علاجات السكري الفموية من المصادفات في الطب

علاجات السكري الفموية من المصادفات في الطب
بعد اكتشاف الإنسولين كان الاختراق الآخر في مسيرة علاج داء السكري هو اكتشاف وتطوير الأدوية الفموية لمعالجة داء السكري.

شكلت مخفضات سكر الدم الفموية من زمرة السلفونيل يوريا حجر الأساس في معالجة داء السكري من النوع الثاني، وتحرض أدوية هذه الزمرة على تحرير الإنسولين من خلايا بيتا البنكرياسية.

* اكتشاف مخفضات سكر الدم الفموية

بدئ باستخدام أول أدوية هذه الزمرة سنة 1969، ولاكتشافها قصة مشوقة.
في سنة 1941، اصطنع جوزيف كيمنغ مركبا سلفاميديا لمعالجة الأخماج وسماه VK57، وعهد به إلى شركة رون بولان لإجراء التجارب السريرية عليه.

في تلك الأيام الخوالي الصعبة، كانت تدور رحى الحرب العالمية الثانية، وكما في كل الحروب تنتشر الأمراض الخمجية بكثرة، وحينذاك اجتاحت مدينة مونبيلييه الفرنسية جائحة الحمى التيفية.



طُلب من البروفسور مارسيل جانبون، بروفسور الطب في مونبيلية، تجربة مركب VK57
(isopropyl thiodiazal) على المرضى المصابين بالحمى التيفية في وحدة الحميات في المستشفى، واستجاب الرجل للطلب.

طرأ تحسن على الكثير من المرضى وأثبت المركب فعالية في معالجة خمج الحمى التيفية، إلا أن الأمر المثير للدهشة كان حدوث أعراض جانبية عند المرضى شملت الرجفان والخفقان والمغص العضلي والسبات وتوفي ثلاثة مرضى.

أعطي بعض المرضى الذين حدثت لديهم التأثيرات الجانبية محلول الغلوكوز، ويا لهول المفاجأة!! تحسنت تلك الأعراض الجانبية عند هؤلاء المرضى.

ولأن المصادفة في العلم تفضل العقل المستعد، فقد توصل البروفسور جانبون للاستنتاج الصحيح، وهو أن ما أحدثته المعالجة بهذا المركب كان نقص سكر الدم، ونشر جانبون وزملاؤه مقالتين تتضمنان هذه الملاحظة في سنة 1942.

أطلع البروفسور جانبون زميله أوغست لوباتيير (1912 – 1977) على الأمر، وكان لوباتيير يعمل منذ سنة 1938 على الحرائك الدوائية لهذا المركب في معهد الفيزيولوجيا في مونبيلييه.

أدرك لوباتيير أهمية ملاحظة البروفسور جانبون، وخطط لإجراء تجارب حاسمة ودقيقة لدراسة التأثير الفيسيولوجي لهذا الدواء الجديد.

في 13 حزيران/يونيو سنة 1942 أثبت لوباتيير أن إعطاء جرعة فموية من الدواء قد أحدث نقصاً مديداً في سكر الدم عند الكلاب العادية، لكنه لم يحدث ذلك التأثير في الكلاب المستأصلة بنكرياساتها، بينما يفيد الإنسولين في إنقاص سكر الدم في تلك الكلاب السكرية.

أورد لوباتيير في نهاية تشرين الثاني ملاحظاته تلك في ملتقى جمعية الأمراض العصبية الفرنسية الذي انعقد في مونبيلييه.

بعد انتهاء الحرب، واصل لوباتيير ومجموعته دراساتهم وأبحاثهم طوال العشرين سنة التالية حيث أصبح آنذاك أستاذا للطب في جامعة مونبيلييه.

قادت دراسات لوباتيير إلى الاستنتاج بأن تأثيرات هذا المركب المخفضة لسكر الدم غير ناجمة عن تدمير خلايا ألفا في البنكرياس كما كان يظن، ولكن كانت نتيجة تحريض خلايا بيتا البنكرياسية على إفراز الإنسولين. كما بين أن هناك نوعا آخر من السكري غير ناجم عن تخريب جزيرات لانغرهانس البنكرياسية (داء السكري من النوع الأول حالياً)، يكون فيه نقص في عمل الإنسولين واضطراب في إفرازه، كما استنتج أن استعمال السلفوميدات لهذا النمط من السكري مفيد.

في تلك الأيام الخوالي لم تكن آليات عمل الإنسولين وآلية إفرازه ومفهوم المستقبلات معروفة.
ومع ذلك شكل استنتاج لوباتيير خرقا طبيا تم فيما بعد البناء عليه، ولم لا؟ إن الطب خبرات تراكمية.

على أية حال، لم يكن عمل لوباتيير معروفاً في ألمانيا في السنوات الأولى التي تلت الحرب العالمية الثانية.

كان البنسلين آنذاك هو خط المعالجة الأول لمعالجة الأخماج في ألمانيا، وكانت هناك محاولات جادة لتطوير سلفومانيدات مديدة لمعالجة الأخماج أيضاً.

كانت الجرعات العالية من مركب السلفاميد BZ55، التي أعطيت للمرضى في مستشفى أوغست فكتوريا في برتين، فعالة في معالجة الأخماج، إلا أنها سببت تأثيرات عصبية غير مرغوبة.

حاول الطبيب المقيم في المستشفى الدكتور فوش K Joachim Fuchs أن يجرب المستحضر على نفسه، وعانى بعد تناوله الدواء من تعرق ورجفان وتعرق وصعوبة في الكلام، كما شعر بجوع شديد ثم اختفت الأعراض بعد تناوله طعام الغداء.

خامر فوش شعور بأن ما حدث هو نوبة نقص سكر الدم وأخبر أستاذه الدكتور هانز فرانك بذلك.

قرر الاثنان التخطيط لتجربة إعطاء جرعات منخفضة من الدواء لأشخاص طبيعيين ولنفسيهما، ووجدا أن مستوى سكر الدم قد انخفض، ولكن لم تحدث تلك الجرعات أعراضا غير مرغوبة شديدة.

وبعد ذلك اختبرا الدواء على مرضى سكريين موضوعين على الحمية فقط وعلى مرضى سكري كهول كانوا مضبوطين على جرعات صغيرة من الإنسولين، ووجدا تأثيرات مذهلة لدرجة أن بعض المرضى استغنوا عن الإنسولين.



في أواخر سنة 1955، نشرت مقالة تلخص تجاربهما، لكن البروفسور فرانك توفي قبل النشر.

سارعت شركة بهرنغر مانهايم الألمانية، التي كانت تنتج مركب BZ55 آنف الذكر، وشركة هوكست، التي كانت رائدة في صناعة الإنسولين، بإجراء دراسة واسعة على مركبات السلفوناميد، وتوصلتا بعد أبحاث مضنية إلى اكتشاف أن مركبات السلفونيل يوريا المرتبطة كيميائيا بالسالفاميدات هي من تمتلك فعالية مخفضة لسكر الدم ولا تمتلك فعالية مضادة للأخماج.

ومن بين 8000 مادة درسها كيميائيو الشركتين وجدوا أن 6000 منها تمتلك خاصية مخفضة لسكر الدم، وقد وصل منها 5 مواد فقط لمرحلة التجارب السريرية.

أثبتت مادة واحدة من أصل المواد الخمس فاعليتها القوية في خفض سكر الدم وسمّوها HB419، والتي سميت لاحقا بمركب الغليبنكلاميد Glibenclamide ذائع الصيت والذي بدأ استخدامه السريري سنة 1969 وما زال يستخدم حتى يومنا هذا.
آخر تعديل بتاريخ 30 نوفمبر 2021

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية