جذبت الكائنات الحية الدقيقة (المجهريات) التي تتعايش مع البشر الكثير من اهتمام البحث العلمي في الآونة الأخيرة، لما تبين من ارتباط العشرات من الحالات المرضية، ومنها السمنة والقلق على سبيل المثال، بهذه الكائنات.


في هذا المقال سنعرف لماذا يعتبر الميكروبيوم Microbiome موضوعًا ساخنًا للبحث العلمي في الوقت الحالي، وكيف يكون توازنه سببا في تحسن صحتك، وما هي الأمراض التي ترتبط باختلاله؟




* ما هو الميكروبيوم؟
تعتبر أجسادنا – سواء داخلها أو خارجها – موئلا لطيف واسع من الكائنات الحية الدقيقة، وبينما تعتبر البكتيريا اللاعب الرئيس من بين تلك الكائنات، إلا أن أجسادنا تستضيف أيضًا كائنات أحادية الخلية تعرف باسم الأركيا Archaea والتي تعني البكتيريا العتيقة، بالإضافة إلى الفطريات والفيروسات وميكروبات أخرى - بما في ذلك الفيروسات التي تهاجم البكتيريا.

ويطلق على مجموع تلك الكائنات الدقيقة اسم الميكروبيوتا البشرية Human Microbiota، أما مصطلح الميكروبيوم فهو يعني مجموع الجينات التي تحتويها الميكروبيوتا البشرية، ومع ذلك فإن المصطلحين غالباً ما يستخدمان بالتبادل.

وتمثل الميكروبيوتا البشرية طيفا، بعضها مُمْرِض، لكن البعض الآخر يصبح ضارًا فقط إذا تواجد في المكان الخطأ أو إذا ازدادت أعداده عن حد معين، بينما بعضها الآخر مفيد جدًا للجسم - مثال ذلك مساعدة البعض منها في تكسير السكريات الموجودة في حليب ثدي الأم، وهي سكريات لا يتم تكسيرها من قبل الرضيع، لذلك تقوم الميكروبات الموجودة في أمعاء الطفل بالمهمة.





* ولكن من أين جاءت الميكروبات المعوية؟
عندما نكون أجنة في أرحام أمهاتنا، فإننا نكون معقمين بلا ميكروبات، بينما يحدث تحول في الميكروبيوم الخاص بالأم – أثناء الحمل - ليصبح مزيجا مثاليا استعدادا للولادة، فإذا كانت الولادة طبيعية، وبينما نأخذ طريق الخروج إلى الدنيا، نحصل على جرعة من البكتيريا من قناة الولادة، وهي جرعة مهمة جدا لبدء عملية تكوين الميكروبيوتا لدينا.

أما إذا كانت الولادة قيصرية تبدأ الأمور في الاختلاف، وتشير الدراسات إلى احتمال أن تكون هذه الاختلافات أحد الأسباب التي تجعل أطفال الولادة القيصرية أكثر عرضة للإصابة بالربو والسكري من النوع الأول.

وخلال العامين الأولين من حياتنا تتغيّر ميكروبات الأمعاء بسرعة، حيث تزداد حصيلتنا من الميكروبات الموجودة في لبن الأم، كما تساهم البيئة وعوامل أخرى في تشكيل الميكروبيوم الخاص بكل منا، وتستقرّ الأمور عندما نصل إلى حوالي ثلاث سنوات.




* عوامل تؤثر على الميكروبيوم
لكن بيئتنا ونظامنا الغذائي الطويل الأمد والإجهاد والعقاقير التي نتناولها طوال حياتنا فيما بعد ذلك، تلعب دورًا أيضا مع تقدمنا في العمر، وهذا يعني أن الميكروبات يمكن أن تتغير طوال حياتنا، وفي العموم فإن نسبة الخلايا الميكروبية التي تتعايش معنا إلى الخلايا البشرية لدينا تدور حول نسبة 1.3: 1، وهذه النسبة لا تتضمن الفيروسات والجسيمات الفيروسية، والتي قد تجعل النسبة تصل إلى 10 خلايا ميكروبية لكل خلية بشرية.

* الاختلافات بين الميكروبيوم
تختلف مجتمعات الميكروبات التي توجد في كل جزء من الجسم كالجلد، والمهبل، والأمعاء عن بعضها البعض. ففي حين أن الميكروبات المعوية تكتسب الكثير من الاهتمام، إلا أن الميكروبات الموجودة في أماكن أخرى مهمة أيضًا، ففي الدراسات الحديثة، وجد العلماء أن البكتيريا الشائعة على الجلد قد تساعد في الوقاية من سرطان الجلد. كما يختلف الميكروبيوم الخاص بكل شخص عن الشخص الآخر، حتى لو كان يعيش في نفس المدينة، ويساعد هذا التباين في ميكروبات الأمعاء من شخص لآخر، في تفسير اختلاف استجابات الناس لنفس الأطعمة على سبيل المثال.



* الميكروبيوم والصحة والمرض
على مدى السنوات الأخيرة، تم ربط ميكروبات الأمعاء بشكل خاص بعدد كبير من الأمراض، من السكري إلى التوحد، ومن القلق إلى السمنة، كما تم ربط الميكروبات المعوية أيضًا باستجابات الأفراد لأدوية معينة، بما في ذلك كيفية استجابة مرضى السرطان للعلاج الكيميائي، كما يمكن ربطها أيضا بمدى جودة نومنا.

ولكن هل هناك ميكروبات معينة مهمة في الحالات المرضية تلك، أم أن الأمر يتعلق بالمجتمع الميكروبي لدينا ككل متكامل، هذه قضية معقدة، ففي بعض التجارب، ارتبطت سلالات معينة من البكتيريا بتأثيرات أو ظروف معينة، بينما أظهر البعض الآخر أن تنوع الميكروبيوم، أو الوفرة النسبية للأنواع، هو الأمر الأهم.

ففي حالة السمنة مثلا، هناك عدة طرق قد تؤثر بها الميكروبات المعوية على الأمور، بما في ذلك التأثير على الشهية، وإنتاج الغازات، وكفاءة استخدام الطعام، والتأثير على جهاز المناعة والالتهاب.

وعندما يتعلق الأمر بتأثير الميكروبيوم على المزاج، هناك أيضًا العديد من الآليات، أحدها عبر العصب الحائر، وهو طريق سريع ثنائي الاتجاه يمتد من دماغنا إلى أعضاء مختلفة في الجسم، بما في ذلك القناة الهضمية.

وقد أدى البحث في مجال الميكروبيوم إلى حدوث تقدم في علاج بعض الأمراض، فمثلا في حالة مرض C difficile - وهي عدوى تسبب الإسهال الشديد ويمكن أن تكون مميتة - يمكن للمرضى الآن أن يتم معالجتهم من خلال عمليات زرع البراز من متبرع ذي ميكروبيوم صحي "لإعادة ضبط" مجتمعهم الميكروبي الداخلي - وهو إجراء أظهر أنه علاج سريع للحالة. كما يعتقد بعض الباحثين، أن أبحاث الميكروبيوم يمكن أن تؤدي إلى تطوير علاجات جديدة للصحة العقلية.

وفي حين قد يكون هذا بعيدًا الآن بعض الشيء، يعتقد الباحثون أنه سيصبح من الأمور الروتينية أن يراقب الأطباء تركيبة ميكروبات المرضى، وأن الأدوية المشتقة من البكتريا أو الميكروبيوم هي مستقبل الطب الدقيق.


* كيف تحافظ على الميكروبيوم؟
وللحفاظ على الميكروبيوم في حالة جيدة ينصح بشكل عام بتناول غذاء صحي متنوع ومتوازن بين العناصر الغذائية المختلفة، وخاصة الأطعمة التي تحتوي على ألياف مختلفة كالخضروات والفواكه من جانب، ومن جانب آخر تناول الأطعمة التي قد تحتوي على بكتيريا نافعة كالزبادي أو اللبن الرائب والأطعمة المخمرة كالمخللات على سبيل المثال.

وما زالت الأبحاث تجرى في المجال لتسليط الأضواء على الآليات التي ترتبط بها الميكروبات بصحة الإنسان، وكيف ولماذا تؤثر سلالات البكتيريا المختلفة تأثيراً مختلفاً، بينما يقوم الباحثون أيضاً بتطوير دراسات لاستكشاف كيفية تأثير الميكروبيوم على تنوع استجابتنا للطعام، وكيف يمكن للحميات الغذائية المختلفة أن تعدل الميكروبوم.


المصادر
The human microbiome: why our microbes could be key to our health

آخر تعديل بتاريخ 23 يوليه 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية