لعل إقناع الأطفال ومحاولة جمعهم حول منضدة الطعام يعد عملًا شاقًا، وبالتالي المحافظة عليه بشكل يومي أو روتيني يعتبر تحديًا صعبًا للغاية، إلا أن الاجتماع على الطعام (أو كما نقولها بلغة دارجة لمّة العيلة) قد يكون ذا فائدة جمة، خاصة للأطفال وللمراهقين.

تلفت كاثرين لايب - أخصائية التغذية وخبيرة الشؤون العائلية لدى موقع (The Luna Hive) – النظر إلى أهمية العلاقات العائلية، وخاصة في موضوع الاجتماع على مائدة الطعام، وستشاركنا بعض النصائح القيمة في كيفية تشجيع أطفالنا على مشاركتنا الطعام بصورة يومية:
* لماذا يعتبر الاجتماع العائلي على الطعام أمرًا مهمًا؟
بعيدًا عن كون الجلوس سويًا على مائدة الطعام يعد حدثًا اجتماعيًا بامتياز، ومجالًا جيدًا للتواصل وتبادل الحوارات والآراء والأخبار بين أفراد العائلة، كما أنها فرصة رائعة لبناء جسور الثقة بيننا وبين أبنائنا، وتحفيزهم على تناول أكلات مختلفة وغريبة من مختلف أنحاء العالم.

يقول الباحثون بأن أفضل الطرق لتشجيع الأطفال على تجربة أكلات جديدة هي:
- تكرار تجربة
تكرار فرصة تجربة أكلات جديدة قد يساعد الأطفال على استساغة الأطعمة والمذاقات الجديدة، ولكن عليك عرض الطعام عليهم بصورة مستمرة من دون الضغط عليهم لتناوله، ومع الوقت سيستطيعون تقبل الأكلات الجديدة.



- الاجتماع العائلي يمنحك فرصة أن تكون قدوة حسنة لأبنائك
رؤية أطفالك لك تقوم بتجربة أنواع مختلفة من الطعام باستمتاع وحب للاستكشاف، وتناول وجبات غذائية متوازنة وصحية وبكميات معقولة وغير مفرطة، سيمنحهم إحساسًا بالطمأنينة والثقة في أن يقوموا بالأمر ذاته حين يكبرون، ويكون لديهم الفرصة لاتخاذ القرار، ولا تقتصر القدوة الحسنة على الأمور الإيجابية فقط.. فتفادي العادات السيئة أثناء الطعام مثل تصفح الهواتف النقالة، أو مشاهدة التلفاز، أو الإفراط في تناول أطعمة ومشروبات غير صحية، أيضًا سيمنح الأطفال مثالًا يحتذون به في حياتهم اليومية.

* ماذا يحدث حين تتفرق العائلة ويأكل كل فرد فيها بشكل منفصل؟
كما أن الأشياء تعرف بضدها، فإذا أردنا أن نعرف أهمية اجتماع العائلة على الطعام فعلينا معرفة مساوئ تناول أفراد العائلة لطعامهم بشكل منفصل؛ فالأطفال حين يأكلون وحدهم، كلٌ في غرفته، أو يزاول نشاطًا مختلفًا عن الآخر.. فهذا مثلًا يقرأ في مجلة، وهذا يتصفح جواله، وهذا يأكل في غرفته وهكذا، فإن الأطفال يفقدون ميزة التواصل الاجتماعي والتواصل العائلي الذي يحدث أثناء الطعام، وقد لا يتسنى لهم أن يحظوا بمثل هذه الفرصة التي تقوم العائلة فيه بالفعل ذاته في نفس الوقت.. فعادة ما يكون لكل فرد عمله ونشاطه اليومي، سواء الدراسي أو الترفيهي، أما الطعام فهو نشاط يقوم به جميع أفراد العائلة في نفس الوقت تقريبًا.

وأيضًا انشغال الأطفال بمطالعة إحدى المجلات أو مشاهدة التلفاز أو تصفح الإنترنت أثناء الطعام قد يشغلهم عن التركيز فيما يأكلون، أو محاولة استطعام الأكلات المختلفة، وسيكون جل تفكيرهم منصبًا فيما يشاهدون من تلفاز أو إنترنت، وساعتها سيفقدون ميزة التواصل مع الأهل وتبادل الخبرات، والتحدث عن الأكلات وطعمها، ومدى استطعام الإنسان لهذا الطعام، وجعله مألوفًا لديه.


ولا يقتصر الأمر فقط على عدم استطعام الأطباق التي يتناولونها، بل إن انشغال الأطفال عن أطباقهم بمشاهدة شيء خارجي يجعل عقولهم منشغلة بأمور أخرى خارج مائدة الطعام؛ مما قد يتسبب في إفراطهم في تناول الطعام فوق احتياجهم، وعدم إحساسهم بالوقت أو الشبع، وهذا يعد أحد أسباب السمنة في عصرنا الحديث.

ولذا فإن اجتماع الأطفال على مائدة الطعام مع الأهل يسمح لهم بالتركيز فيما يتناولون، ومضغه بطريقة جيدة، واستطعام الأنواع المختلفة للمأكولات، وإضافة بعض البهارات أو بعض الصلصات المختلفة التي قد تضفي على الطعام مذاقًا أفضل، وتمنحهم الفرصة للحكم وتذوق الأطعمة المختلفة، وتناول كميات من الطعام بشكل صحي ومتوازن.

* كيف تصل إلى هذه الصورة الجميلة من التفاف العائلة حول مائدة الطعام؟
بعد أن أدركنا أهمية اجتماع العائلة على مائدة واحدة أثناء تناول الطعام لأسباب عدة أسلفنا ذكرها، تظل مهمة إقناع الأطفال كثيري الغضب والمراهقين خاصة متقلبي المزاج منهم، أمرًا صعبًا وشديد الإرهاق بالنسبة للوالدين، إلا أن هناك بعض النصائح والإرشادات التي قد تساعدكم في هذا الأمر، وتجعل وقت اجتماع العائلة على الطعام وقتًا مميزًا ومحبوبًا:
1- اجعله أمرًا روتينيًا
اجعل فكرة تناول الطعام سويًا أمرًا معتادًا وشبه يومي، أو حتى أسبوعي قدر المستطاع، وقد يكون تناول الطعام بشكل يومي أمرًا صعبًا مع زيادة أعباء الحياة، ووجود أبناء في الجامعة أو عمل الوالدين، وانشغال جداولنا اليومية بشكل كبير، مما يثقل كاهلنا ويجعل التزامنا باجتماع يومي أو عدة مرات يوميًا أمرًا صعباً إن لم يكن مستحيلًا، ولذا فإن المحافظة على الاجتماع بشكل شبه يومي، أو على الأقل مرة أسبوعيًا في وقت محدد، يعد أمرًا جيدًا، وليس شرطًا أن يكون الاجتماع على الغداء أو العشاء، فمن الممكن أن يكون إفطارًا في يوم عطلة نهاية الأسبوع.. ليتسنى للجميع الحضور والمشاركة بسهولة، وبالطبع أنت أدرى بظروف عائلتك وبالأوقات الأنسب.. المهم أن تحافظ عليها بشكل منتظم، وحتى لو لم تكن بشكل يومي، فمرة أسبوعيًا حتمًا ستكون أفضل من لا شيء.


2- اعط أولادك بعض المسؤوليات
من الممكن أن تشرك أبناءك في اختيار قائمة الطعام الخاصة بهذا اليوم، فحين تمنح كل عضو في الأسرة فرصة اختيار نوعية الطعام، وشكل الوجبة التي يود تناولها في هذا اليوم، أو الأسبوع، وكذلك اختيار إناء للطعام المناسب لهم سيجعلهم أكثر حرصًا على حضور هذه المناسبة العائلية، وستشجعهم على الاستمرار، وحب الجلوس إلى مائدة الطعام الأسرية ليتناولوا طعامهم سويةً من دون أن يتسلل إليهم الإحساس بالإرغام والإجبار على فعل ذلك، وحتى يمكنهم المشاركة أكثر من هذا بأن تسند إليهم مهام تحضير بعض من الأطباق أو شراء بعض مكونات هذا الطعام، فتكون عملية تحضيره أمرًا جماعيًا ممتعًا.

3- حضّر وجبة لتأكلوها سويًا خارج المنزل
قد يتعذر على بعض الأطفال حضور جلسات الإجتماع العائلي نظرًا لكثرة الأنشطة والمشاغل الدراسية التي يقومون بها أثناء اليوم، فيمكنك حينها أن تقوم بتحضير وجبة طعام لك وله وتقوم بتغليفها واصطحابها معك، وتقوم بحضور نشاط معين له، مثل نشاطه الرياضي أو الفني، ثم تتناولون الطعام الذي حضرته في المنزل، وتتناولون سويًا في النادي الذي يلعب فيه أو في ساحة المسرح الذي يمارس فيه نشاطه، أو في أقرب حديقة من هذه الأماكن، لا بد أن حديثكما ساعتها سيكون ممتعًا ومفعمًا بالحماسة والود والفكاهة في بعض الأحيان.



4- ضع حدودًا لبعض الأمور
من الممكن أن ترسي بعض القواعد أثناء الطعام، فتتفقون مثلًا على تجنب مشاهدة التلفاز أو استعمال الهواتف النقالة أثناء الجلوس على المائدة، كما يمكنكم كتابة هذه القواعد والنصائح في صالة الطعام ليتذكرها الجميع، فتكتب مثلًا في بداية الورقة من فضلكم، وتختمها بكلمة شكرًا لتفهمكم، مثل: لطفًا أغلق الإجهزة الإلكترونية، أو غير هذا من العبارات، وكذلك فإن العبارات التحفيزية مثل: عليك أن تجرب نوعا واحدا جديدا من الطعام في كل مرة نجتمع فيها، وغير هذا من العبارات التي تحتوي على التحدي والتشجيع في نفس الوقت قد يكون لها أثرٌ جيد. إن كل ما سبق يجعل لموعد اجتماع الأسرة على الطعام معنىً مختلفًا، وروحًا متجددة، وأوقات محببة وممتعة لدى الجميع، وسيخلق حرصًا لديهم لحضور مثل هذه المناسبات الإجتماعية بشكل دوري، وستنتقل بعد ذلك إلى الأجيال القادمة.

** وختامًا
لا شك في أن جلوس العائلات بشكل دوري مجتمعة يساعد في مواكبة مشاكل الأبناء، وخاصة في سن المراهقة، والمعرفة أكثر عما يواجهونه من تحديات ومواقف أثناء يومهم، ولقد أثبتت الدراسات أن اجتماع العائلة خاصة في أوقات الطعام يحسن من سلوكيات الأبناء الاجتماعية، ويزيد من مهاراتهم الشخصية في تكيفهم مع المجتمع، سواء كان في المدرسة أو الجامعة، ويقلل من السلوكيات السلبية.
آخر تعديل بتاريخ 13 أبريل 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الوطنية الأمريكية