كل منا يحب لنفسه ولأطفاله قامة طويلة ممشوقة، وزاد هذا الأمر مع وسائل الإعلام والأفلام التي دائما تصور البطل طويل القامة قوي العضلات، فأصبح الأهل أكثر حرصا على قياس طول أولادهم باستمرار رغبة منهم ليس فقط في الحفاظ على صحتهم العامة بل في القوام الجميل.

ولكن للأسف ليس كل ما يتمناه المرء يجده، فبالرغم من أن أطوال الناس عامة قد زادت في الدول الغنية فقد ارتفعت نسب قصر القامة في الدول الأقل ثراء، وبلغ عدد قصار القامة حول العالم 155 مليون طفل تقريباً، وهو عدد كبير بالفعل، ومعظمهم، للأسف، في أفريقيا وآسيا. وتشير بعض الدراسات إلى أن التقزم الغذائي يصل في بعض الدول العربية إلى 38% من إجمالي عدد الأطفال، فالمشكلة إذا تحتاج من الآباء والمجتمعات إلى تحرك سريع.



* قصر القامة هو أحد أشكال سوء التغذية
سوء التغذية هو بالأصل مصطلح كبير يشمل أربعة اشكال:
1. نقص الوزن بالنسبة إلى الطول ويسمى الهزال.
2. ونقص الوزن بالنسبة إلى العمر.
3. نقص الطول بالنسبة للعمر ويسمى التقزم.
4. زيادة الوزن والسمنة والأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي مثل أمراض القلب وداء السكري.

* ما هو قصر القامة؟
قصر القامة له تعريف طبي وله تعريف اجتماعي، أما طبيا فهو أن يكون مقياس الطول أقل من النسبة المئوية الثالثة لعمر الطفل وفقًا لجداول طبية تعرف باسم "مخططات النمو القياسية".

أحيانا نظن أن الطفل قصير بالنسبة لأبويه وإخوته، ولكن بقياسه يجد الطبيب أن طوله طبيعي على مقياس الطول.

* أسباب قصر القامة
الأسباب لقصر القامة متعددة؛ منها ما نستطيع التدخل لمنعه أو علاجه، ومنها ما ليس لنا فيه تدخل.

معظم الأطفال والمراهقين الذين يعانون من قصر القامة يأتون من عائلات تعرف بالقصر، أو لحدوث تأخر في النمو أثناء الحمل، وقد يحدث لأن طفرات نموهم جاءت متأخرة في وقت البلوغ.. ويمكن أن نجمع أهم أسباب قصر القامة في الآتي:
1- الوراثة والنمو
أهم وأكثر سبب للقصر هو الوراثة، فالأبوان القصيران (أحدهما أو كلاهما) من الطبيعي أن يكون أطفالهما قصار القامة في معظم – وليس كل – الأحوال، كما يمكن أن تأتي الوراثة أبعد من الأبوين كالجد والجدة والأخوال والأعمام.

كما قد يحدث قصر القامة نتيجة لتأخر طفرة النمو عند الأولاد أو للبلوغ المبكر عند الإناث.



2- الاضطرابات الوراثية
فى بعض الأحيان تحدث أمراض جينية وراثية يكون قصر القامة أحد أعراضها مثل:
- متلازمة ترنر لدى البنات.
- متلازمة برادر ويلي.
- متلازمة نونان.
- متلازمة راسل سيلفر.

3- الأمراض المزمنة
عندما يتعرض الطفل للمرض المزمن أو للأمراض العرضية بصفة شبه دائمة فإن ذلك يؤثر على نمو الطفل عامة، سواء الطول أو الوزن، وذلك لأن الطاقة والمغذيات التي يحتاجها الطفل للنمو تستنفد في المرض، وهذه أمثلة للأمراض التي تساهم في قصر القامة:
- أمراض العظام تساهم بنصيب كبير، ومنها مرض لين العظام الذي يؤثر – ليس فقط - على قوة العظام بل على طول الإنسان.
- أمراض الجهاز الهضمي وخاصة السيلياك.
- أمراض القلب والرئتين والروماتيزم.
- أمراض المناعة والأيض.

3- اضطرابات الغدد
يعتمد طول الإنسان ووقت البلوغ في المقام الأول على الهرمونات، ولذلك فإن قصر القامة كثيراً ما يكون أحد أعراض إضطراب الغدد الصماء.. ومن أمثلة ذلك:
- متلازمة كوشينغ.
- قصور الغدة الدرقية.
- نقص هرمون النمو: بالرغم من أن نقص هرمون النمو هو السبب الأشهر لقصر القامة إلا أنه في الواقع غير واسع الانتشار، ومن الخطأ أن يسرع الآباء أو الأطباء بإعطاء الطفل الهرمون دون النظر إلى الأسباب الأخرى.

كما لا بد أن يوازن الطبيب بين الفوائد والمضار قبل وصفه للطفل، فإذا تبين أن هناك بالفعل نقصا في هرمون النمو فلا مفر من أخذه عن طريق الحقن بالهرمون البديل، وإلا تأخر نمو الطفل على كافة الأصعدة.


4- العلاقة بين الصحة النفسية للأطفال وأطوالهم
ترتبط المشاكل الأسرية التي تحدث في مرحلة الطفولة المبكرة بطول أقل لهؤلاء الأطفال عن أقرانهم في المراحل العمرية نفسها وفي الكبر- مثل موت أحد الأبوين أو الطلاق أو كثرة المشاحنات.

ما زالت الأبحاث مستمرة لمعرفة السبب في ذلك؛ وهل ينتج عن ضعف إفراز هرمون النمو أم بسبب البلوغ المبكر لدى الإناث، أو تأخر البلوغ لدى الذكور، وكلها عوامل تؤدي إلى نقص الطول، ومع تحسن الأوضاع يتحسن مستوى النمو لدى هؤلاء الأطفال، ولكن يكمن الخطر في أنه إذا استمر التوتر لفترة طويلة، فقد يؤدي إلى إعاقة النمو بشكل دائم.

* دور الغذاء في طول الإنسان
يعاني سكان الدول الأقل ثراء من أحد أمرين:
- نقص التغذية الحاد، وينجم عنه ضعف الوزن.
- نقص التغذية المزمن، وينجم عنه قصر القامة، فإذا كثر نقص الطول في مجتمع معين فإنها إشارة واضحة إلى أن هذا المجتمع يعاني أفراده من نقص في الغذاء الصحي لفترات طويلة قد تمتد لأعوام.

يؤثر الغذاء بشكل كبير على طول الطفل، خاصة في العامين الأولين من عمره، ثم تقل قدرة تأثير الغذاء تدريجيا بعد ذلك، وإذا أقررنا بأنه لا يوجد غذاء بعينه يمكن أن يعالج قصر القامة إذا حدث، ولكن يمكن للغذاء أن يساهم بشكل فعال في الوقاية منه، خاصة مع عدم وجود أمراض أخرى.

يرتبط قصر القامة بنقص السعرات الكلية ونوعية الغذاء التي لا توفر احتياجات النمو، مثل البروتين وخاصة البروتين الحيواني، وكذلك عدم كفاية المتناول من الفيتامينات والأملاح المعدنية، خاصة الزنك، وفيتامين (أ) و(د) و(ج)، والحديد، والنحاس، واليود، والكالسيوم، والفوسفور والمغنزيوم.

فإذا حدث النقص لمدة طويلة من تلك المغذيات، تكون الأولوية أن يحافظ الجسم على وظائفه الأساسية، ويحدث ذلك على حساب نمو طول الطفل الذي يحتل المكانة الثانية في تلك الظروف.



* أيهما أقوى أثراً: الغذاء أم الوراثة؟
الإجابة المختصرة عن هذا السؤال هي أن حوالي 60 إلى 80% من الطول تحدده العوامل الوراثية، في حين يمكن أن يعزى 20 إلى 40% إلى التأثيرات البيئية، ولا سيما التغذية.

والسؤال هنا: هل أنت مستعد للاستغناء عن الـ20 إلى 40% من تأثير الغذاء؟
أظن أن الإجابة ستكون أن أي سنتيمتر يضاف إلى طول الطفل هو في الحقيقة مكسب يعتد به، ومثال بسيط: إذا كانت حسابات الطول المتوقع لطفل ما تؤهله أن يصل إلى 170 سنتم، ولكن لنقص الغذاء وصل فقط إلى 166 سنتم (مثلا).. ألا نحب أن يصل أولادنا إلى أقصى ما يستطيعون؟

* عوامل هامة لاكتساب الطول
1. طعام الأم الحامل
يؤثر غذاء الأم أثناء الحمل على طول أطفالها، لا بد للأم من تناول السعرات المناسبة للحمل مع الغذاء المتوازن الذي يحتوي على كمية مناسبة من البروتين والفيتامينات والمعادن، خاصة الكالسيوم والمغنزيوم والحديد وفيتامين (ج) و(أ)؛ فقد أشارت الدراسات إلى أن الكفاية من هذه المغذيات أثناء الحمل تؤثر إيجابيا على طول الأطفال.

2. طعام الطفل في أول عامين
لا بد من الاهتمام الجيد بغذاء الطفل في هذا السن، فنبدأ بالرضاعة الطبيعية أول 6 أشهر بدون أي أطعمة إضافية، ثم نبدأ بإدخال الطعام بالتدريج من سن 6 أشهر مع استمرار الرضاعة الطبيعية لمدة عامين.

التنوع أساسي في طعام الطفل مع الاهتمام بالخضروات والفاكهة والبروتين الحيواني، وقد أشارت بعض الأبحاث إلى أن تعديل السعرات والمحتوي في ذلك السن قد أدى إلى زيادة فعلية في أطوال الأطفال.

3. التغذية قبل البلوغ
عندما يعاني الطفل في مرحلة ما قبل البلوغ من سوء تغذية مزمن، فإن ذلك بلا شك سوف يؤثر على طوله النهائي، وعامة الذكور يصلون إلى أقصى طول في سن المراهقة المتأخرة، وفي حين تصل الفتيات إلى أقصى طول في منتصف فترة المراهقة، وبالتالي، فإن التغذية الكافية قبل البلوغ أمر حاسم بالنسبة للطول النهائي.



* أثر الغذاء في كثرة الإصابة بالأمراض
أثر آخر للغذاء على طول وسلامة البنية ألا وهو المناعة الجيدة؛ والمعادلة سهلة وواقعية، فقلة التغذية الجيدة كما ونوعا تؤدي إلى ضعف المناعة العامة، والذي يؤدي بدوره إلى كثرة الإصابة بالأمراض المُعدية، وهي من أسباب قصر القامة.. إذا فالتغذية هامة لسلامة البنيان وطوله.

* الوقاية والعلاج الغذائي لقصر القامة
لا شك أن الإنسان يحتاج إلى جميع المغذيات سواء الكبيرة أم الدقيقة للحصول على صحة قوية ومقاومة للأمراض، ولكن في ما يتعلق بالطول فإن هناك أطعمة أهم من غيرها لتحقيق أعلى طول يمكن أن يصل إليه الطفل تبعا لعرقه وأهله.. وعلى سبيل المثال:
1. البروتينات
هي من أهم ما يحتاجه الطفل والمراهق لزيادة الطول، فهي ضرورية لبناء العضلات والأنسجة والعظام، ويمكن أن يؤدي نقص البروتين إلى اضطرابات النمو مع انخفاض كتلة العضلات، ومن ثم يجب على الآباء التأكد من أن غذاء الطفل يحتوي ما يكفي من البروتينات مع الاهتمام بالأنواع الآتية:
- اللحوم الحمراء والأسماك والدواجن.
- البيض.
- ثم يأتي من بعدها في الأهمية البروتين النباتي مثل الفول والفاصوليا والبسلة واللوبيا.

2. المعادن والفيتامينات
أي نقص في المعادن أو الفيتامينات يمكن أن يؤثر سلباً على صحة الإنسان، ولكن في ما يتعلق بالطول فإن بعضها أهم من غيرها مثل:
- الكالسيوم ذو أهمية بالغة لأنه لا يدعم النمو فحسب، بل يجعل العظام قوية صلبة، ونجده في الألبان ومنتجاتها، مثل الزبادي والجبن والرائب.
- الحديد ونجده بوفرة في اللحوم الحمراء والكبد والأسماك والطيور، كما يوجد بدرجة أقل جودة في البقول والبنجر والخضروات الداكنة وعندها يحتاج إلى فيتامين ج لامتصاصه.
- المغنيسيوم في البذور والمكسرات والبقول والأعشاب البحرية والسمك.
- الفوسفور في اللحوم والدواجن والأسماك والمكسرات والفاصوليا ومنتجات الألبان.
- الزنك في المحار والمنتجات البحرية والمكسرات (خاصة الجوز البرازيلي) والبقول.
- اليود في المنتجات البحرية وملح الطعام المدعم واللبن.
- فيتامين (د) له دور حاسم لصحة العظام وبالتالي في طول الأطفال، هذا لأنه يساعد في امتصاص الكالسيوم في الجسم، وأفضل مصدر لهذا الفيتامين هو الشمس، ويوجد بكميات أقل في الأسماك الدهنية (التونا والسلمون والماكريل)، وصفار البيض، والكبد، والقشدة والحبوب.
- فيتامين أ وطليعة الفيتامين.. موجود في اللبن والقشدة والكبد والجزر والبطاطا والبيض والطماطم.
- فيتامين ب المركب (خاصة ب1 و2 وريبوفلافين) في الخميرة، والبيض، والكبد، والحبوب والبقول الكاملة.
- فيتامين ج في الخضروات والفاكهة الطازجة، مثل البرتقال واليوسفي والجوافة والفلفل الأحمر الرومي.

3. الكربوهيدرات: خاصة تلك الموجودة بالأطعمة الكاملة كالحبوب والبقول.


* تجنب الأطعمة التي تعيق النمو
في حين أن هناك أطعمة تساهم بشكل كبير في نمو الجسم والعظام واكتساب الطول، فهناك أطعمة أخرى تقوم بإعاقة الجسم عن النمو بعدة طرق:
- إما بالتأثير على الصحة العامة، إذ تستبدل الغذاء النافع.
- تساهم في تدهور المناعة.
- تؤثر في نمو وصحة العظام.
- تعيق امتصاص الأطعمة الأخرى.

تأتي على رأسها المشروبات الغازية التي تساهم بنصيب كبير في حدوث لين العظام وضعف نموها وقلة صلابتها، ويبدأ تأثيرها مبكرا إذا تناولتها الأم الحامل والمرضع لأنها تؤثر حينها على الجنين سلباً؛ فيولد الطفل وهو يحمل أسباب ضعف العظام بكامل الجسم.

كما ينبغي الحد من الإسراف في تناول السكر والعصائر المحلاة والملح والقهوة والدهون المهدرجة والمواد الحافظة والملونة.

كل هذه الأطعمة تعرف باسم مثبطات الكالسيوم، والتي يمكن أن تؤثر على امتصاص الكالسيوم في الجسم بطريقة سلبية.



* الغذاء والرياضة
الغذاء والرياضة يسيران يداً بيد لتعزيز النمو، ولذلك فإن لعب الطفل في الهواء الطلق ليس فقط يساعده ليحصل على فيتامين (د) بل يزيد من قوة العظام وبناء العضلات ويحسن المناعة، وكل ذلك في النهاية يؤدي إلى صحة جيدة وجسم ممشوق.
آخر تعديل بتاريخ 26 يناير 2019

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية