لمحة عن تدبير داء السكري ما قبل عهد الأنسولين

لمحة عن تدبير داء السكري ما قبل عهد الأنسولين
في المقالات السابقة عن تاريخ مرض السكري، يمكننا أن ندرك أن تشخيصه كان أسهل من معالجته، وبدون المعالجة، فإن المرض سوف يسير نحو الأسوأ، حيث إن تأثيرات المرض أكثر بكثير من مُجرَّد العطش وكثرة التبول، والنقص في الوزن أو الشعور بالتعب العام.

* مضاعفات داء السكري

كثيراً ما يُعاني مرضى الداء السُّكَّري قديم العهد من الساد Cataract، والعمى، والأخماج الشديدة في القدم والساق، والتي غالباً ما تترافق مع موت الأنسجة Gangrene.

وغالباً ما يترك الأطباء الموات - الغانغرين- يأخذ سيره الطبيعي لأن قليلاً من السُّكَّريين ينجون من الاختلاطات والرَّض الناجم عن الجراحة، وكانت الأخماج والاختلاطات الأخرى سبباً للوفاة في المرضى الكهول الذين يتطور المرض عندهم ببطء، أما في صغار السن، أو في الكهول المصابين بالسُّكَّري الشديد، فإن السُّكَّري نفسه يُدمِّر الجسم، وغالباً ما يكون ذلك بسرعة كبيرة.

* متوسط عمر مرضى السكري في حقبة ما قبل الإنسولين

كان العمر المتوقع للسكريين الشباب أقل من سنة بعد تشخيص المرض، ومثل جميع المرضى الآخرين تقريباً، كان مرضى السُّكَّري قبيل منتصف القرن التاسع عشر يُؤذَوْن أكثر مما كانوا يستفيدون من الإجراءات التي كان يستعملها الأطباء كالفصادة والجَلْد وإعطاء المُخدِّرات مثل الأفيون، ويبدو أن الأفيون يُقلِّل من حِدَّة اليأس والقنوط؟

* العلاج بتنظيم الطعام والحميات ومنع الكربوهيدرات

حدث التقدم الهام الأول عندما بدأ الأطباء تدريجياً باعتناق الفِكْرَة المُضادة لفكرة الإطعام الزائد، فإذا لم يكن الجسم بكامله قادراً على استعمال طعامه، فَمِنَ الحكمة أَلا يُعطى طعاماً كثيراً في محاولة لاختبار هذا التعامل، وبدت الكاربوهيدرات كالحلويات والخبز والرز.. إلخ، مُتَّهمة على وجه التخصيص، وإذا لم يستطعْ جسم مريض السُّكَّري استقلابها، فلربَّـما توجَّب إعطاؤه حمية تحتوي على كمية قليلة منها.

شرع الطبيب الفرنسي بوشاردا Bouchardat، في استنباط حميات شخصية لمرضاه السُّكَّريين، مُختبراً أسلوب أيام الصيام الدوري، التي لا يتناول فيها المريض أي طعام، ولاحظ بوشاردا الاختفاء الفعلي للبيلة السُّكَّرية في بعض مرضاه أثناء فترة الاقتصاد في المُؤَن وَقَت كانت باريس مُحاصرة من قبل ألمانيا في عام 1870.

لم يزل موقف المرضى السُّكَّري الكاره للالتزام بالحميات المشكلة الأكثر صعوبة التي يواجهها الأطباء كلمَّا حاولوا معالجة المرضى، وفي أواخر القرن التاسع عشر عزل الطبيب الإيطالي البارز: كانتوني مرضاه في غرفة وأغلق عليهم الباب بالقفل، ونظراً للاعتقاد السائد بأن السُّكَّري يتضمن فقط الإخفاق في استقلاب الكاربوهيدرات، فقد احتوت الحميات الغذائية على القليل من الكاربوهيدرات وعلى نسب عالية من الدسم، وبشكل مفرط أحياناً.

كانتوني  

* الشوفان.. أمل جديد لمرضى السكري

في عام 1920، لاح في الأفق اختراق عظيم عندما أعلن الألماني كارل فون نوردين عن علاجه للسكري بالشوفان "oat-cure"، وعلى حين غرَّة، أصبح بمقدور مريض داء السُّكَّري، زيادة حصصه من الكاربوهيدرات طالما كانت في شكل أطعمة صُنعت من دقيق الشوفان.

* ماهي خصائص المرضى الذين استفادوا من الحميات؟

بدأ اختصاصيو التغذية بالقيام بجهد بحثي هائل لاكتشاف ما الذي جعل دقيق الشوفان أكثر تمثلاً - استقلاباً - من الكاربوهيدرات الأخرى، وكان المرضى المصابون بالسُّكَّري خفيف الشدة، خصوصاً الكهول، والذين اتبعوا حميات معقولة، قادرين في أحيان كثيرة على التعايش مع مرضهم لسنوات وبدون إزعاج كبير.

أما مرضى السُّكَّري الشديد، خصوصاً الأطفال، فنادراً ما كانوا يستفيدون من الحميات عالية الحريرات منخفضة الكاربوهيدرات، وكانت حالتهم تتدهور تقريباً بالسرعة نفسها قبل تطبيق تلك الحميات، بل سَرَّعت الحميات ذات المحتوى العالي من الدسم من تطور الحماض المُفضي إلى السبات.

* المعالجة بالتجويع

ولد فريدريك ماديسون ألن في أيوا Iowa عام 1876، وتلقى تدريبه الطبي في كاليفورنيا، قَدِمَ الى الشرق لإجراء بحث طبي، انساق وراء منحة دراسية ذات أجر ضئيل من كلية طب جامعة هارفارد، ووجد نفسه منهمكاً في مسائل استهلاك السُّكَّر، وتحوَّلت الدراسة الى ثلاث سنوات من البحث المكثف والمركَّز على داء السُّكَّري.

فريدريك ماديسون ألن 


على الرغم من إجرائه بعض التجارب مستخدماً الخلاصات البنكرياسية، إلا أن اهتمام ألن الرئيسي كان منصباً على تأثير الحمية على الحيوانات المُصابة بداء السُّكَّري، وأحدث عمل ألن خرقاً في مفهوم أن السُّكَّري هو مشكلة استقلاب السُّكَّريات في المقام الأول، وحاول أن يثبت أنها مشكلة استقلاب البروتينات والدسم أيضاً.

قامت مقاربة ألن الحموية على اكتشاف كمية القوت التي تُمكِّن مريض داء السُّكَّري من العيش متحرراً من أعراض السُّكَّري، خصوصاً، البيلة السُّكَّرية.

وكانت خطة المعالجة هي نفسها تقريباً:
  1. يُوضع المريض السُّكَّري عند دخوله إلى المستشفى، على حمية مطلقة (سوائل فقط) إلى أن تزول البيلة السُّكَّرية أو يزول الحماض إنْ وُجد، وبعدئذ، يقوم ألن بإنشاء نظام حُموَّي تدريجي اعتماداً على تحمل الكاربوهيدرات، وازناً بصرامة جميع الأطعمة، ومُراقباً الكمية التي يُمِكن أن يتناولها المريض قبل أن يُصبح لديه بيلة السُّكَّرية.
  2. وعندما يظهر السُّكَّر في البول، يُحدِّد ألن تلك الكمية، ومن ثم يبدأ يوم صيام جديد حتى يزول السُّكَّر من البول ثانية، وتُثبَّت الحمية بعد ذلك على مقدار كلي من الحريرات أقل تماماً من التحمُّل المُخْتبر.
في ذلك الوقت، أدخل ألن ما سُمِّي المعالجة بالتجويع starvation، ومثلما السرطان، لمْ يكنْ السُّكَّري من الأمراض التي يرغب الأطباء في معالجتها، وربَّـما كان المردود المادي مُشجِّعاً على علاجه، خصوصاً إذا ما تخصص الطبيب في معالجة الحالات الخفيفة من المرض وأدعى بالتالي أن معدَّل نجاح علاجه مرتفع إذا ما قيس بإطالة حياة مرضاه.

* العلاج يبدأ بمعرفة سبب المرض.. فتش عن البنكرياس

تضمنت الاستراتيجية الرئيسية للعلماء في بحثهم عن علاج السُّكَّري محاولة البحث عن سبب المرض أولاً، واعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر، أصبح هناك كمٌّ متراكم من الأدلة المأخوذة من تشريح جثث مرضى السُّكَّري يشير إلى أن المرض يترافق في أحوال كثيرة مع أذية بنكرياس المريض.

* تشخيص السكري

تمَّ الإقرار منذ سنوات عديدة بأنَّ ارتفاع سكر الدم هو شرط لا بُدَّ منه لتشخيص داء السُّكَّري،
وكانت الاختبارات الكيماوية اللازمة لتقدير كمية السُّكَّر في الدم تتطلب كميات كبيرة من الدم (20 مل أو أكثر)، وكان من الصعب وربّـَما الخطورة أخذ مثل تلك الكميات من البشر أو الحيوانات، لذا كان تقييم الحالة السُّكَّرية باستعمال النماذج البولية فقط أكثر عمليَّة وأمانا.

كان التحسن السريع في تقنيات قياس سكر الدم، والذي حدث في الفترة ما بين عامي 1910 ـ 1920، هو التطور المُميَّز، وقد انعكس استعمال تقديرات سكر الدم سريعاً على البحث العلمي.

* اكتشاف العلاقة بين السكري وأذية خلايا لانغرهانس

في عام 1901، زوَّد العالم الأمريكي يوجين اُوبي Eugene Opie، من جامعة هوبكنز في بالتيمور، بالحلقة المفقودة في الجدل الدائر وذلك بإظهاره العلاقة الباثولوجية بين داء السُّكَّري وأذية الخلايا الغامضة التي اكتشفها لانغرهانس.

* علاج السكري بخلاصات البنكرياس

ما أنْ تمَّ التحقُّق من أن البنكرياس تضبط داء السُّكَّري حتى بدأت المحاولات الحثيثة لمعالجة المرض بخلاصات البنكرياس، ويمكن أن تصنع الخلاصات بطرق شتى، ويمكن أيضاً، إعطاؤها بطرق شتى، حقناً أو عن طريق الفم، وسيتمُّ تحري فعاليتها بملاحظة السُّكَّر في البول.

يُعتبر الطبيب الألماني زولزر George Ludwig Zuelzer أكثر المستخلصين الأوائل أهمية ومثابرة، وفي الحادي والعشرين من حزيران عام، 1906، وفي إحدى العيادات الخاصة في برلين، حقن زولزر 8 مل من خلاصة بنكرياسية تحت جلد مريض سكري يبلغ من العمر خمسين عاماً، ثم قام في اليوم التالي بحقنه 10 مل من الخلاصة أيضاً، وقد استرد المريض وعيه، وتحسنت حالته العامة، وعادت شهيته واختفى دواره الشديد وبدا وكأنه قد رجع من حافة القبر، ولسوء حظه، نفذت الخلاصة وغرق المريض، في الثلاثين من حزيران، في سبات عميق وتوفي في الثاني من تموز.

زولزر


واجه زولزر أثناء تنفيذ تجاربه صعوبات عمليَّة جمَّة، فقد كان من الصعب الحصول على مؤونة من غدد البنكرياس، حتى أنَّ عمال المسالخ المحلية كانوا يظنون أنَّ ذلك الطبيب، الذي يطلب منهم إعطاؤه البنكرياسات الطازجة، لابُـدَّ أنهَّ شخص مخبول.

لم يكن زولزر غنياً ولا ينحدر من أسرة مرموقة، وها هو الطبيب الغريب في دوائر برلين الطبية يُغادر وحيداً بصحبة خلاصته غريبة الأطوار، ولم ينشر بعد ذلك أيَّ شيءٍ إضافي عنها.

* الإفراز الداخلي للبنكرياس

كانت مناقشة عمل طالب من جامعة شيكاغو في عام 1911-1912 مثالاً عن ذلك الحذر المُكْتسب بالتعلم، حيث اختار ذلك الطالب واسمه سكوت E.L.Scott، موضوع الإفراز الداخلي للبنكرياس كمشروع بحثي لنيل درجة الماجستير، ويُعزى اختياره للموضوع إلى تأثره بوفاة أحد أصدقائه بداء السُّكَّري.

كان الاستنتاجان الأولان لأطروحته كما ذكرنا سابقا:
  1. هناك إفراز بنكرياسي داخلي يُنظِّم استقلاب السُّكَّر.
  2. يُمكن استخلاص هذا الإفراز مُحتفظاً بفعاليته باستعمال طرق خاصة.
البروفيسور جون جيمس ماكلود طبيب اسكتلندي، تدرَّب في أبردين، ألمانيا، وهاجر إلى أمريكا في عام 1903 ليستحوذ على وظيفته وعمره سبعة وعشرون عاماً، وعمل ماكلود لسنوات عِدَّة في مجال استقلاب السُّكَّريات.

جون جيمس ماكلود


استنتج ماكلود بأن هناك إفرازاً داخلياً للبنكرياس، لكنه افترض عدَّة أسباب ربَّـما تحول دون انتزاعه من الخلاصة البنكرياسية، ومنها:
  1. ربَّـما تدمره العصارة البنكرياسية القوية.
  2. ربَّـما لا توجد منه مخزونات يمكن انتزاعها بالاستخلاص.
  3. ربَّـما يوجد في البنكرياس بشكل كامن ولا يتفعَّل إلا بعد أن يُفرز إلى مجرى الدم.
العَالِم الآخر الذي عمل على الخلاصات البنكرياسية وانقطع عمله بسبب الحرب العالمية الأولى هو نيكولاس بولسكو Nicolas Paulescou، أستاذ الفيزيولوجيا في كلية الطب الرومانية في بوخارست، حيث بدأ بولسكو تجربته مع الخلاصات في عام 1916، إلا أن الاحتلال النمساوي لبوخارست والاضطرابات الشعبية في رومانيا، التي أعقبت ذلك، قد أخرا بحثه أربع سنوات.

نيكولاس بولسكو


استأنف بولسكو تجاربه في عام 1919، ونشر أولى تجاربه في عامي 1920 و1921.
ركَّز بولسكو اهتمامه على قياس تأثير خلاصته على سكر الدم، وأورد أيضاً حدوث نقص ملحوظ في سكر الدم والبول والأجسام الكيتونية بعد الحقن الوريدي لمحلول مُكوَّن من البنكرياس والماء المقطر المُملَّح قليلاً.

تحقَّق بولسكو أيضاً من مسألة التمديد، واختبر خلاصات غير بنكرياسية، وأحدث حُمَّى في كلابه ليُظهر أنَّ الحرارة لا تُسبِّب، بحد ذاتها، نقصاً في سكر الدم أو البول، كما جرَّب خلاصته على كلاب طبيعية ووجد أنها تُسبِّب نقصاً في سكر الدم أيضاً.
آخر تعديل بتاريخ 19 أكتوبر 2021

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية