السؤال:
عندما كنت طفلة.. كنت أحب والدي جدا.. وكنت أصاب بالمرض عند سفره بحكم العمل.. منذ أصبحت في الإعدادية وخصوصا الثانوية بدأت أشعر بعكس هذا الشعور، وكان وقتها أمي حكت لي عن خيانته لها، ودائما أرى مجرد عيوب والدي أمامي.. أشعر بالغضب والحزن وعدم التقدير له.. كنت أتمنى أبا ينصحني ويشجعني ويتحدث معي.. أنا أشعر أنه يحبني، ولكن أشعر أنه يحس بتغير حبي وعدم تقديري له أيضا..  لم يقل لي أحبك أو يشعرني بأي مشاعر أبوه من قبل.. دائما أشعر أنه مقصر، وأنه لم يؤدي واجبه نحونا كما ينبغي.. أريد حل.. أشعر بذنب عظيم.. ولا أعيش بنفس متصالحة
أهلاً بك يا سهى،
قبل أن أحدثك عن بعض الاقتراحات، أحب أولاً أن أحدثك عن بعض الحقائق النفسية التي قد تكون غائبة عنك يا ابنتي؛ فنحن جميعاً حين نولد صغاراً نحتاج:
- لمن يقدم لنا الحب دون أن ندفع له ثمناً كالطاعة، أو النظام، أو التفوق، أو التشبه بمن حولنا.
- ونحتاج لمن يهتم بنا لا فقط في المأكل، والمشرب، والتعليم، والصحة، ولكن نحتاج للاهتمام بمشاعرنا، وطريقة تفكيرنا، وما نحمله من معتقدات، ومخاوف، وألم، وغضب.
- ونحتاج لمن "يسمعنا".
- ونحتاج لمن يشجعنا، ويرانا كما خلقنا الله تعالى، ويجتهد معنا في التعلم من أخطائنا، وفشلنا، وضعفنا.



كلنا نكون هذا الإنسان حين نولد؛ فنشبع من "تصديق" أننا نستحق الحب، ونستحق كل شيء جيد، ونطمئن لوجود آخر نأنس به في رحلة حياتنا التي ستحتاج لشجاعة، ومثابرة، وحركة؛ حتى لو لم يكن الشخص ذاته على مدار العمر؛ فيكفي أننا نتمكن من فعل ذلك، ونصدق فيه، ولن يحدث ذلك إلا إذا تمت خطوة الإشباع تلك أولاً، فإن لم تحدث بما يكفي الإنسان - وهنا نختلف في ما بيننا بناءً على عوامل كثيرة جداً يطول شرحها - لا يحدث الاستقرار العام النفسي الذي يجعلنا نتمكن من الحركة في الحياة حين نشبع.

وبالمناسبة، افتقادنا لتلك الحاجات قد يعود لأسباب ترجع لمن من المتوقع منهم تقديمها لنا كالوالدين، أو بسبب وجود حساسية نفسية زائدة لدينا فيحدث "تعطل" بدرجة ما في حركتنا في الحياة حتى لو لم نتعطل في دراستنا، أو عملنا مثلاً، ولكن نتعطل على مستوى الاستقرار في المشاعر فيكون هناك أزمة ما أو عدم راحة، أو نتعطل في العلاقات مثلاً، أو نتعطل في السلوكات.. إلخ.



ويحدث وسط هذا التعطل الجزئي أو الكلي في بعض الأحيان، أن يتوقف الإنسان نفسياً عند مرحلة الصغر من داخله، بسبب حاجاته التي لم يشبع منها لأي سبب، حتى وإن مرت سنوات العمر من الخارج، ويكون الحل وقتها هو العودة لاستكشاف الحاجات التي لم تشبع للحصول عليها؛ ليكتمل نضجنا من الداخل، ونتمكن من الحركة دون تعطل.

والحقيقة أنك ما زلت هناك يا ابنتي عند سهى الصغيرة التي تحتاج للائتناس بأبيها، والنهل من قبوله لها، وحبه لها غير المشروط، ولعل لديك حاجات من والدتك لم تحصلي عليها بعد، وحتى لا أطيل عليك يمكنني أن أقترح عليكِ أموراً في شكل نقاط لتتفهميها:
- حاجاتنا هي حقوقنا التي لم نتعلم أنها حقوق لنا، والحق يؤخذ ولا ننتظر من أحد أن يهبه لنا.
- أكبر حاجاتك هي أن يصلك حب، واهتمام والدك بك، وأن يراك، وأن يهتم بمشاعرك، ومخاوفك، وأن تكوني معه في علاقة أبوية، وهذا حقك. ولكن، هذا الحق معطل لسببين كبيرين جداً أولهما: أنه يبدو أنه لم يتدرب منذ صغره على التعبير عن مشاعره، أو مواجهتها، وثانيهما: أنه قد حدث خطأ كبير حين اطلعت عليه كزوج، لا كأب من وجهة نظر زوجته، وهذه التصرفات غير الناضجة، التي فيها تتشابك الأدوار، أو تتبدل - الابنة الأم/ الصديقة الابنة، أو نرى جزءاً فقط من الحقيقة يحدث تشوه لصورة الشخص بداخلنا؛ فأمك زوجة، فحين تشتكي من زوجها وخصوصاً الخيانة، فالشخص المناسب هو صديقة مقربة، أو زوجها نفسه، أو متخصص ليصحح معها مسار العلاقة، أما أن تتحدث مع ابنته عن خيانته فهو أمر محفوف بالمخاطر، والآثار السلبية. وقد نجد بالطبع العذر في عدم قدرتها على التفرقة بين كونه زوجها، وكونه أباك في الوقت نفسه. ولكن وجود هذا الوعي مهم جداً، ناهيك عن أنه قد وصلك جزء من القصة وليست كلها؛ فلو لم تعِ والدتك بعد أن هناك سبباً جعله يدخل علاقة مع أخرى تخصّ خللاً ما في علاقتها به كإنسانة، أو في الجزء الجنسي؛ فستتبنين أنت موقفها حتماً دون أن تري مثلها مشكلته الجنسية معها مثلاً، أو خللاً ما يخص علاقته بها، أو خللاً يحتاج هو لمعالجته، لذا أقترح عليكِ أن توقفي تماماً سماعك لتلك الأمور؛ لأنك ببساطة لا ترين كامل أبعادها، وليس لك دور في حل مثل هذه الأمور، إلا أنها ستقف حائلاً بينك وبين والدك.


- لا تتصوري أنك فقط من يحتاج لعلاقة معه، ولكن هو مثلك تماماً، ولكن ما تعود عليه، أو مرّ به في حياته، أو ما يكون قد وصله منك دون كلام؛ يجعله صامتاً أفضل؛ فاستجمعي شجاعتك، وتحدثي معه في ما تعانين، واسمحي لنفسك أن تجددي رؤيتك له بعينك أنت، وتأكدي أن لغة الحاجة بعيداً عن اللوم، أو العتاب هي التي تُجدي نفعاً حقيقياً، فلو نظرت للفارق بين جملتين تهدفان للهدف نفسه، ولكن ما يصل منهما لمن أمامك هو حقيقة ما يؤثر ستجدين عجباً؛ فيمكنك أن تقولي له مثلاً.. أنت ظلمتني، وطول عمرك بعيد، ومابقتش بحترمك زي زمان، أو ليه بتعمل كده؟.. أو مثلاً يمكنك أن تقولي.. محتاجة أتكلم معاك في حاجة تهمني.. محتاجة تبقى جنبي يا بابا.. عاوزاك تسأل علي أكتر من كده.. هذا الفرق هو الذي يحرك أخذ حاجاتك بسلاسة، والمهم ألا تقومي بتلك الخطوة الهامة إلا إذا تحررت من غضبك أولاً، أو رأيت ما قلته حقيقة، وخذي وقتك.
- المبادرة لا تكون دائماً من الأكبر للأصغر، ولكن أحياناً تكون العكس فالمهم أن يبادر من لديه وعي لمن لا يملك هذا الوعي.
- قد تجدين قلقاً، أو غضباً من والدتك إن حاولت إعادة العلاقة مع والدك بشكلها الطبيعي، وهنا ستحتاجين لأن تعبري لها عن حاجتك لأب بعيداً عن علاقتهما كزوجين، لأنك لا تملكين ببساطة حل المشكلة التي لم تحلها هي معه، ولن يجوز أن تدفعي أنت ثمن تضحيتها من وجهة نظرها بالبقاء معه، وأن هذا يؤثر على نفسيتك، وهذا لا يعني إطلاقاً أنك لا تقدرين ألمها، ولكن هناك من يتمكن من حل تلك المشكلات بشكل متخصص؛ فاقترحي عليها تلك الخطوة بحب وودّ، وحسم في الوقت نفسه.



أخيراً.. إن لم تتمكني من فعل ذلك وحدك، فلا تترددي في طلب مساعدة متخصصة تساعدك في القيام بتلك الأمور بتدرج، وبطرق متخصصة.
آخر تعديل بتاريخ 8 نوفمبر 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الوطنية الأمريكية