حكم محكمة يهدد صناعة التطعيمات والخدمة الطبية

قد يبدو العنوان غريبا لكنه لا يحمل أي مبالغة أو تهويل؛ فقد كان يوم 21 يونيو الماضي هو اليوم الفارق والمحوري، حين عرف العالم كله بما خلصت إليه المحكمة العليا الأوروبية في قضية الرجل الفرنسي الذي ادعى أمامها بأنه أصيب بمرض التصلب المتعدد عقب تلقيه لتطعيم الالتهاب الكبدي الوبائي (ب)، وأن التطعيم هو السبب فيما حدث له.


ولكن هل بالفعل يسبب التطعيم بالالتهاب الكبدي الوبائي (ب) مرض التصلب المتعدد، ربما علينا أن نأخذ هدنة مع هذه القضية لبعض الوقت ثم نعود إليها، لكن فلننتقل لقصة أخرى قد توضح الكثير.

من المعلوم أن السيدات بعد سن اليأس وتوقف التبويض يعانين من نقص في بعض الهرمونات الأنثوية، وهو ما قد يؤدي إلى أعراض جسدية ونفسية شديدة تؤثر على السيدة، وفي العقود الأخيرة تم تعويض نقص هذه الهرمونات بإعطائها من الخارج للسيدات اللائي يعانين من تلك الأعراض حتى يتم التغلب على معاناتهن.

هؤلاء السيدات بالطبع تم فحصهن ومراقبتهن لملاحظة أي تغيرات قد طرأت عليهن، ووجد أن معدلات إصابتهن بأمراض القلب منخفضة بشكل كبير عن بقية السيدات اللائي لم يحصلن على ذلك العلاج الهرموني.

هنا من السهل جدا أن نصل إلى استنتاج أن العلاج الهرموني يقلل من الإصابة بأمراض القلب.. رائع جدا، الأمر في غاية البساطة.

للأسف الأمور ليست بسيطة كما نتخيل؛ فعند إجراء هذه الدراسة لكن هذه المرة بمقارنة عينات عشوائية من المرضى اللائي تلقين علاجا هرمونيا واللائي لم يتلقين، وجد أن العكس هو الصحيح، المرضى اللائي يتلقين علاجا هرمونيا هن الأكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب؛ وإن كانت الزيادة في احتمال إصابتهن بأمراض القلب ضئيلة.

أين الخلل إذا؟.. بالتأكيد إحدى الدراستين خاطئة..

لا.. الدراستان صحيحتان..

ما السبب في اختلاف النتائج إذا؟

هناك قاعدة إحصائية تشير إلى أن الارتباط لا يعني بالضرورة السببية، بمعنى أنه يمكننا إحصائيا أن نحسب العلاقة بين أي متغيرين، ويمكن للمتغيرين أن يكونا مرتبطين، لكن أحدهما ليس سببا للآخر، على سبيل المثال يمكن أن تحسب العلاقة بين نظافة الشوارع ودرجة الأمن والأمان بها، فتكتشف أنه كلما كان الشارع نظيفا كلما قلت الجريمة فيه، هل يعني ذلك أن نظافة الشوارع السبب في منع الجريمة.. على الأغلب الشوارع الأنظف هي الأكثر ثراء، هي التي توجد بها كاميرات المراقبة وهناك وجود دائم للشرطة، ووجود الشرطة والكاميرات هو الذي يقلل الجريمة وليس النظافة، وإن كان المتغيران (النظافة والجريمة) يبدوان مترابطين.

في مثالنا عن العلاج الهرموني، وجد أن السيدات الأغنى والأعلى في المرتبة الاجتماعية واللائي يحصلن على غذاء أكثر صحية هن اللائي أقبلن على تناول العلاج الهرموني لذا فمعدلات الإصابة المنخفضة بأمراض القلب فيهن لا ترجع للعلاج الهرموني لكنها تعود لشكل الحياة التي يعشنها وأنواع الطعام الذي يأكلن والرياضة التي يمارسن، وعلى ذلك فعندما تم إجراء ذات الاختبار في ظروف متحكم فيها وبين عينات عشوائية متشابهة وجد أن العلاج الهرموني هو بالفعل السبب في عكس ما توصلت إليه نتائج الإحصاء في المرة الأولى.

ما نود أن نخرج به من هذه القصة أن الارتباط الإحصائي لا يعني أبدا السببية..

نعود للرجل الفرنسي وللمحكمة العليا الأوروبية ولسؤالنا الأول، هل بالفعل يسبب التطعيم من الالتهاب الكبدي الوبائي مرض التصلب المتعدد العصبي الخطير؟

بدأ كل شيء بين ديسمبر 1998 ويوليو 1999، عندما تلقى رجل فرنسي الجرعات الموصى بها للتطعيم ضد الالتهاب الكبدي الوبائي (ب)، في الشهر التالي مباشرة (شهر أغسطس) أصيب الرجل بأعراض التصلب المتعدد (مرض مناعي ذاتي، تهاجم فيه مناعة الشخص نفسه الأغشية المحيطة بأعصابه مسببة تلفها)، في عام 2006 ذهب الرجل الفرنسي المدعو W إلى المحكمة متهما الشركة المصنعة للتطعيم أن التطعيم هو السبب فيما آلت إليه حالته المرضية.

وفي عام 2009 حصل على حكم من محكمة نانتير المحلية لصالحه، هو رجل لم يكن يعاني من أي أمراض سابقة أو تحمل عائلته أي تاريخ مرضي سابق للتصلب المتعدد وأصيب مباشرة بعد تلقيه للتطعيم، إذا فالتطعيم هو السبب، هكذا حللت المحكمة الوضع.

في عام 2011 تم استئناف الحكم في محكمة فرساي، والتي حكمت لصالح الشركة المصنعة للتطعيم، وكان تبريرها للحكم أن الفرنسي W وإن استطاع أن يثبت أن هناك علاقة بين التطعيم وإصابته بالتصلب المتعدد؛ إلا أنه لم يقدم أي إثبات يشير إلى كون الطعم نفسه معيوباً، خاصة أن فوائد التطعيم العامة تفوق كثيرا أضراره ومخاطره.

عندها لجأ W وعائلته إلى محكمة النقض العليا التي فصلت في أحكام تلك المحاكم الأدنى لتصدر رأيها في كون تلك المحاكم قد قامت بتطبيق صحيح القانون أم لا، ارتأت تلك المحكمة أنه كان يجب الحكم على كون التطعيم معيوباً من عدمه بالنظر فقط إلى حالة W الفردية، وليس بالنظر إلى كون التطعيم مفيداً بشكل عام أم لا، بناء على هذا الرأي تم تحويل القضية إلى محكمة استئناف أخرى وفقا للعرف القضائي الفرنسي، على هذا فقد حولت القضية إلى محكمة الاستئناف في باريس، والتي حكمت بأن W قد فشل في الربط بين التطعيم وبين مرضه، ذلك أنه لا أدلة علمية تربط بين التطعيم وبين الإصابة بمرض التصلب المتعدد كما أن المرض ذاته يحتاج لسنوات قبل أن تبدأ أعراضه في الظهور، أي أن الفرنسي W قد كان مصابا بالتصلب المتعدد قبل التطعيم.

توجهت عائلة W لمحكمة النقض مرة أخرى، في هذه المرة لجأت محكمة النقض إلى المحكمة العليا الأوروبية لأخذ مشورتها بخصوص الأمر.

في خضم هذه الأحداث أجريت العديد من الدراسات، لم تجد أي منها أي علاقة علمية تثبت أن التطعيم يمكن أن يسبب التصلب المتعدد، توفي كذلك الفرنسي W في عام 2011 إلا أن عائلته ظلت تتابع قضيته.

أما المحكمة العليا الأوروبية فقد حكمت لصالح W وعائلته مرسية قاعدة قانونية في غاية الخطورة، وهي أنه على الرغم من أن الأدلة العلمية لا تقطع أبدا بأي علاقة بين التطعيم والمرض إلا أنه يحق للمريض أن يحتكم لأدلة أخرى قد يكون لها معقوليتها حتى وإن كانت تلك الأدلة مجرد أدلة ظرفية.

* هل هذا الحكم يتحدى العلم؟
يبدو الأمر كذلك، محكمة تحكم بما لم يثبته العلم، إلا أن هناك رأيا يرى غير ذلك، المحكمة لم تحكم بما هو ضد العلم نكاية في العلم أو أنها لا تأخذ العلم في الحسبان، ذلك الرأي يقول بأن الحكم جاء كمحاولة لوضع حمل إثبات أمان التطعيم على الشركة المنتجة، ليس على الفرد أن يثبت إن كانت إصابته سببها التطعيم، لكن على الشركات الكبرى أن تتحمل مسؤوليتها، وتنفق  على مثل هذه الأبحاث لتثبت أمان منتجاتها.

* للحكم تداعياته..
لكن في النهاية يبدو أن المحكمة بالفعل قد استندت إلى أدلة حدسية وظرفية، لا يمكن لها أن تكون علمية بأي حال من الأحوال، أشرنا سابقا إلى علاقات الارتباط التي يقول العلم إنها ليست بالضرورة علاقات سببية، فما بالنا بعلاقة لا يوجد بها أي ارتباط كحالتنا تلك، علميا لا ارتباط بين التطعيم والمرض، وحتى لو أشرنا إلى رغبة المحكمة في تعويض الأفراد بشكل يمنح بعض التوازن ويجبر الشركات على توخي أعلى درجات الأمان وتحمل مسئوليتها كاملة والحكم لصالح الأفراد عند وجود أدنى شك لصالحهم إلا أن ذلك قد يفتح أبواب الجحيم.

سترفع آلاف القضايا التي لن تعتمد على أدلة علمية، بل على علاقات ظرفية ومضاعفات شديدة الندرة وغير مسجلة أو مثبتة، سيؤثر ذلك بالطبع على صناعة التطعيم أمام الكم الهائل من التعويضات، سيكون هناك تشكيك في حجية العلم، بل سيصل الأمر إلى التشكيك في الخدمة الصحية ذاتها والتشكيك في التطعيم نفسه وفي فوائده، قد يصل ببعضهم إلى الامتناع عنه لدفع خطر أعراض جانبية ومضاعفات غير مسجلة أو مرتبطة بشكل حقيقي بالتطعيم.

هذا حكم مثير للجدل وللتفكير ويفتح أبواب الكثير من القضايا الفلسفية والعلمية والقانونية والاجتماعية ويحتاج إلى حوار موسع وشامل.. فالأمر بالفعل خطير.. وهو ليس فرديا بالطبع..

* لكن أين الحقيقة؟
العلم قائم على التجريب وعلى نفي كل ما هو ظرفي أو موضع حدس، هو المرجع الوحيد القادر حتى اللحظة على نفي الأسطوري والخروج إلى حد كبير بالإنسان من انحيازاته الضيقة إلى فضاء رحب به بعض اليقين من التجربة ونتائجها، ونحن كأفراد نحتاج أن نستند ونطمئن لأدوات العلم، وأن نستمع لكلمة العلم لأنها الأكثر موثوقية ولأنها الأكثر استنادا للتجريب.

حتى اللحظة العلم هو الأقدر على الإلمام بالحقيقة، يستطيع أن يستنتج القانون الحاكم الذي متى طبق لأي عدد من المرات نحصل على ذات النتيجة..

أزمة ذلك الحكم أنه انتصر للحدسي والظرفي على حساب العلمي والمجرب..

حتى اللحظة يعلم الجميع أنه يجب الانتصار للعلمي والتجريبي، حتى المدافعون عن حكم المحكمة لا يعتقدون أن المحكمة تتجاهل العلمي والمجرب، لكنهم يدعون أنها فقط تأخذ في الحسبان مصلحة المريض الفرد أمام مؤسسة ضخمة؛ لكن في النهاية هناك يقين أن العلم يجب أن يؤخذ به لأنه المرجع الوحيد الذي يمكن أن نجمع على آلياته، وهو المرجع الوحيد الذي يملك تصحيح ذاته، وهو المرجع الوحيد الذي يستطيع استنتاج الإطار الحاكم والقانون العام الذي مهما تحديناه لأي عدد من المرات يبقى قادراً على إثبات صحته.

اقرأ أيضاً:
الأخطاء الدوائية قد تكون قاتلة.. كيف تتجنبها؟
هل الأخطاء الطبية من أهم أسباب الوفاة حقاً؟!
كيف تحمي نفسك من الأخطاء الطبية؟
الخطأ الطبي.. القاتل الخفي
ما التطعيمات التي يحتاج إليها البالغون؟

المصادر:
Commentary: The hormone replacement–coronary heart disease conundrum: is this the death of observational epidemiology?
Decision by Europe’s top court alarms vaccine experts

 

آخر تعديل بتاريخ 21 يوليه 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية