جاء الشتاء يحمل بين جنباته الكثير من المنافع والأضرار، فنحن ندرك تماماً منافع أمطاره للزراعة وتغذية المياه العذبة، لكن قد تلحق بنا بعض الأذيات منه بسبب البرد الذي يصاحب بعض أيامه، وفي المقابل يمكننا الوقاية من أذيات البرد باتخاذ بعض الإجراءات الأولية.

تنقسم أذيات البرد بشكلٍ عام إلى أذيات ناجمة عن التجمّد وأخرى عن غير التجمد (تحدث مع درجة حرارة أعلى من درجة التجمد)، وهي تشمل انخفاض حرارة الجسم، ولسعة الصقيع، والشرث (أو تورم الأصابع)، وقدم الخندق، وعضة الصقيع، والحالات الأخرى التي تتم مواجهتها أثناء الطقس البارد هي مرض الجبال الحاد والاضطرابات النفسية والنفسية الاجتماعية والعمى الثلجي والإمساك (بسبب انخفاض تناول السوائل).

سنتعرف في هذه المقالة إلى كل الأنواع المختلفة لأذيات البرد وتحديد استراتيجيات الوقاية والعلاج.

* كيف تتولد الحرارة في الجسم البشري؟

يحتفظ الجلد والأنسجة التي تقع تحت الجلد بدرجة حرارة ثابتة (حوالي 37 درجة مئوية)، عن طريق الدورة الدموية، ويحصل الدم على حرارته بشكل رئيسي من الطاقة المنبعثة من الأيض الخلوي، ودرجة الحرارة المثلى لمعظم التفاعلات الأنزيمية هي 37 درجة مئوية، وفي حال انخفاض حرارة الجسم، تصبح معظم الأعضاء، وخاصة القلب والدماغ، بطيئة وتتوقف عن العمل في النهاية إذا استمر انخفاض درجة الحرارة، وتعتبر منطقة الوطاء [وهي منطقة صغيرة موجودة في قاع الدماغ] حساسةً للتغيرات في درجة حرارة الدم التي تصل إلى 0.5 درجة مئوية، وهي تتفاعل أيضاً مع النبضات العصبية الواردة من النهايات العصبية في الجلد.

عندما تصل درجة الحرارة إلى ما فوق 41 درجة مئوية، يتم تغيير طبيعة العديد من الإنزيمات، بينما تتباطأ التفاعلات الكيميائية عندما تقل درجة الحرارة عن 37 درجة مئوية مع مضاعفات مختلفة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة.

عندما تنخفض درجة حرارة الجسم بسبب التعرض للبرد، يتم توظيف العديد من آليات الحماية لتوليد حرارة إضافية، على سبيل المثال، تنتج العضلات حرارة إضافية من خلال الارتجاف. كما يؤدي تضيق الأوعية المحيطية إلى تحويل تدفق الدم إلى الأعضاء، مثل القلب والدماغ.

لكن زيادة نشاط الجسم والاستجابات السلوكية مثل ارتداء المزيد من الملابس تحافظ أيضاً على الحرارة، ومع ذلك، ومع وصول الدم الدافئ إلى الجلد، تبرد أجزاء الجسم، مثل أصابع اليدين والقدمين والأذنين والأنف بسرعة أكبر، وإذا انخفضت درجة حرارة الجسم إلى أقل بكثير من حوالي 31 درجة مئوية، فإن آليات الحماية هذه تتوقف عن العمل ولا يمكن للجسم إعادة تدفئة نفسه، وإذا انخفضت درجة حرارة الجسم عن 28 درجة مئوية، فمن المحتمل الموت.

عادةً لا تحدث أذيات البرد حتى في الطقس شديد البرودة، إذا كان الجلد والأصابع وأصابع القدم والأذنين والأنف محمية جيداً أو تعرضت لفترة وجيزة فقط، ويزداد خطر أذيات البرد عندما يعيق تدفق الدم، أو عندما يكون تناول الطعام غير كافٍ، أو عندما لا يتوفر أكسجين كافٍ، كما في حالة المرتفعات العالية.

* انخفاض حرارة الجسم

أول أنواع أذيات البرد التي تصيب الإنسان هو الإصابة بانخفاض حرارة الجسم Hypothermia، وهو انخفاض في درجة حرارة الجسم الأساسية إلى مستوى تتعطل فيه الوظائف العضلية والدماغية الطبيعية، ويمكن ربط أي درجة حرارة أقل من 37 درجة مئوية بانخفاض درجة حرارة الجسم، وتنخفض درجة الحرارة الأساسية بسبب انخفاض معدل الأيض الأساسي (BMR) وتتباطأ وظائف الجسم.
  • المسببات

  1. التعرض الحاد للرياح الباردة على ارتفاعات عالية مثل حالة عدم وجود مأوى خلال العاصفة الثلجية.
  2. الغمر في الماء البارد بعد حطام السفينة.
  3. الملابس والمعدات غير الملائمة.
  4. البلل.
  5. التعب والإرهاق.
  6. الجفاف وسوء تناول الطعام.
  7. قلة المعرفة بانخفاض حرارة الجسم.
  8. تناول الكحول لأنه يسبب توسع الأوعية، ما يؤدي إلى زيادة فقدان الحرارة.
  9. يمكن للأشخاص الذين يعيشون في منازل سيئة التدفئة أن يصابوا تدريجياً بانخفاض درجة حرارة الجسم في درجات حرارة تراوح بين 16 درجة مئوية و18 درجة مئوية.
  • علاج انخفاض حرارة الجسم

المبادئ الأساسية لإعادة تدفئة الشخص الذي يتعرض وضع يؤدي لانخفاض حرارة جسمه هي الحفاظ على الحرارة التي لديه واستبدال وقود الجسم الذي يحترق لتوليد تلك الحرارة، وإذا كان الشخص يرتجف، فلديه القدرة على إعادة تدفئة نفسه بمعدل 2 درجة مئوية في الساعة.

- في حال انخفاض حرارة الجسم المعتدل

  1. قلل من فقدان الحرارة بطبقات إضافية من الملابس الجافة، وقم بزيادة النشاط البدني ببطء في بيئة محمية.
  2. أضف الغذاء والسوائل الساخنة الممتلئة بالسكريات والمشروبات الدافئة الحلوة إلى جسم المصاب. إذْ من الضروري الحفاظ على الشخص المصاب بانخفاض درجة الحرارة رطباً ومغذى بشكل كافٍ. مع تجنب الكحول والكافيين والتدخين.
  3. أضف الحرارة من مصدر حرارة خارجي آخر.

- في حال انخفاض حرارة الجسم الشديد

  1. تقليل فقد الحرارة من خلال توفير غلاف عازل كلي للمريض، وذلك باستخدام عدة أكياس نوم وبطانيات صوفية وملابس صوفية لصنع عزل لا يقل عن 10 سنتيمترات حول المريض، خاصة بين المريض والأرض.
  2. أضف الغذاء والسوائل الساخنة الممتلئة بالسكريات.
  3. التبول يحافظ على حرارة الجسم الثمينة للحفاظ على درجة حرارة الأعضاء الحيوية.
  4. أضف الحرارة من مصدر حرارة خارجي آخر.
  5. ركز على تدفئة القلب فقط، ولا تعرض الشخص المصاب بالحرارة شديدة الانخفاض لدرجات الحرارة القصوى.
  • هل يمكن استخدام الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) مع المصاب بانخفاض حرارة الجسم؟

في حالات الحوادث ذات الصلة، قد يُظهر المرضى الذين يعانون من انخفاض حرارة الجسم الشديد جميع العلامات السريرية المقبولة للموت، مثل الجلد الأزرق البارد، والحدقات الثابتة والمتوسعة، وعدم وجود نبض أو تنفس واضح، وتيبس العضلات، والغيبوبة وعدم الاستجابة لأي منبهات. لكنها ربما لا تزال على قيد الحياة في "صندوق الجليد الأيضيّ" ويمكن إحياؤها، إذْ أثناء انخفاض درجة حرارة الجسم الشديدة، يكون القلب شديد الاستثارة، وقد يؤدي التحفيز الميكانيكي (مثل الإنعاش القلبي الرئوي أو تحريكه أو الإمساك به) إلى رجفان يؤدي إلى الوفاة، ونتيجة لذلك، يجب منع الإنعاش القلبي الرئوي في بعض حالات انخفاض حرارة الجسم.

* لسعة الصقيع

لسعة الصقيع هي تجمّد الطبقات العليا من أنسجة الجلد، وتظهر على شكل تنميل، وتشعر أن الطبقة العلوية من الجلد الأبيض أصبحت صلبة ومطاطية، ولكن الأنسجة العميقة لا تزال طرية، وتصيب لسعة الصقيع عادة الخد وشحمة الأذن وأصابع اليدين والقدمين، وتتم معالجة لسعة الصقيع عن طريق إعادة التدفئة اللطيفة، على سبيل المثال عن طريق نفخ الهواء الدافئ عليها أو وضع المنطقة على جزء دافئ من الجسم (معدة الشريك أو الإبط)، وتجنب الفرك لأن هذا يمكن أن يتلف الأنسجة عن طريق وجود بلورات الثلج تمزق الخلايا.

كما يمكن استخدام إعادة التدفئة عن طريق غمر الجزء المصاب في حمام مائي بدرجة حرارة بين 41 و43 درجة مئوية لمدة 25-40 دقيقة، وهذه هي درجة الحرارة التي تشعر الجلد بالدفء. راقب درجة الحرارة بعناية باستخدام مقياس حرارة، حيث إنّ درجات الحرارة المرتفعة تضر. قم بإزالة الملابس الضيقة، وحافظ على درجة حرارة الماء بإضافة ماء دافئ إضافي، لكن لا تقم بإضافة هذا الماء الدافئ مباشرة إلى موضع الإصابة، ويكتمل الذوبان عندما يصبح الجزء المصاب مرناً ويعود اللون والإحساس، وبمجرد إعادة تدفئة المنطقة، يمكن أن يكون هناك ألم شديد.. أوقف حمام الماء الدافئ عند اكتمال الذوبان، ولا تستخدم الحرارة الجافة لإعادة التدفئة.

بمجرد إعادة تدفئة المنطقة المصابة، يجب لفها بشاش معقم وحمايتها من الحركة ومزيد من البرودة، ويمكن دهنها بالمرطبات.

* عضة الصقيع

عضة الصقيع Frostbite، أكثر شدة من لسعة الصقيع، فهي تشمل جميع طبقات الجلد؛ إذْ يبدو الجلد أبيض وله ملمس "خشبي" مع خدر، ويمكن أن تشمل عضة الصقيع العميقة تجميد العضلات و/ أو العظام، ومن الصعب جداً إعادة تدفئة مكان الإصابة دون حدوث بعض الأضرار، ولها عدة درجات:
  1. في الدرجة الأولى تتورم الأصابع تورماً خفيفاً مع احتقان الدم وحكة خفيفة ووذمة، ولا تحدث تقرحات أو تقشير للجلد.
  2. تتميز الدرجة الثانية بالتقرح والتقشر.
  3. وفي الدرجة الثالثة ترتبط بنخر الجلد والأنسجة تحت الجلد مع التقرح.
  4. وفي الدرجة الرابعة تدمير الأنسجة الضامة والعظام مع الغرغرينا.
ويبدأ علاج عضة الصقيع بالإسعافات الأولية؛ واحمِ الفرد من المزيد من الأذى، ودفّئه، وأزل أي ملابس مقيدة، وابدأ في إعادة التدفئة، وفي حال إصابة الطرف السفلي، يجب نقل المريض في أقرب وقت ممكن للمشفى، وإذا تعذر نقله على الفور للمشفى، فينصح بالانتظار حتى يكون في بيئة مناسبة لبدء إعادة تدفئة المنطقة المصابة، حيث تتسبب دورة (التجمد - الذوبان - إعادة التجمد)، في أضرار أكثر من انتظار العلاج النهائي، وفي حال حصول عضة الصقيع لا ينبغي أبداً إجراء الجراحة البسيطة أو الصغيرة للأنسجة المصابة في الحقل.

* تورم الأصابع (الشرث)

تورم الأصابع (الشرث) Chilblain، هو إصابة سطحية للأنسجة تحدث بعد التعرض لفترات طويلة أو متقطعة لدرجات حرارة أعلى من درجة التجمد والرطوبة العالية مع الرياح العاتية، ويميزها الشحوب الأولي وتورم الأصابع، تليه حكة في المنطقة المصابة، والنساء والأطفال الصغار هم الأكثر عرضة للإصابة، وعادة ما يصيب التورم الخد والأذنين وأصابع اليدين والقدمين.

يمكن تصنيف تورم الأصابع إلى نوعين:
  1. حاد: يظهر في غضون 12-24 ساعة بعد التعرض للبرد وتستمر لمدة أسبوع إلى أسبوعين.
  2. مزمن: يحدث مع التعرض المتكرر للبرد، ما يؤدي إلى آفات دائمة يمكن أن تؤدي إلى تندب وضمور لاحق.

تشمل التدبير الأولية للمصابين بتورم الأصابع ما يأتي:

  1. قم بإزالة المجوهرات أو المواد التي يمكن أن تقيد الجزء المصاب بالتورم.
  2. ضع كريما أو مستحضرات تخفف من الحكة والتورم وتجنب خدش الجلد.
  3. احمِ الجزء المصاب من إعادة التجميد وأي صدمة مباشرة، وذلك باستخدام ضمادات كبيرة وجافة وكبيرة الحجم وارفع جزء الجسم إن أمكن.
  4. ارتدِ عدة طبقات من الألبسة للحصول على الدفء.

* قدم الخندق

قدم الخندق Trench foot، هي أذية مشابهة لتورم الأصابع، وتنتج عن غمر القدمين لفترة طويلة في ظروف باردة ورطبة، ويمكن أن تحدث في درجات حرارة تصل إلى 16 درجة مئوية إذا كانت القدم مبتلة باستمرار، كما هو الحال في الرياضات البحرية.

يتكون العلاج من التجفيف اللطيف والرفع، وتعريض الأطراف لدرجة حرارة من 18-22 درجة مئوية، مع الحفاظ على تدفئة باقي الجسم، ويجب الراحة في الفراش والنظافة، وتسكين الآلام بمضادات الالتهاب غير الستيروئيدية.

* أذيات تلحق العين

  1. تجمد القرنية: يحدث نتيجة فتح العينين أثناء الرياح العاتية بدون وضع نظارات واقية. يتم التحكم في العلاج بشكل كبير، وإعادة تدفئة سريعة مثل وضع يد دافئة أو الضغط على العين المغلقة، وبعد إعادة تدفئة العينين يجب تغطيتها لمدة 24-48 ساعة.
  2. تجمد الرموش معاً: ضع اليد على العين حتى يذوب الثلج، ثم افتحها.
  3. العمى الثلجي (حروق الشمس في العينين): يمكن أن يحدث العمى الثلجي أثناء عاصفة ثلجية إذا كانت السحابة ضعيفة، والوقاية من خلال ارتداء نظارات شمسية جيدة مع دروع جانبية أو نظارات واقية. ويشمل العلاج وضع كمادات باردة ووضع المصاب في بيئة مظلمة مع تجنب فرك العينين.

* نصائح عامة

يجب أن يتعلم جميع الأشخاص الذين يتعرضون للبرد كيفية ممارسة تدابير الوقاية الشخصية الآتية:
  1. العناية المناسبة بالأطراف، من خلال ارتداء الملابس المناسبة للعمل في بيئة باردة.
  2. تحريك الأطراف إذا كنت مضطراً للبقاء في وضعيات ثابتة.
  3. التعرف إلى أعراض أذيات البرد.
  4. الحفاظ على الترطيب المناسب والتغذية الجيدة التي تمد الجسم بالطاقة.
  5. لا تلمس المعدن البارد بجلد عار أو تسكب البنزين على الجلد أو الملابس.
  6. إذا كنت تمارس رياضات جليدية فقم بالإحماء جيداً، وحافظ على الدفء طوال التمرين لتقليل انخفاض درجة حرارة العضلات أو الجسم. وبعد اللعب، أضف الملابس لتجنب التبريد السريع.
  7. لا تشرب الكحول، ولا تدخن. يمكن لأي منهما أن يجعل الجلد أكثر حساسية للبرد.
  8. ابتعد قدر الإمكان عن التبلل بالماء.
  9. احمل لوازم الطوارئ عندما تكون في الخارج.
  10. إذا كنت تستخدم كيس ثلج، فلفه بمنشفة رقيقة، واستخدمه فقط لمدة تصل إلى 15 دقيقة كل ساعة إلى ساعتين.

* الخلاصة

يجب علينا توخي الحذر من الإصابة بأحد أنواع أذيات البرد، وتعتمد شدة أذيات البرد على درجة الحرارة ومدة التعرض والظروف البيئية، وكمية الملابس الواقية، والحالة الصحية العامة للمريض، ويمكن أن يتسبب التعرض للبرد في إصابة موضعية أو تبريد عام للجسم بأكمله.



المصادر
Cold Injuries : The Chill Within
Cold Exposure: What Increases Your Risk of Injury?
Cold Injury
Cold-Related Injuries
Cold Injury First Aid

آخر تعديل بتاريخ 5 فبراير 2021

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية