لصوص البخاخات المخدرة.. قصة متجددة

لصوص البخاخات المخدرة.. قصة متجددة
مؤخراً كثر الحديث عن لصوص وخاطفين يتسللون نحو ضحاياهم ثم يطلقون في وجوههم رذاذاً مخدراً، ما إن يستنشقه أحد حتى يفقد وعيه وإحساسه، أو يضعون فوق أنفه كمامة مخدرة، ما إن يستنشق من خلالها أولى أنفاسه حتى يصبح ضحية سهلة للسرقة والخطف.


فهل هذا الأمر من وجهة نظر علمية صحيح؟ أم مجرد إشاعات ولغط بلا دليل، ولا يعدو كونه مجرد أسطورة حديثة أخرى، روج لها البعض ثم تداولها الناس العاديون خوفا وفزعا، في محاولات للتنبيه ولتفادي الأمر، بينما مطلقها الأصلي ربما يقهقه، وقد تاه وسط الجموع بعد أن رأى أكذوبته تتضخم وتتضخم، وقد صارت كفيروس يسكن مواقع التواصل الاجتماعي ويجتاحها.

* كيف تعمل المخدرات الاستنشاقية؟
بداية ربما علينا أن نفهم كيف تعمل تلك المخدرات الاستنشاقية، ومن واقع فهمنا هذا سندرك إن كان ذلك الأمر ممكنا أم مجرد أكذوبة أخرى.

بداية فالمخدرات الاستنشاقية مثلها مثل أي دواء تحتاج لأن تصل لتركيزات معينة كي تبدأ العمل، مما يعني أن الشخص يجب أن يستنشق ذلك المخدر مختلطا بالهواء أو بأي غاز حامل كالأكسجين وغيره، على أن يكون ذلك في تركيز معين.

وبعد الاستنشاق يجب أن يصل الغاز لتركيزات معينة داخل الرئتين، وهما أصلا مملوءتين بالهواء، ومع كل حركة للهواء، وتنفس للغاز المخدر، يزداد تركيز الغاز المخدر داخل الرئتين تدريجيا، حتى يصل لمستوى معين داخل الرئة.

ومن الرئة وحويصلاتها الهوائية يصل لتيار الدم، وينبغي أيضا أن يصل لتركيز معين، ومن الدم عليه أن يصل لمكان تأثيره في المخ، حيث يذوب في دهونه، ويرتفع تركيزه تدريجيا كذلك.

من هنا يتضح لنا أن عمل ذلك الغاز المخدر يستدعي حركة ديناميكية، فيها يجب أن يستمر استنشاق الغاز لفترة، وبتركيزات محددة، تسمح لتلك الأحداث أن تقع حتى الوصول للتركيز المحدد، والذي يسمح بغياب الوعي في الرئتين والدم ودهون المخ، وهو ما يستدعي تنفس لفترات غير قصيرة لذلك الغاز كي يأتي تأثيره.

هذا العرض آثرت أن يبدو بسيطا، لكنه في الواقع ليس كذلك فهذه الخطوات التي تبدو منفصلة، ليست في الحقيقة كذلك، فهي متراكبة تحدث تقريبا في ذات الوقت، وهي أيضا منعكسة ففي الجسم قد يتم أيض بعض ذلك الغاز، والتخلص منه عن طريق الكبد، كما أنه متى قل تركيز الغاز المخدر في الدم والحويصلات الهوائية، فإنه يبدأ في حركة عكسية من المخ إلى الدم، ومن الدم إلى الحويصلات الهوائية، ومنها إلى خارج الجسم.

لذلك فالاستنشاق المستمر للغاز المخدر ضروري لحفظ تركيزه المؤثر في الجسم، ولمنع تعافي الشخص المخدر من أثره، وهو ما يعني أن اللص متى قرر استخدام ذلك الغاز المخدر فإن عليه أن يجبر ضحيته على استنشاقه لفترة طويلة حتى يؤتي أثره، ولا يقف الأمر عند ذلك، فمتى أراد لذلك الأثر أن يستمر، ولا تستفيق الضحية، فعليه أن يعمل على جعلها تواصل استنشاق ذلك الغاز المخدر دون توقف.

* هل كل الغازات المخدرة لها نفس السرعة في جلب غياب الوعي؟ وهل تحتاج لذات التركيز كي تؤتي أثرها؟
الثابت أن الغازات المخدرة تختلف فيما بينها سواء في سرعة عملها، أو في التركيز الذي يجلب ذلك الأثر، وذلك يرجع إلى اختلافات فزيائية بينها تتعلق بسرعة ذوبانها في الدم، أو في دهون المخ، إلا أن الثابت أيضا أن جميعها تحتاج للوقت - كما بينا - كي يرتفع تركيزها داخل الجسم، وكي تؤتي أثرها، إلا أن ذلك الوقت الذي تحتاج إليه، والتركيز المحدد الذي يجب استنشاقه، والسرعة التي تتبخر بها تختلف من غاز لآخر.

* هل هناك عوامل أخرى قد تؤثر في عمل الغاز الواحد؟
نعم هناك عوامل أخرى قد تجعل ذلك الغاز المخدر يصل لأثره سريعا مثل زيادة المعدل الذي يتنفس به الشخص، وكذلك عمق ذلك التنفس (حيث يؤدي ذلك لسرعة ارتفاع تركيز الغاز المخدر في الحويصلات الهوائية.

لذلك فسيكون من المفيد للضحية - لو افترضنا أن هناك من سيحاول إجبارها على تنشق غاز مخدر لفترة تسمح بتخديرها - أن تقاوم بكتم نفسها، وتقليل معدل وعمق تلك الأنفاس، وهو الأمر الذي يبدو منطقيا وبديهيا.

هناك عوامل أخرى أيضا قد تؤثر في سرعة عمل المخدر الاستنشاقي، مثل سرعة دوران الدم، ومعدل ضخ القلب له.

* هل هناك ما قد يحتج به البعض على وجهة النظر التي تقول باستحالة حدوث مثل هذه الجرائم؟
قد يدفع البعض أن الغاز المخدر قد يتم استنشاقه من خلال تلك البخاخات، أو المناديل المشبعة به في تركيزات أعلى من تلك الآمنة التي تصدر عن المبخرات التي نستخدمها في غرف العمليات، وهو أمر قد يكون صحيحا أو خاطئا فلم تتم دراسته فيما أعتقد.

كذلك قد يذكر البعض أن غياب الوعي درجات، وهؤلاء اللصوص لا يحتاجون إلا لبعض الدوار، وغياب بسيط للوعي كي ينفذوا ما يطمعون فيه، إلا أنه ورغم تلك الدفوع فالضحية تحتاج لأن تتنفس ذلك الغاز لبعض الوقت كذلك، ويستحيل أن تفقد الوعي بمجرد شهيق أو اثنين أو ربما عشر أو يزيد.

فقط قد يكون في الأمر بعض المنطق لو أن ذلك المنديل المشبع بالمخدر قد أجبرت الضحية على التنفس من خلاله لوقت غير قليل، وساعتها ستكون مقاومتها باسلة، وستضرب بأطرافها يمينا ويسارا، وستحاول الامتناع عن التنفس كذلك.


* هذه القصة الأسطورة ليست بجديدة
هذه الأسطورة للغاز السحري الذي يخدر مع أول أو ثاني استنشاق - برغم شيوعها الحالي - إلا أنها ليست جديدة، فقد بدأت مع اكتشاف واستخدام الكلوروفورم في التخدير، حيث ظهرت العديد من الشائعات التي عززتها خواص ذلك الغاز المذهلة في حينها من حيث قدرته السحرية على تغييب الوعي، بالإضافة إلى بعض روايات كتاب الأدب البوليسي، وخيال العامة المتقد، فانتشرت بينهم كجائحة قصصا عن عصابات تستخدم مناديلا مبللة بالكلوروفورم، فقط تضغطها للأنف والفم ومع أولى أنفاس الضحية يذهب وعيه، ليصبح هدفا سهلا لأي شيء تال كالسرقة أو الخطف.

بل إن هناك إدعاءات بالسرقة والخطف والاغتصاب بالاستعانة بالكلوروفورم تم إتهام مجرمين وأطباء بها، ووصلت للمحاكم، وثبت تهافت أغلبها، بل لن أكون مبالغا أن أقول أن ثقة بعض المجرمين في ذلك الغاز السحري مع عدم معرفتهم بحقيقة خواصه، قد جعلتهم يتورطون في جرائم محاولين استخدامه، وقد فوجئوا بأنه لا يعمل بنفس الكيفية التي تخيلونها، فوقعوا في شر أعمالهم، ونال منهم ضحايهم، أو تم إلقاء القبض عليهم.

هذه الشائعات والأساطير دفعت مجلة اللانسيت the lancet، وهي واحدة من أشهر المجلات الطبية حتى اليوم إلى نشر تحديا تحت عنوان (حاشية طبية، الكلوروفورم بين اللصوص) عام 1865، تم الإشارة فيه إلى هذه الخرافة، بل والإعلان عن تقديم مكانة علمية دائمة وصيت ذائع لمن يقدر على عرض تخدير لحظي باستخدام الكلوروفورم.

منذ ذلك الحين، وحتى اللحظة لم يستطع أحد أن يقدم ذلك العرض مستخدما الكلوروفورم أو أي من المخدرات الاستنشاقية التي تم ابتكارها حديثا.

اقرأ أيضا:
الولادة بدون ألم.. أسطورة الطب الحديث


المصادر:
Pharmacokinetics of inhaled anesthetics
The criminal use of chloroform
chloroform amongst thieves

آخر تعديل بتاريخ 18 ديسمبر 2016

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية