دراسة واسعة: تناول الكحوليات يزيد معدلات الإصابة بالسرطان

عندما نتحدث عن العادات اليومية وعلاقتها بالأورام السرطانية فإن أول ما يتبادر للأذهان هو التدخين وعلاقته بأنواع متعددة من السرطانات في مختلف أنحاء الجسم؛ إلا أن الكثير منا لا يعرف عن علاقة الكحوليات بزيادة نسب الإصابة بالأورام السرطانية حول العالم، وفيما يخص هذا الشأن فقد تم إجراء دراسة على ما يقارب من 740 ألف حالة تم تشخيصها حديثًا بالإصابة بالسرطان، وهو ما يشكل حوالي 4% من نسبة الحالات المكتشفة حديثًا بالسرطان حول العالم في سنة 2021. وفيما يلي سيتم استعرض نتائج هذه الدراسة وتفاصيلها.

* كيف يساعد تناول المواد الكحولية في حدوث السرطان؟

تُعد مادة الإيثانول المكون الرئيسي للمشروبات الكحولية والروحية، إذ إن الإيثانول هو الاسم العلمي لكلمة الكحول. تقوم مادة الإيثانول بإحداث ضرر في تكوين البروتين، الدهون أو الحمض النووي للخلايا عن طريق مادة الأسيتألدهيد؛ وهي عبارة عن المادة المستخلصة من تكسير الجسم للإيثانول. حيث تقوم مادة الأسيتألدهيد بزيادة الأكسدة والجذور الحرة التي تساعد على تغيير تركيب الخلايا، وهو ما يؤدي بالتبعية لظهور الخلايا السرطانية.

كذلك فإن تلك المادة تؤدي لاضطراب هرمونات الإستروجين وهرمونات الذكورة مما يزيد من فرص حدوث تغير طبيعة الخلايا في الأعضاء التي تعتمد على هذه الهرمونات ويسهل إصابتها بالسرطان، كما أن الإيثانول يقوم بطريقة غير مباشرة بالعمل مذيبًا ومساعدًا للمواد المسرطنة في التأثير على الخلايا كالمواد المسرطنة الموجودة في التبغ.

* نسب الإصابة حسب الاستهلاك

أوضحت الدراسة أن استهلاك الكحوليات يزيد من أعداد الإصابة بالسرطان حول العالم بشكل كبير، إذ رصد أنه من ضمن 740 ألف حالة سرطان جديدة تمت دراستها هناك حوالي 346 ألف (46.7%) كانوا يتناولون الكحول بصورة مفرطة (أكثر من 60 غرامًا يوميًا)، و291 ألف حالة (39.4%) كانوا يتناولون الكحول بصورة خطرة (20-60 غرامًا يوميًا)، بينما كان هناك 103 آلاف حالة تقريبًا (13.9%) يتناولون الكحول بصورة متوسطة (أقل من 20 غرامًا يوميًا)، والعجيب أنه حتى شرب الكحوليات البسيط (أقل من 10 غرامات من الكحول يوميًا) قد ساهم بإصابة 41 ألف حالة (5.5%). وتجدر الإشارة إلى أن الدراسة قد استبعدت من تجاوز تناولهم أكثر من 120 غراماً من الكحول. وتختلف نسب الكحول من مشروب لآخر، ولكن بشكل عام للإيضاح والتقريب فإن الـ 10 غرامات من الكحول تساوي تقريبًا وحدة كحولية، وهي تساوي 250 مل من البيرة أو 100 مل من النبيذ أو 30 مل من المشروبات الروحية كالفودكا.

* التوزيع الجغرافي للإصابة

رصدت الدراسة اختلافًا في نسب الإصابة بالسرطان بين مستهلكي الكحول بحسب اختلاف مناطقهم الجغرافية؛ ولكن هذا لا يعني أن المشكلة تكمن في المكان في حد ذاته بل في العادات التي تسيطر على ساكني هذه المناطق. فقد وجد أن المناطق الأكثر إصابة بالسرطان ضمن مستهلكي الكحوليات تقع في شرق آسيا بينما كانت في أقل معدلاتها في شمال أفريقيا. فقد احتلت كلًا من شرق آسيا، شرق ووسط أوروبا، جنوب ووسط آسيا، جنوب أفريقيا، غرب أوروبا، شرق أفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا النسب الأعلى بالترتيب في معدلات الإصابة. بينما كانت المناطق الخمس الأقل اصابة بالسرطان بسبب استهلاك الكحوليات هي شمال أفريقيا، غرب آسيا، جزر شرق القارة الأسترالية، أميركا الشمالية، الجزر الكاريبية، ووسط أفريقيا.

ولعل هذا يعزى إلى الاستخدام المفرط للكحوليات في مناطق شرق آسيا وشرق أوروبا، فقد لوحظت زيادة مطردة في أعداد مستهلكي الكحوليات بالنسبة لعدد السكان في دول آسيوية مثل الصين والهند وفيتنام والدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى. وبرغم أن شرق ووسط أوروبا (مثل دول بيلاروسيا، مولدوفا، رومانيا، وروسيا) تعتبر من أكثر المناطق استهلاكًا للكحول على مدار التاريخ إلا أن الكثير من دول هذه المنطقة تحاول الحد من الاستهلاك مما ساهم في تقليل الأعداد بالنسبة لإجمالي عدد السكان في السنوات الأخيرة. ويرى البعض أن استهلاك الكحول يزيد في الدول التي تشهد تطورًا اقتصاديًا وصناعيًا. كذلك فقد لوحظ انخفاض نسب الإصابة بسبب استهلاك الكحول في المناطق والدول التي تمنع قانونًا استهلاك الكحول أو تضبطه لأسباب دينية مثل السعودية والكويت.

* بين الذكور والإناث

رصد القائمون على الدراسة أن نسب الذكور كانت أعلى من نسب الإناث بين مستهلكي الكحوليات المصابين بالسرطان بصورة عامة. حيث وجد أن نسبة الذكور المصابين بالسرطان من مستهلكي الكحول في الحالات المرصودة تمثل 76.7% بينما مثلت نسب الإناث 23.3%، وبشكل عام وجد أن نسبة فرص إصابة الذكور بالسرطان نتيجة شرب الكحول بلغت 13.4 شخصا في كل مائة ألف من الذكور، بينما كانت 3.7 سيدات من بين كل مائة ألف من الإناث، أو لوحظ أيضًا تساوي نسب الذكور والإناث في الدول الأكثر تطورًا، وذلك لتساوي فرص العمل بين الجنسين في هذا الدول مما يعطي للنساء استقلالية مادية لتحمل تكلفة تناول الخمور، وكذلك فإن نسب الإصابة الأعلى بالسرطان بين الذكور كانت في شرق أوروبا بينما النسب الأعلى للنساء كانت في مناطق غرب أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا. ومن المعلوم أن فرص حدوث بعض السرطانات مثل سرطان الثدي تزيد في النساء بصورة أكبر من الرجال.

* أنواع السرطانات التي تسببها الكحوليات

من المعتقدات السائدة أن الكحوليات قد تكون سببًا غير مباشر للسرطانات كما في حالة تليف الكبد الذي يؤدي بالتبعية إلى سرطان الكبد، إلا أن ما رصدته هذه الدراسة وضح أن تناول الكحوليات يسبب السرطان بطريقة مباشرة في عدد من أعضاء الجسم. فقد وجد أن أنواع السرطانات الأكثر حدوثًا كان سرطان المريء بنسبة 31.6% يليه سرطان البلعوم بنسبة 22% ثم سرطان الشفتين والفم بنسبة 20.2%، بينما كانت النسب الأقل لسرطان الجلد بنسبة 4.1%.

* السرطان والوفيات

كانت النسبة المرصودة في عام 2012 هي 5.5% من حالات السرطان، بينما تراجعت إلى 4.8% في 2016 بينما بلغت 4.9% في 2019 بسبب تقليل استهلاك الكحوليات نتيجة للتوعية المجتمعية خاصة في شرق ووسط أوروبا.

* التوعية بخطورة استهلاك الكحوليات

هناك نقص في التوعية بخطورة الكحوليات وعلاقتها بزيادة فرص حدوث السرطان بين عامة الناس، ومن هنا تأتي أهمية التحذير المجتمعي من خطورة حدوث السرطان نتيجة تجاوز خطوط الاستهلاك الآمنة للكحوليات (وهي تقريبًا أقل من 14 وحدة كحولية أسبوعيًا)؛ ونقصد بالتوعية المجتمعية هنا مثل التي تمت مع التبغ والسجائر والتي زادت من وعي الناس بخطورة التدخين وعلاقته بالسرطان. ولذا فمن المهم أن يتم طباعة جمل تحذيرية على زجاجات الكحول التي تظهر علاقتها بالسرطان. كما أن منظمة الصحة العالمية قد طورت قائمة لما يسمى "أفضل المشتريات لمعالجة الأمراض غير المعدية"، وبالنسبة للكحول فإن هذه القائمة تشمل سياسات زيادة الضرائب والحد من توافر الشراء، وتقليل تسويق العلامات التجارية الكحولية للجمهور. ومع ذلك فإن التنفيذ الفعال لهذه السياسات يعتمد على الإنفاذ وتنظيم العمليات التي لا تتوفر دائمًا في البيئات منخفضة أو متوسطة الدخل. ففي مثل هذه البيئات هناك أيضًا ندرة في سياسات الكحول الفعالة، فعلى سبيل المثال في مناطق أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كان للإفراط في شرب الخمور أكبر مساهمة في زيادة حالات السرطان المرتبطة باستخدام الكحوليات، ومن ثم يعد الفهم الجيد للسياق المحلي لكل منطقة أو دولة في العالم ضرورة للتنفيذ الناجح لمثل هذه السياسات.

* ملاحظات الدراسة

من أهم نقاط الضعف التي شملتها الدراسة أن بعض الذين شملتهم الدراسة كانوا من المدخنين، مما قد يسبب تداخلًا بين مسببات السرطان، وما إذا كان بسبب الكحول أم التدخين، خاصة في حالات سرطان الجهاز التنفسي العلوي والجهاز الهضمي العلوي.
كما أن بعض المبحوثين الذين رصدتهم الدراسة كانوا مصابين بفيروس الكبد الوبائي ب أو ج أو قد تعرضوا لعفن الإفلاتوكسين، وهذه كلها من مسببات سرطان الكبد.

كذلك هناك عوامل جينية قد ساهمت في حدوث السرطان بشكل أكبر في مناطق شرق آسيا مقارنة بغيرها من المناطق.

من المهم أيضًا الأخذ في الاعتبار تأثير وباء كوفيد-19 العالمي عند الحديث عن النتائج الصحية لعام 2020. فالنتائج الموجودة بالدراسة لا تأخذ بعين الاعتبار التغيرات الخاصة بالإبلاغ عن الأورام السرطانية بسبب الاضطرابات والضغوط التي تعرض لها النظام الصحي أثناء الجائحة. كما أن وباء كوفيد-19 أثر على الاستهلاك الإجمالي للكحوليات، فقد لوحظت زيادة في استهلاك الكحول بشراهة بصورة عامة داخل بعض الدول مثل المملكة المتحدة. ولكن لم يتضح بعد تأثير هذه التغيرات الاستهلاكية على الإصابة بالسرطان.

ختامًا، يتوقع زيادة استهلاك الكحوليات في عدة مناطق في العالم، خلال الأعوام العشرة المقبلة، لذا فمن المهم أخذ خطوات جدية على مستوى الحكومات والمستوى الشعبي لتجنب عبء الإصابة بالسرطان الناتج عن تناول الكحوليات.
آخر تعديل بتاريخ 9 أغسطس 2021

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية