلى امرأة متوفاة دماغياً، وعملت الكلية جيداً من دون رفض حاد مدة ثلاثة أيام.

 لماذا يبحث العلماء عن طريقة لزرع الأعضاء من الحيوانات؟

عندما يتطور المرض الذي يصيب بعض أعضاء جسم الإنسان إلى درجة الفشل التام الذي يهدد الحياة، وبعد أن تفشل جميع طرق العلاج لمحاولة إصلاح وظيفة العضو المريض، يبقى هنالك أمل أخير بالحصول على عضو مماثل جديد من إنسان آخر. من الواضح أن الصعوبة تكمن في أن يتبرع إنسان حي بعضو من أعضاء جسمه، مثل الكلية أو الكبد أو الرئة، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا من متبرع قريب، أو من إنسان متوفى وفاة دماغية، وبعد أن يوافق الأهل على التبرع بأعضائه. والمصاعب في هذه الطرق كثيرة، سواء من النواحي الطبية أو الاجتماعية أو الدينية.

في أميركا مثلاً، هناك 110,000 مريض على لائحة الانتظار للحصول على أعضاء بشرية مناسبة لهم. ويتوفى منهم حوالي 6000 مريض سنوياً (أي حوالي 16 مريضاً في كل يوم) قبل أن يحصلوا على العضو اللازم في الوقت المناسب، وإذا نجحت عمليات زرع الأعضاء من الحيوانات إلى الإنسان، فربما يشكل هذا النجاح فرصة للحصول على أعضاء مناسبة من الحيوانات، وخياراً جيداً لمثل هؤلاء المرضى.


أول عملية زرع قلب من خنزير إلى إنسان 

كيف أجريت عملية زرع القلب من الخنزير إلى الإنسان؟

أدخل المريض ديفيد بينيت David Bennett بشكل إسعافي إلى مستشفى جامعة ميريلاند قبل حوالي شهرين، وهو في حالة متقدمة سيئة من فشل القلب ووذمة الرئتين. كان قد بلغ السابعة والخمسين من عمره، ولكن قلبه كان في حالة سيئة، وكان قد خضع في الماضي إلى عمليات قلب عديدة، كان من بينها زرع صمام من خنزير قبل عشر سنوات، ولكنه وصل إلى مرحلة صعبة بسبب ضعف شديد في قلبه لم تعد تنفع فيه الأدوية والعلاجات المعتمدة. وضع له الأطباء مضخة مؤقتة لمساعدة القلب ودعم الدورة الدموية، ولكنها لم تكن كافية، حتى اضطروا لوضعه على جهاز يسمى ECMO، وهو آلة تقوم بعمل القلب والرئتين، ولكن عند استعمالها، لا بد من وضع المريض في حالة راحة تامة في السرير في غرفة العناية المشددة.

أصبح الوضع حرجاً جداً، فقد كانت حالته لا تسمح بإجراء عملية زرع قلب بسبب عدم توفر المتبرع المناسب، بل ورفضت لجنة زرع الأعضاء وضعه على لائحة الانتظار بسبب حالته العامة السيئة، ولم يكن زرع مضخة صناعية داعمة لعمل القلب مناسباً لحالته بسبب الاضطراب الشديد في نظم دقات القلب عنده.


قلب الخنزير المعدَّل وراثياً محمولاً في يد الجراح بعد نزعه وتحضيره لعملية الزرع



جراح القلب بارتلي غيرفيث Bartley Griffith (إلى اليسار) والمريض ديفيد بينيت David Bennett (إلى اليمين) بعد ثلاثة أيام من العملية



أبحاث مهمة سابقة

في سنة 2000، قررت اللجنة الاستشارية للجمعية الدولية لزرع القلب والرئة السماح بإجراء زرع القلب من الحيوانات إلى البشر إذا أمكن تحقيق نجاح عملية الزرع هذه، والبقاء على قيد الحياة بنسبة 60% عند حيوانات التجربة، وقد تحقق هذا في مايو 2020 في عمليات زرع القلب من الخنزير إلى القرود في مراكز أبحاث عديدة في ألمانيا وأميركا وسويسرا والسويد.

أبحاث في جامعة ميريلاند

في تلك الأثناء، كان هنالك في جامعة ميريلاند فريق يقوم بأبحاث مكثفة عن زرع الأعضاء بين أنواع مختلفة من الحيوانات. وكان جراح القلب بارتلي غيرفيث Bartley Griffith قد أجرى في السنوات الخمس الفائتة حوالي 50 عملية زرع قلب في القرود من خنازير خاصة معدلة وراثياً. وكان محمد محي الدين Muhammad Mohiuddin يرأس فريقاً في جامعة ميريلاند لدراسة زرع الأعضاء بين الأنواع المختلفة، وتوصل مع فريقه عن طريق الهندسة الوراثية إلى تطوير خنازير معدلة وراثياً أجريت في مادتها الوراثية تعديلات في 10 جينات (مورِّثات)، تم تعطيل ثلاثة منها تتعلق برفض الأعضاء، وإضافة ستة جينات (مورِّثات) بشرية تتعلق بقبول الأعضاء المزروعة، وحذف مورِّثة تمنع النمو الزائد في نسيج قلب الخنزير. من المفترض نظرياً أن تقلل هذه التعديلات الوراثية من احتمالات رفض القلب المزروع وتخريبه من جهة مكونات الجهاز المناعي عند الإنسان. هناك بضع شركات تعمل الآن على تطوير مثل هذه الخنازير المعدَّلة وراثياً لكي تكون عمليات زرع أعضائها أكثر نجاحاً عند زرعها للإنسان.

كما تم تطوير دواء قوي جديد يمنع رفض الأعضاء المزروعة عند الإنسان، وتم استخدامه بعد عملية زرع قلب الخنزير المعدَّل وراثياً عند المريض ديفيد بينيت.

عملية زرع القلب

في يوم الجمعة 7/1/2022، قام فريق جراحي بقيادة جراح القلب بارتلي غيرفيث Bartley Griffith بزرع قلب من خنزير معدَّل وراثياً للمريض ديفيد بينيت، بعد أن استنفذت الطرق المعتمدة في علاجه، ووصل إلى حالة لا يمكن أن يظل معها على قيد الحياة طويلاً.

في 31 ديسمبر/كانون الأول 2021، حصلت جامعة ميريلاند على موافقة الهيئة الأميركية الصحية بشكل استثنائي على زرع قلب خنزير معدَّل وراثياً لهذا المريض لإنقاذ حياته، بعد تقديم نتائج أبحاثهم في هذا المجال. وافق المريض على الخضوع لهذه التجربة قائلاً إنها إذا لم تكن مفيدة له شخصياً فربما استفاد منها آخرون في المستقبل. وهكذا أجريت العملية التي استغرقت سبع ساعات، ونجح قلب الخنزير في دعم الدورة الدموية عند المريض. وبعد ثلاثة أيام من العملية، صرح الطبيب لوسائل الإعلام عن نجاح هذه العملية الأولى عند الإنسان، وأن المريض ما زال بحالة جيدة والقلب الجديد يعمل بنجاح حتى الآن.

ما هو الجديد في هذه العملية؟

تفتح هذه العملية مجالات عديدة في علاج المرضى المصابين بالفشل التام لبعض الأعضاء في جسمهم، خاصة في حالة عدم نجاح الطرق المعتمدة الأخرى في العلاج، وعدم وجود متبرع بالعضو اللازم في الوقت المناسب. وإذا ثبت استمرار نجاحها، وأمكن تأكيده في عمليات مماثلة في المستقبل، فربما تصبح هذه الطريقة أسلوباً جديداً في عمليات زرع أعضاء أخرى، مثل الكلية والكبد والرئة والبنكرياس.. وتفتح آفاقاً جديدة وآمالاً واسعة لحياة أفضل لدى آلاف من المرضى.




المصادر
In first, US surgeons transplant pig heart into human patient - The Economic Times
 Pig-to-non-human primate heart transplantation: The final step toward clinical xenotransplantation? - PubMed (nih.gov)
US surgeons transplant a PIG heart into a human in world first | Daily Mail Online
آخر تعديل بتاريخ 13 يناير 2022

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية