لقد أثار صيام شهر رمضان لدى المسلمين اهتمام وعناية العديد من الباحثين الغربيين، فضلاً عن الباحثين والعلماء العرب والمسلمين، الذين رأوا في صيام شهر رمضان تغييراً ملحوظاً في السلوك الغذائي والمعيشي خلال فترة زمنية محددة تصل إلى 29 – 30 يوماً، وفي فترة زمنية يومية تصل إلى 17 ساعة، الأمر الذي يترتب عليه إحداث تغييرات فسيولوجية وحيوية في جسم الإنسان، بسبب طول وانتظام هذه الفترة، حيث تتجلى هذه التغيرات في القياسات الجسمية ومن أهمها وزن الجسم، ومكونات الجسم، ومكونات الدم، والتي من أهمها الغلوكوز والكوليسترول والدهون الثلاثية وحمض البوليك (Uric acid) وهرمون الليبتين (Leptin).
  • تأثير شهر رمضان على الجهاز الهضمي
للصيام علاقة وثيقة بالجهاز الهضمي، فرمضان من الناحية العملية هو الإمساك عن الطعام والشراب، أي امتناع الجهاز الهضمي عن أداء مهمته أو وظيفته منذ مطلع الشمس إلى غروبها، وهكذا يشكل الصيام راحة لهذا الجهاز لمدة تصل إلى 17 ساعة، يستطيع فيها التقاط أنفاسه، وترميم الكثير من أعطابه على مدى شهر كامل.

وهذا الجهاز الذي يستقبل الطعام ويهضمه ويحوّله ويقوم بعملية الامتصاص للعناصر المفيدة واللازمة منه، هو المسؤول إذن عن مشاعر الشبع والجوع والنهم والامتلاء، بل لهذا الجهاز نفسية خاصة به تعكسها مختلف أطواره من هياج وانتفاخ ومغص وعسر هضم.. إلخ، وهو أيضا نقطة الانطلاق أيضاً لكثير من أمراضنا، طبقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلّم: "المعدة بيت الداء".

وهكذا يستطيع الكل أن ينتبه مثلاً إلى فوائد عديدة للصيام:

- الصيام يحسن دائمًا عمليات الهضم لدينا، ولنسأل أنفسنا: ألسنا نمتنع تلقائيًا عن الأكل كلما أحسسنا بأن المأكولات التي التهمناها قد سببت لنا بعض المغص وعسر الهضم؟
ألسنا نشعر مباشرة بعد ذلك، أو بعد حين، بكثير من الراحة وبالتخلص من اضطراب الهضم ذاك؟

هذه ليست ملاحظتنا نحن فقط، بل هي حقيقة مؤكدة قام بتوثيقها العديد من الأطباء الذين جربوا العلاج بالصوم ومن بينهم الدكتور (تانرTanner) الذي عالج عسر هضم رافقه منذ الطفولة بالصوم وبالصوم فقط!

وقد أكد البروفيسور الروسي نيكولاييف بيلوي في كتابه "الجوع من أجل الصحة" عام 1976، أن على كل إنسان أن يمارس الصوم بالامتناع عن الطعام لمدة 3 - 4 أسابيع كل سنة كي يتمتع بالصحة الكاملة طيلة حياته.

كما يقول الدكتور، ماك فادون، وهو من الأطباء العالميين الذين اهتموا بدراسة الصوم وأثره: "إن كل إنسان يحتاج إلى الصوم، وإن لم يكن مريضًا، لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم، فتجعله كالمريض وتثقله، فيقل نشاطه، فإذا صام الإنسان تخلص من أعباء هذه السموم، وشعر بنشاط وقوة لا عهد له بهما من قبل".

- كذلك فإن الصيام يساعد المعدة المريضة على الشفاء من خلال الحد من الإفرازات الحمضية بسبب انعدام الطعام، حيث يمكن أن يستفيد الغشاء المخاطي المتضرر والمتألم من فترة الراحة، فضلاً عن مساعدته في التئام الجروح الصغيرة في المعدة والقناة الهضمية، ويساعد على ترميم الأجزاء المهترئة.

- وأثبتت إحدى الدراسات التي أجريت في مجمع الملك حسين الطبي في الأردن، على الصائمين لمعرفة تأثير الصوم على جهازهم الهضمي، أن حموضة المعدة تنتظم مع الصوم، وذلك نتيجة حدوث تغيرات هرمونية وبيولوجية أثناء الصوم تؤدي إلى تحسين جدارها المخاطي وتقوية جهازها المناعي والبنائي، وبالتالي تساعدها في التخلص من الالتهابات والتقرحات المزمنة.

وبالطبع، عندما تقل إفرازات المعدة، وتتجدد الخلايا، وتتمكن الغدد المخاطية من استعادة قدرتها على إفراز المواد المخاطية التي تغلف الغشاء المبطن للقناة الهضمية، كل هذا يوفر فرصة سانحة للتخلص من مشاكل مثل ارتجاع المريء وتقرحاته، بل إن حجم فتق الحجاب الحاجز يمكنه أن يتغير ليكون أصغر، مما يعني أعراضًا أقل ومشاكل أقل في المستقبل.

- كذلك لا يستثني الصيام الأمعاء من هذه الراحة الضرورية، حيث تكون بدورها مسرحاً لعمليات تنظيف وتطهير متواصلة من السموم والنفايات والفضلات، كما يساعد على التقليل من الاضطرابات الهضمية والغازات المتكونة والمحبوسة في تجويف الأمعاء.

ويحضرني ما قاله الدكتور شلتون، أحد رواد العلاج بالصوم: "إن المعدة العليلة أو الضعيفة تستفيد من فترة الراحة التي يتيحها لها الصوم فتحسن من مستوى وظيفتها وترفع من نشاطها وتعود بعد الصوم إلى العمل بحيوية أكثر"، ويتحقق كذلك ما أشار إليه الدكتور ديوي: "إن الصوم يعتبر بمثابة راحة استشفائية، فالراحة قد لا تشفي من كسر في العظم ولا جرح من الجروح، ولكنها تهيئ جميع الظروف اللازمة للشفاء".
وهذا بالضبط ما تستفيد منه أيضاً المعدة ويستفيد منه الجهاز الهضمي خلال رمضان.

- الصيام يخفف أيضًا من الجهد الذي يبذله البنكرياس خلال عمليات الهضم، حيث تقوم بإفراز العديد من الإنزيمات الهاضمة، وهذا بدوره يساعد على علاج البنكرياس من بعض الأمراض مثل التهابات البنكرياس الحادة والشديدة، حيث يوصى المريض بالامتناع عن الأكل والشرب لمدة 48 – 72 ساعة أو أكثر لتوفير الراحة للبنكرياس.

- كما أن الصيام يفيد كثيراً في تحريك الدهون المخزونة في الكبد، مما يحسن حالات الكبد الدهني، بل وتتحسن إنزيمات الكبد وتقل معدلات تعرضه للمواد السامة والنفايات والأدوية، مما يعطيه الفرصة الجيدة للاستشفاء وتجديد الخلايا وتعويض التالف منها.

إذن ما يجمع عليه الأطباء كلهم هو أن في الصيام فائدة قصوى للجهاز الهضمي، لكنها لا تطفو على السطح ولا يلمسها كثير من الصائمين والصائمات، بسبب الانحراف عن الأهداف الصحية الحقيقية لرمضان، وبسبب العادات الغذائية السيئة والإفراط في الأكل الذي يقبل عليه بعضهم في رمضان.

لذا، فإنه، وللأسف الشديد تظهر خلال رمضان كثير من مشاكل الجهاز الهضمي، فعدد كبير من المرضى يحتارون في الحسم في قضية صيامهم أو إفطارهم، حيث يتوجسون العديد من المضاعفات التي قد تختلف حتمًا من مرض لآخر، لذلك فقد اعتاد الأطباء فحص حالات مرضاهم واحدة بواحدة لاتخاذ القرار الصائب.
آخر تعديل بتاريخ 20 مايو 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الوطنية الأمريكية