يتكون جسم الإنسان من الأعضاء والأجهزة التي تتكون من أنسجة إما عصبية أو عضلية أو جلدية... إلخ، وهذه الأنسجة تتكون من خلايا بداخلها نواة تحمل 46 كروموسوما وتحمل هذه الكروموسومات الجينات الوراثية "الموروثات"، وعددها في كل نواة ما بين 30 ألفا إلى 50 ألف جين.

* الغذاء والجينات
أي خلل في تكوين هذه الجينات الوراثية ينتج عنه مرض معين؛ فكثير من الأمراض الخطيرة سببها خلل في تكوين الجينات الوراثية التي تتكون من الحمض النووي "DNA". ولقد أجريت العديد من الدراسات لتحديد تأثير الغذاء السلبي والإيجابي على أجهزتنا الحيوية قبل وقوع المرض، وذلك من خلال دراسة تفاعل الأغذية المختلفة مع جينات محددة للحد من أحتمالية وقوع الأمراض المزمنة كالضغط والسكر وأمراض القلب والسمنة والسرطان.

ويستلزم هذا الأمر معرفة خارطة الجينات والبصمة الجينية (الجينوم البشري) الذي من خلاله يتم تحديد المبنى الأساسي لجينات الشخص، لتتبين العلاقة ما بين المشاكل الصحية وتفاعل الجسم مع الأغذية. أي أنه إذا استطعنا معرفة تحديد العلاقة بين الرسائل الجينية التي يتلقاها جسم الإنسان وجميع الجزيئات التي تشكل عملية الأيض والتي تشمل عملية حرق الجسم للسعرات الحرارية أو تخزينها، فيمكن أن نغير بشكل جذري كيفية تفاعل الغذاء مع الجسم وفقدان الوزن والحد من وقوع أمراض مزمنة.

وقد أجريت دراسة في ألمانيا عن الوجبات السريعة والمشروبات والأطعمة الصناعية، فوجدوا أنها بالفعل تلعب دوراً في تغيير الصفات الوراثية لدى البشر، بسبب التغيرات الجينية التي تُحدثها تلك المأكولات.



* علم الموروثات الغذائية
يشمل علم الموروثات الغذائية (Nutrigenomics) تفاعلات معروفة بين الغذاء والجينات، ومن أمثلة ذلك:
- بيلة الفينيل كيتون يوريا (Phenylketonuria (PKU
وهو اضطراب وراثي يزيد من مستويات الحمض الأميني فنيل آلانين، والذي يتم الحصول عليه من النظام الغذائي، وهو يحدث بسبب تغيير (طفرة) في جين واحد.. لذا يجب على الأفراد المتضررين تجنب الأغذية التي تحتوي على الحمض الأميني فينيل آلانين مثل البيض والحليب وبعض المحليات الصناعية حتى لا يتراكم الفينيل آلانين إلى مستويات ضارة في الجسم، مما يسبب الإعاقة الذهنية وغيرها من المشاكل الصحية الخطيرة.

- عدم تحمّل اللاكتوز (سكر الحليب) أو الحساسية للاكتوز
والتي تنتشر بشكل واسع لدى غالبية البالغين، وهذا يعني أنهم لا يستطيعون هضم منتجات الألبان، لأن الجين المسؤول عن تصنيع اللاكتاز، وهو الإنزيم الذي يكسر اللاكتوز، عادة ما يتم إيقافه بعد الفطام.

- العقم والخصوبة 
في دراسة أجراها سينغ وجايسوال (2011) في الهند، والتي شملت 179 رجلا يعانون من العقم، خاصة في الكروموزوم X و200 رجل خصب، وجد أن مكملات حمض الفوليك، وفيتامين B12 والزنك لها تأثير إيجابي على عدد الحيوانات المنوية والحركة.

والخلاصة أن العديد من المغذيات منفردة ومتجمعة تلعب دورا في التحكم في طور النسخ للجينات "الموروثات"، ولاشك أن التوصل إلى مزيد من المعلومات حول تأثير المغذيات على أطوار التعبير الجيني، وتأثير الجينات نفسها على استخدام المغذيات سيضيف عوامل جديدة إلى جداول تحديد الاحتياجات اليومية الضرورية للجسم من المغذيات المختلفة ضمانا لوقايتنا من خطر التعرض للإصابة بالأمراض.



* هل لفحص الجينات والخارطة الجينية دور في المساعدة على نزول الوزن؟
مع تزايد حدوث البدانة والأمراض المزمنة مثل مرض السكري من النوع 2، قد يكون للمورثات الغذائية دور شاف فى المستقبل.

وبحسب ما نشر في مجلة New York Post، فإن المستقبل مبشر فى مجال حلول مشكلة السمنة، بفضل النظام الغذائي المعروف بـ"حمية DNA" أو رجيم الجينات، والذى يعتمد على فحص الجينات والتركيز على الجينات التى تلعب دورا فى زيادة الوزن واكتسابه، ويعمل الفحص على تزويدنا بمعلومات حول الجينات المتعلقة بعملية الأيض، وامتصاص الدهون، وبالتالى تحديد تأثير المواد الغذائية، والمساعدة فى بناء نظام غذائى خاص لكل حالة، وقد وجدت العديد من الدراسات أن اتباع نظام غذائي مصمم خصيصاً بحسب الخارطة الجينية بالفعل قد يكون له تأثير إيجابي.

ففي دراسة أجرتها جامعة ستانفورد (Stanford University) تبين أن المشاركين الذين اتبعوا نظاما غذائيا مبنيا على أساس الجينات قد خسروا ما يقارب 5.3% من أوزانهم، بالمقارنة مع من اتبعوا نظاما غذائيا غير مرتبط بنتائج الجينات، والذين خسروا ما يقارب 2.3% من وزن جسمهم.

وقد صرح باحثون في تقرير نشر في مجلة Obesity أنه وبحلول عام 2020، سيتم إيجاد نظم غذائية محددة لكل إنسان بحسب خارطته الجينية، وستساعد على إنقاص وزنه، حتى لو كان مستعصى، ولم ينجح في تنزيله باعتماد الأنظمة الغذائية التقليدية والمجربة. وأضافوا في التقرير أنه على الرغم من أن أساس الجينات المتعلقة بالسمنة وبمكونات الجسم تكون منشأة بالأصل، إلا أن الدراسات على الأسرة والتوائم أثبتت وجود أدلة على أن بنية الجينات لكل شخص قد تلعب دوراً كبيراً في تحديد استجابة وزن الجسم للنقصان أو الزيادة فيه.

في السنوات الأخيرة، قام العلماء بخطوات واسعة في هذا المجال، وربطت الحمض النووي وطبيعة الشفرة الوراثية بموضوع نزول الوزن. ويعتقد البرفسور مولي براي Molly Bray، وهو متخصص في علم الوراثة وبرفسور في علوم التغذية في جامعة تكساس في أوستن، أنه وفي غضون سنوات قليلة من الآن، سيبدأ الناس في استخدام بيانات تمزج ما بين الجينات والسلوكيات للأفراد، لتطوير حميات تساهم في نزول وزنهم.

إلا أنه من الضروري أن ننبه إلى أن اتباع حمية خارطة الجينات وحدها لن يساهم في نزول الوزن وخسارته من دون ممارسة للنشاط البدني، ولكن مثل هذه الحميات يمكن أن تعطي أملاً للأشخاص في إيجاد حلول فعالة تحسّن من عاداتهم وطبيعة الأغذية التي يتناولونها فتساهم في فقدان الوزن وفي فترة زمنية قصيرة.



* الغذاء وسلامة الجينات
من متابعة الدراسات الحديثة التي نشرتها المجلة العلمية "التغذية اليوم" وجد أن فيتامين "هـ" يؤثر على جميع الجينات بنشاطه الواقي من أضرار الشوارد الحرة على المادة الوراثية للحمض النووي "DNA".

كما وجد أن الثيامين "فيتامين ب 1" يؤثر أيضا على جميع الجينات من ناحية اعتباره جزءا من تركيب مادة الثينابيد بيروفوسفات التي تلعب دورا في إمداد الطاقة الحيوية للجسم.

ووجد أيضا أن فيتامين الريبو فلافـين "فيتامين ب 2" يؤثر على جميع الجينات من ناحية اعتباره جزءا من تركيب المادة الحيوية فلافين أدينين دي نكلوتيد التي تلعب دورا رئيسيا في إنتاج مركب الطاقة الحيوي المهم للجسم أدينوزين تراي فوسفات.

بالإضافة إلى هذه المغذيات وجد أن فيتامين النياسين يؤثر على جميع الجينات من ناحية اعتباره جزءا من تركيب نكوتينا ميدادنين داي نكلوتيد، وبالتالي فهو يلعب دوراً في إنتاج مركب الطاقة الحيوية المهم للجسم أدينـوزين تراي فوسفات.

ووجد أن فيتامين "ب 6" يؤثر على جميع الجينات بنشاطه المرتبط بتصنيع البيورين والبريمين في الجسم، وهي القواعد الأزوتية التي تدخل في تكوين الأحماض النووية.

وباستعراض التركيب المغذي لأهم المواد الغذائية التي تعتبر مصادر جيدة لهذه الفيتامينات الخمسة ذات التأثير المهم على جميع جينات الجسم، فإن أفضل الأغذية التي يجب الاهتمام بتناولها في الوجبات لضمان حصول الجسم على الفيتامينات المؤثرة على الجينات تتضمن:
- أولا: كبد بقري أو كبد دجاج، وهي تعطي الفيتامينات الخمسة المطلوبة.
- ثانيا: بليلة "قمح بالحليب" مع الموز، حيث تعطي البليلة أربعة فيتامينات "هـ - ب1 - ب 2 - نياسين"، ويعطي الموز "فيتامن ب 6".
ثالثا: سمك ماكريل أو سمك سالمون، وعدس؛ حيث يعطي الماكريل أو السالمون ثلاثة فيتامينات هي "هـ - نياسين - ب6" ويعطي العدس فيتامين «ب1 - ب2».
رابعا: فول سوداني وزبادي ومشمش مجفف وطحينة.. حيث يعطي الفول السوداني فيتامين «هـ - نياسين»، وتعطي الطحينة فيتامين «ب 1»، ويعطي الزبادي فيتامين «ب 2»، ويعطي المشمش المجفف فيتامين «ب6».



* تأثير السكريات على الجينات
عند تناول الأغذية الغنية بالسكريات كالجلوكوز والفركتوز يقوم الكبد بتحويلها إلى دهون، والزيادة في إنتاج الدهون تؤدي إلى إيقاف الجين المتحكم بالهرمونات الجنسية، وتحديداً الإستروجين والتسترون.

وفي دراسة أُجريت أثبتت أن تعطيل هذا الجين بسبب الأكل مرتفع السكريات يؤدي إلى زيادة كمية الهرمونات الجنسية وبالتالي زيادة حب الشباب، والعقم، وسرطان الرحم عند النساء المصابات بالسمنة.

* تأثير السيلينيوم على الجينات
السيلينيوم هو أحد العناصر المهمة، التي تنتمي لفئة الأملاح المعدنية، ويعتبر السيلينيوم من مضادات الأكسدة القوية، التي تساند الكثير من العمليات الحيوية في الجسم، خصوصاً إن ترافق السيلينيوم مع فيتامين هـ.

ويتواجد عنصر السيلينيوم في الحبوب الكاملة، المكسرات، البروكلى، البصل، الثوم والمأكولات البحرية.

أثبتت عدة دراسات سابقة أن الغذاء الغني بالسيلينيوم كالقرنبيط والبروكلي يقلل من احتمالية إصابة الشخص بسرطان البروستاتا وسرطان القولون، وذلك من خلال تنشيط بعض الجينات التى تقوم بتقليل الجهد المؤدى لتكوين الخلايا السرطانية.

وفي دراسة أخرى أجريت على رجال معرضين للإصابة بسرطان البروستاتا تم إطعامهم 400 جرام من القرنبيط لمدة سنة، فلاحظ العلماء وجود تغير في التعبير الجيني يؤدي إلى تقليل خطر الإصابة بسرطان البروستاتا. في المقابل لا يعطي الغذاء الغني بالقرنبيط النتيجة ذاتها عند جميع الناس، فالأشخاص الذين يمتلكون نوع معين من الجينات يعرف باسم (GSTM1 genotype) يؤدي بذاته إلى تسرطن البروستاتا.



* تأثير الجنيستين على الجينات
جينيستين هو بوليفينول موجود في فول الصويا وغيرها من النباتات، ويقوم الجينستين بوظائف عديدة ومهمة في الطرق البيوكيميائية، وأيضاً في وظائف الخلايا الحية.
وأثبتت دراسة أن الجنيستين يعمل على تنشيط وتثبيط جينات تؤدى إلى وفاة خلايا الثدى المتسرطنة وتقلل من نموها.

* تأثير الفينولات المتعددة على الجينات
الفينولات المتعددة موجودة في العديد من الأطعمة، مثل الفواكه والخضار والمكسرات. أوضحت عدة دراسات أن الفينولات المتعددة لها تأثير على نسخ لجينات تمنع نمو الأورام، وتثبيط لجينات تؤدى إلى نشر الأورام من مكان لآخر.

* النتائج والخلاصات
- التغذية لها الدور الأهم في التأثير على صحة الإنسان.
- الغذاء يؤثر على التعبير الجيني إما من خلال تأثيره على النسخ، أو بإحداث تغير في التركيب.
- يجب تجنب الوجبات السريعة والمشروبات والأطعمة الصناعية لأنها تلعب دورا في تغيير الصفات الوراثية لدى البشر بسبب التغيرات الجينية التي تُحدثها تلك المأكولات.
- لكل إنسان خارطته الجينية التى تساعد على إنقاص وزنه.
- إن اتباع حمية خارطة الجينات وحدها لن يساهم في نزول الوزن وخسارته من دون ممارسة للنشاط البدني.
- يجب الاهتمام بتناول الوجبات التى تحتوى على الفيتامينات، خاصة فيتامين هـ، وفيتامين ب، والتى لها تأثير إيجابى على الجينات.
- تجنب الأغذية الغنية بالسكريات كالجلوكوز والفركتوز.
- الاهتمام بتناول الخضروات والفاكهة والمكسرات لما لها من تأثير إيجابى على الجينات التى تمنع نمو وانتشار الخلايا السرطانية.
آخر تعديل بتاريخ 16 أغسطس 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • المعاهد الصحية الأمريكية