ظاهرة تبدل التوصيات الطبية.. كيف نواجه هذه الحيرة؟

ما زلت أذكر المقالات والمحاضرات التي كانت قبل حوالى نصف القرن تحذرنا من أكل البيض، ذلك لأن البيض يحتوي نسباً عالية من الكولسترول، والكولسترول - كما كان يعتقد - هو السبب الرئيسي وراء حدوث تصلب الشرايين في القلب والدماغ، وبالتالي وقوع الوفيات بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.

* تبرئة الأغذية المتهمة

أما اليوم، وبعدما صرنا نعرف أن الكولسترول ليس مركباً واحداً، فمنه الجيد HDL، ومنه السيئ LDL؛ وأن هناك عوامل أكثر خطورة من الكولسترول في تشكيل تصلب الشرايين (العصيدة الشريانية)، مثل التدخين وارتفاع الضغط؛ وأن صفار البيض يحتوي - بالإضافة للكولسترول - نسباً عالية من البروتينات المفيدة، ومادة الكولين الضرورية للذاكرة، ومجموعة هامة من الفيتامينات ومضادات الأكسدة والمعادن الطبيعية؛ وأن كمية الكولسترول الموجودة في البيضة الواحدة لا تتجاوز الحد الأدنى المسموح به يومياً من هذه المادة، أقول أما اليوم، فنجد أن مؤسسات التغذية الصحية تحث على تناول البيض من جديد (ولو أنها لا تحبذ استهلاك أكثر من بيضة إلى بيضتين في اليوم الواحد).

وما ذكرناه عن البيض يمكن أن نعرضه بشكل أو آخر عن أطعمة أخرى، فالقهوة التي اتهمت منذ عقود بأنها السبب في اضطراب نظم القلب وارتفاع الضغط الشرياني، لا تمل المصادر الصحية اليوم عن ذكر دورها في تنشيط عمليات الأيض في الجسم، وتنشيط الذاكرة، وحتى منع حدوث الخرف لدى المسنين.

والبهارات والأطعمة الحريفة التي كان يعتقد أنها وراء التهاب المريء والمعدة والتقرحات الهضمية، صار معروفاً اليوم أنها غنية بالمركبات الطبيعية المضادة للالتهاب والمنشطة للتفاعلات البيولوجية في الأنسجة.

وما كان ينصح به من عقود بتحويل الدهون المشبعة إلى عديدة اللا إشباع، غدا أمراً غير مقبول، بعدما تبينت أخطار هذا التحويل الكيميائي على الصحة، وما كان يقال عن فوائد سحب الكافيين من القهوة والشاي أصبح الآن أقل قبولاً، بعدما تبين أن لعملية نزع الكافيين أضراراً صحية لا يستهان بها.


* والعقاقير أيضاً تنتقل بين دوائر البراءة والاتهام
ولا تختلف مشكلة تبدل الرأي الطبي بالنسبة للعقاقير كثيراً عما ذكرناه عن الأطعمة، فعندما اكتشف الأسبرين منذ حوالى القرن، اعتقد أنه العقار صانع الأعاجيب، وصار يستخدم لكل علة مسببة للألم دون تحسب للجرعة، ثم تبين خطر الأسبرين في حدوث النزف الهضمي، ما حد من استخدامه بشكل واسع، وعندما ثبتت، منذ بضعة عقود، فائدة الأسبرين في منع تراص الصفائح الدموية وتشكيل الخثرات (الجلطات)، عاد الأطباء يصفونه على نطاق واسع للوقاية من النوبات القلبية والسكتات الدماغية، بعدما حددوا الجرعة، واكتشفوا طريقة تغليف الحبة بغلاف خاص يمنع امتصاصها في المعدة.

كذلك لما تبين للأطباء دور ترقق العظام في إحداث الكسور العظمية، خاصة لدى النساء المتقدمات في السن، نصحوا المسنات بتناول حبوب الكالسيوم بلا تحفظ، للوقاية من الكسور وما تقتضيه من المكوث في الفراش فترات طويلة، لكن تبين اليوم أن استهلاك الكالسيوم بجرعات كبيرة يترافق مع خطر حقيقي ناجم عن حدوث الاحتشاءات القلبية.

وما زلت أذكر توصية أستاذة الأمراض النسائية لما كنت طالباً في الجامعة الأميركية ببيروت بإعطاء الهرمونات النسائية لكل سيدة تخطت سن الأياس (لتعويض النقص الهرموني لديها في هذا العمر)، لكن الأطباء اكتشفوا منذ عقود قليلة أن الهرمونات النسائية تزيد من احتمالية الإصابة بسرطان الثدي، والخثار (الجلطات) الوريدي في الساقين، ما جعلهم يتحفظون من طريقة التعويض بالهرمونات الصناعية.

ويمكن أن نذكر في نفس السياق تحفظ المراكز الطبية اليوم من وصف بعض خافضات الكولسترول، لما اكتشفت مضاعفاتها في التسبب في الآلام العضلية؛ وإحجام الأطباء هذه الأيام عن وصف السيلدينافيل (فياغرا) للقاصي والداني وبدون اعتبار للجرعة، لما عرف أنه لا يخلو من مضاعفات خطرة بالنسبة لبعض المرضى؛ وإعادة النظر في وصف الفيتامينات المتعددة وقائياً وبشكل عشوائي، لأن الجرعات العالية من بعض الفيتامينات لا تخلو من مضاعفات جانبية.


* لماذا يتبدل الرأي الطبي والنصيحة الطبية؟

ما وراء ظاهرة تبدل الرأي الطبي والنصيحة الطبية مع تقدم الزمن؟ وإذا كان الطب واحداً من العلوم المهنية، فهل يعقل أن تتبدل نظرته للأمور من فترة لأخرى؟ هناك ثلاثة عوامل تساهم - برأيي - في خلق هذه الظاهرة. 

- العامل الأول
هو أن العلوم - كل العلوم - دائمة التطور، وما هو معروف اليوم قد يتبدل مع اكتشاف حقائق جديدة، تماماً كما أصبحنا اليوم نعرف أن الضوء لا ينتشر بخط مستقيم (بل بموجات متناهية في الصغر)، وأن الذرة ليست أصغر جزء في الأجسام (لأن العلماء تمكنوا من تجزئتها).

فعندما كان الأطباء ينصحون بالتقليل من أكل البيض، لم يكن معروفاً أن الكولسترول هو واحد من عدة عوامل لتشكيل تصلب الشرايين (العصيدة الشريانية) ليس إلا، كما لم يكن معروفاً ما يحتوي البيض من عناصر غذائية مفيدة وهامة، وعندما توقف الأطباء عن وصف الأسبرين لتأثيره السلبي على غشاء المعدة وتسببه في النزف الهضمي، لم تكن معلومة بعد خاصيته في منع (الجلطات) خثرات الاحتشاءات القلبية من التشكل.

- العامل الثاني
هو أن التجربة قد تكشف أموراً كانت من قبل مخفية، فتأثير القهوة الحميد على تقوية الذاكرة وتأخير الخرف، وتأثير الهرمونات النسائية السيئ في التأهيب لسرطان الثدي، لم يعرفا إلا بعد عقود من التجربة.


- العامل الثالث
تدخل النواحي التجارية/ الاقتصادية في ترويج سلعة غذائية أو دوائية، وإقصاء سلعة أخرى، إذ اكتشف مثلاً أن الحملة الشرسة ضد أكل البيض - على مدى عقود - كانت تمولها الشركات الأميركية المصنعة لرقائق القمح والشوفان (كورن فليكس) التي تشكل فطور الصباح الأساسي (المنافس للبيض) في الولايات المتحدة وكثير من الدول الغربية.


كما أن انتشار الفياغرا الواسع والذي أدى لظهور المضاعفات نتيجة سوء الاستعمال، كان بسبب الحملة الدعائية التي قامت بها الشركة الصانعة "فايزر"، والتي لم يجر لها مثيل في تاريخ تصنيع الأدوية.

* بوصلتك في بحر الالتباس
ماذا عسى الناس - ماذا عسانا أنا وأنت - أن نتصرف إزاء هذه الظاهرة؟ ظاهرة تغير التوصيات الصحية فيما يخص الغذاء والدواء مع مرور الزمن، وكيف لنا أن نحمي أنفسنا من عواقب تبدل الرأي الطبي الناتج عن تطور المعلومات الطبية، أو عبث العابثين؟


- أولاً يجب أن نعترف أن الوقائع العلمية دائمة التغير بتقدم المعرفة، وعلينا أن نسمح للمعطيات الصحية أن تتبدل وتتغير مع تطور الاكتشافات العلمية، ومع التجربة.


- ثانياً علينا أن نتسلح بمبادئ تخفف عنا الضرر الحاصل من هذه الظاهرة قدر المستطاع:

1. ومن هذه المبادىء - التي لا يمكن أن تتبدل مع تقدم الزمن - الاعتماد على المصادر الطبيعية للغذاء، والوسائل الطبيعية للمعالجة، وتفضيلها على المصادر المصنعة والمعدلة من قبل الإنسان، فبيض ولحوم المزارع الطبيعية خير من بيض ولحم الدجاج المعد في الدواجن، والخضار والفواكه العضوية خير من تلك المعدة في البيوت الزجاجية والمعالجة بالهرمونات، وأعشاب البلادونا خير من الأدوية المحضرة كيميائياً لمعالجة الإسهال.


2. ومن هذه المبادىء الاعتدال في كل ما نتخذ من مواقف تجاه التوصيات الطبية، فإذا نصحنا بالابتعاد عن الدهون المشبعة في الطعام مثلاً، فهذا لا يعني ألا نتناول بعض الحلوى بين الفينة وأخرى؛ وأذا قرأنا عن الفوائد العظيمة للخضار والفواكه، فهذا لا يعني أن نقصر طعامنا على هذه الزمرة من الأطعمة؛ وإذا سمعنا عن ميزات حبة الأسبرين الوقائية، فهذا لا يعني أن الفائدة تتضاعف مع زيادة عدد الحبوب المتناولة من هذا الدواء.


3. ومن هذه المبادىء عدم الإسراع والتهور في كل ما نسمعه ونقرؤه في التقارير الصحية قبل التثبت من صحته من أكثر من مصدر وأكثر من طبيب.  


4. ومن هذه المبادىء - أخيراً - تفضيل الدواء الذي ثبتت فائدته خلال عقود من الزمن على الدواء الذي صدر حديثاً للأسواق، ولو روجت له الشركات أو الهيئات الرسمية، فسلامة العقار وفعاليته لا تثبتان إلا بقدم العهد وطول الاستخدام.

آخر تعديل بتاريخ 28 مايو 2016

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية