السؤال: السلام عليكم، مشكلتي ترهقني كثيراً ألا وهي الحب، في السابق خضت تجربتي حب إحداهما حب من طرف واحد، أودت بي لمشاكل نفسية (محاولة الانتحار مرتين) ومشاكل عائلية، أما الثانية وفاة خطيبي مما تسبب لي بانتكاسة، أنا الآن فتاة لم تعد تثق بالحب ولم أعد أعرف وأفهم مشاعري، معظم صداقاتي مع الجنس الذكري لأني أجد الثقة والتفاني وعدم الخبث من جهتهم، أما من جهة الحب والعاطفة تختفي جميع هذه الأحاسيس وتراودني أفكار سيئة ووساوس، تقدم لخطبتي العديد فكان ردي الرفض، بسبب أفكار في رأسي: قد يكون غير مناسب، قد يضطهدني، قد لا أحبه، ربما أجد أفضل منه، وفي بعض الأحيان أقوم بحسابات عقلية حول وضعه المادي، وعلاقتي مع أهله و و و، أرجوكم والله لقد تعبت جداً شبه محطمة، أرجو المساعدة، والسلام عليكم.
الابنة الكريمة راضية؛

أهلا وسهلا بك يا ابنتي، سأبوح لك بسر سيهمك جدا، ألا وهو أننا كمتخصصين حين نجد شخصا يكرر شيئا ما يؤذيه، ويؤذي من حوله، وفي نفس الوقت يشعر هذا الشخص بأنه مستاء من مشاعره وأفكاره؛ نعلم بالضرورة رغم تكرار أحداث سيئة معه؛ أنه في الغالب المسؤول الأكبر في ما يحدث معه.

وكأني أريد أن أقول: إنك تحتاجين لمراجعة نفسك في رؤية مسؤوليتك الأولى في وجود مشاعرك وأفكارك المتعبة، والمؤذية!

انظري معي كيف تشعرين ثم تفكرين وسترين؛ أنت كنت في علاقة حب مع شخص لم يحالفك فيها التوفيق لسبب أو ﻵخر، كم فتاة وقعت في نفس مشكلتك تماما ولم تقبل على الانتحار ليس مرة، بل مرتين؟ من هو الشخص - مهما أحببناه - الذي يستحق غيابه أن أنهي حياتي؟

وجاء الشخص الثاني، وتوفاه الله الذي خلقني وخلقك، والذي يقرر موعد الوفاة وقتما يشاء لمن يشاء، فكانت النتيجة رغم مرارة الألم وحرقة الفقدان؛ أن تكفري بالحب نفسه، وتصدقي أنك لن تجديه، وتشككي في أمره حتى إن وجد.

فما هي العلاقة أولا بين كل تلك المشاعر المؤلمة وبين وفاة خطيبك؟؟ وثانيا ألم تجدي من توفي خطيبها قبل أن يحدث ذلك معك، أو بعده؟؟، فلماذا في كل مرة تتعرضين لتجارب مؤلمة يمر بها آخرون تختارين أسوأ المشاعر، وأسوأ الأفكار لتلتصقي بها.

أنا لا أنكر أنه من الطبيعي، بل من حقك أن تشعري بألم الفراق والانفصال عمن تحبين وتهوين مشاركته حياتك؟ ولكن أدعوك إلى أن تري ما "لا ترينه"؛ فاندفاع مشاعرك نحو إيذاء نفسك طوال الوقت حاضرة، حتى وأنت تجلسين مع أشخاص يتقدمون لمشاركتك حياتهم رغبة في القرب منك.

الحقيقة أنك تحتاجين للتواصل مع متخصص نفسي يقوم معك بخطوات تساعدك في علاج أفكارك، وفهم مشاعرك، وعلاقتك بذاتك أصلا قبل الآخرين، وحتى تفعلي ذلك سأترك لك عدة نقاط أدعوك لمراجعتها واستيعابها، بل وتصديقها؛ ﻷن فيها نجاتك من معاناتك فعلا:

- الحب أجمل مشاعر يفرح بها قلب الإنسان، وتنتعش بها نفسه، ولكن حين يكون الحب من طرف واحد فهو ليس حبا، وإنما يصبح استنزافا للمشاعر؛ فالحب حتى يصبح حبا يحتاج لأن تكون المشاعر والاحتياج لها متبادلان بين الشخصين هما لا غيرهما.

- الحب مشاعر مهمة جدا لي ولك، ولكل البشر، وبدونه تصبح الحياة قاسية، وبلا مذاق ممتع لها مهما أنجزنا ونجحنا في حياتنا العملية، والدراسية، ولكن الحب على رونقه وجماله يحتمل الفراق، ويحتمل حرية طرفيه، ويحتمل ألوانا من المشاعر المختلفة داخل العلاقة نفسها؛ غضب، ألم، مسافات تقترب وتبتعد، إلخ، وهذا يختلف تماما عن "التعلق"؛ ففي التعلق يختفي الحب الحقيقي، وإن قلناه بألسنتنا وتخيلنا وجوده بداخلنا؛ ﻷن التعلق فيه طرف يلتصق بشدة في الطرف الآخر، يشعر أنه يريد أن يستحوذ على كل وقته، ولا يحتمل وجود علاقات من الحب متنوعة في حياة الطرف الآخر، كحبه لأهله، أصدقائه، جيرانه، كتبه، إلخ، وفي التعلق تكون علاقته بالطرف الثاني علاقة حياة، أو موت لو حدث فراق، أما في الحب فإن المحبين يتألمون ويتجرعون لوعة الفراق، والفقد ولكنهم بعد التجربة بفترة تقصر أو تطول يستطيعون إكمال مشوار الحياة، ويتذوقون حلاوتها، ويحبون ثانية، أما التعلق فلا يأتي مع الفراق فيه سوى الرغبة في الموت كما فعلت أنت.

- الحب لا يعيش مع الشك، ولا يعيش مع الخوف، وإنما يقتلانه ببطء.

-لا نستطيع أن نحب بصدق ما لم نبدأ بالأصل، والأصل هو نحن، فلن تشعري بحب صادق وحقيقي وناضج ما لم تحبي نفسك حبا صادقا حقيقيا ناضجا أولا؛ وكلما بعدنا عن الأصل تحولت احتياجاتنا إلى أنس، أو لقبول، أو أن نشعر بأننا نستحق الحب والاهتمام لوهم أننا نحب، بينما حقيقة القصة احتياجات لم نحصل عليها من أهلنا وممن يهموننا، ولكن حين ظهرت في شخص تصورنا حبه، فلتحبي نفسك حتى تستطيعي أن تحبي آخر حبا حقيقيا خاليا من الوهم، أو التعلق.

وأكرر ثانية.. تواصلي مع متخصص نفسي ليساعدك على استيعاب تلك النقاط، وخصوصا اندفاعاتك الوجدانية، أو أي اضطرابات وجدانية؛ ﻷن بعض الاضطرابات تظهر بوضوح في سن قبل سنك بسنوات قليلة، والتي بدأت فعلا معها علاقات الحب والارتباط، ليتأكد، أو ينفي هذا.

وأضيف حتمية تواصلك الفوري مع متخصص إذا كانت الأفكار الانتحارية والرغبة في إيذاء النفس ما زالت تراودك.

دمت طيبة.. محبة لنفسك وقريبة منها.

 
آخر تعديل بتاريخ 12 فبراير 2016

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية