إذا كان لنا أن نطلق على العقد الحالي اسماً، ربما سيكون من المناسب أن نسميه عقد وسائل التواصل الاجتماعي. في عام 2016 وصل عدد حسابات فيسبوك إلى أكثر من 1.7 مليار حساب، وهو ما يتجاوز عدد سكان الصين الذين يقارب عددهم 1.4 مليار نسمة.

وبينما احتلت الولايات المتحدة المركز الأول في عدد مستخدمي فيسبوك عالميا، جاءت مصر في المركز الأول عربياً طبقاً لعدد مستخدمي فيسبوك، تليها الجزائر ثم العراق. هذه الوسائل خلقت عالماً آخر من طرق التواصل، وأنشأت مساحات جديدة للعلاقات، والتعامل بين البشر.

ربما يثير وجود هذه الوسائل بعض التساؤلات عن تأثيرها على الحياة الاجتماعية والتواصل الطبيعي بين الناس، وقد يدفع هذا البعض إلى الحديث عن ضرر محقق قد يتسبب فيه استخدام هذه الوسائل. لكن يبدو أن الأبحاث العلمية تحمل أخبارا سعيدة لمحبي وسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها فيسبوك، وقد تثبت هذه الأبحاث لهذه الوسائل فائدة أكبر من مجرد كونها وسيلة إشباع لحاجة التواصل البشري.
  • وسائل التواصل الاجتماعي تقلل من خطر الوفاة
فقد أكدت دراسة نشرت حديثاً أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بانخفاض خطر الوفاة. الدراسة التي نشرت في شهر نوفمبر الماضي في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم Proceedings of the National Academy of Sciences تساءلت: إذا كان من المعروف طبقا للأبحاث أن البشر الذين يملكون شبكات علاقات اجتماعية وأصدقاء يعيشون لمدة أطول نظرا للدعم النفسي والاجتماعي الذي يحصلون عليه من هذه العلاقات والذي يؤدي إلى نتائج صحية أفضل، فهل ينطبق هذا على التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت كذلك؟

لفحص هذا السؤال قام الباحثون بفحص السجلات الحيوية العامة للمواطنين في كاليفورينا لمقارنة اثني عشر مليون مستخدم لفيسبوك مقابل هؤلاء الذين لا يستخدمونه. استخدم الباحثون النماذج الإحصائية لتقييم ما إذا كان استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بطول العمر. وجدت الدراسة أن استقبال طلبات الصداقة عبر فيسبوك يرتبط بانخفاض الوفيات، لكن قبول هذه الطلبات لا يرتبط بهذا بالضرورة.

وجدت الدراسة أيضا أن بعض التصرفات التي تشير إلى نشاط اجتماعي يشبه العلاقة المباشرة مثل نشر الصور يرتبط أيضا بانخفاض خطر الوفاة.

خلصت الدراسة إلى أن العلاقات الاجتماعية عبرالإنترنت قد ترتبط باحتمالات أقل لحدوث العديد من المشاكل الصحية التي قد يكون بعضها خطيرا. بصفة عامة، يقول الباحثون إن خطر الوفاة يعد أقل لدى الذين يمارسون نشاطا اجتماعيا حقيقيا وواقعيا، وقدرا معتدلا من التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت. قد تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة لفهم كيف يمكن استخدام هذه الشبكات الاجتماعية لتحسين مستوى الصحة النفسية والجسدية في المجتمعات المختلفة.

هذه النتائج عززتها نتائج دراسة أخرى نشرت في العام نفسه. الدراسة التي تم نشرها في مجلة التواصل من خلال الكمبيوتر Journal of Computer-Mediated Communication حاول فيها الباحثون أن يقيموا العلاقة بين التفاعل عبر الإنترنت والصحة النفسية من خلال دراسة مجموعة من النظريات المتعلقة بالدعم والعلاقات الاجتماعية. هذه المرة أكدت النتائج أن الآثار الإيجابية للتواصل الاجتماعي عبر الإنترنت ترتبط بشكل رئيسي بطبيعة التفاعل والدائرة التي يخرج منها التفاعل الذي يتم عبر هذه الشبكات. فاستقبال التفاعل من الأشخاص الذين يرتبط بهم المرء في دائرة علاقاته القريبة والقوية يختلف عن التفاعل من غيرهم. كما أن استقبال مجرد ضغطة زر واحدة يختلف كثيراً عن التواصل الشخصي الذي يبذل فيه الشخص الآخر جهدا حقيقيا. استنتج الباحثون من هذه النتائج أن التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية على الصحة النفسية لمستخدمي هذه الوسائل، طالما جاء هذا التفاعل من الأشخاص الذين يهتمون بهم، والذين وجهوا لهم هذا التفاعل بشكل خاص.

دراسة ثالثة حاولت بحث الفارق في السمات الشخصية والصحة النفسية بين مستخدمي فيسبوك والذين لا يستخدمونه. نتائج الدراسة المنشورة في مجلة بلوس وان PLoS One أشارت إلى أن مستخدمي فيسبوك سجلوا نتائج أعلى في مستوى النرجسية والثقة بالنفس والانفتاح على العالم بالمقارنة مع هؤلاء الذين لا يملكون حسابات على هذه المنصة. في المقابل أظهرت النتائج أن الذين لا يستخدمون فيسبوك لديهم أعراض اكتئاب بنسبة أكبر، وهو ما يدعم الرأي القائل بأن استخدام منصات التواصل الاجتماعي ربما يمثل وسيلة هامة لحماية الصحة العقلية والنفسية لمستخدمي هذه الوسائل.
  • دراسات ونتائج مغايرة
لكن يبدو أن الجميع قد لا يتفق مع هذه النتائج، فالدراسة التي نشرت مؤخرا في المجلة الأميركية لعلم الأوبئة American journal of epidemiology أكدت العكس. حيث وجد الباحثون في هذه الدراسة أنه بصفة عامة يرتبط استخدام فيسبوك عكسيا مع الصحة النفسية ليس فقط في الحاضر، ولكن ربما في المستقبل كذلك، وهو ما يختلف كليا عن التفاعل الحي المباشر الذي يرتبط بشكل مؤكد بهذه الصحة. هذه النتائج دفعتهم إلى نصح مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بالحد من استخدام هذه الوسائل، والتركيز على علاقات حقيقية في العالم الفعلي بدلا من العالم الافتراضي.

هذا الرأي عززته أيضا دراسة سابقة نشرت عام 2014 في مجلة الكمبيوتر عن سلوك الإنسان Computers in Human Behavior، التي رأت أنه كلما طالت مدة بقاء الشخص على فيسبوك، كلما زادت احتمالات التأثيرات السلبية علي حالته المزاجية مستقبلا، وهو ما عزته الدراسة إلى إحساس الأشخاص بأن وقته يضيع هباء بلا قيمة، خاصة مع اعتقاد البعض أن استخدام فيسبوك قد يحسن حالتهم المزاجية، وهو ما لا يحدث في الواقع.

هذه التأثيرات هي التي دفعت الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال إلى خلق مصطلح "اكتئاب فيسبوك" الذي عرفته على أنه "الاكتئاب الذي يحدث عندما يقضي الأطفال والمراهقون وقتا طويلا على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، ومن ثم تبدأ أعراض الاكتئاب الكلاسيكية في الظهور". هذه الحالة قد تظهر بشكل خاص في الأشخاص الذين يقارنون أنفسهم بالآخرين على هذه الشبكات، وتتأثر بالعديد من العوامل، فهي تزداد بشكل عام في النساء وفي الأشخاص العصابيين.
  • إذا ماذا نفعل؟ هل نتواصل عبر فيسبوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي أم لا؟
مازالت النصيحة القديمة صالحة، استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قد يعزز العلاقات الإنسانية والصحة النفسية إذا تم باعتدال، ودون أن يطغى علي العلاقات الواقعية في الحياة. أما إذا كنت مدمنا لهذه المواقع فربما حان الوقت لتتخلى عنها لبعض الوقت، وتجرب الصداقة الحقيقية بكل ما يمكن أن تضيفه هذه الصداقة إلي حياتك من معنى.

اقرأ أيضا:
هل أنت مدمن؟
الإدمان كظاهرة إنسانية
إدمانات مسكوت عنها.. لها خطورتها
العائلة والأصدقاء لمقاومة القلق والضغوط




المصادر:

emarketing reports
The Relationship Between Facebook Use and Well-Being Depends on Communication Type and Tie Strength
How to avoid feeling depressed on Facebook
Comparing Facebook Users and Facebook Non-Users: Relationship between Personality Traits and Mental Health Variables – An Exploratory Study
Facebook’s emotional consequences: Why Facebook causes a decrease in mood and why people still use it
Association of Facebook Use With Compromised Well-Being: A Longitudinal Study


آخر تعديل بتاريخ 8 فبراير 2017

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية