تغطية خاصة لفيروس كورونا

تغطية خاصة لفيروس كورونا

الرضاعة الطبيعية مفتاح صحة الطفل وتوازنه

هذا الأسبوع هو أسبوع الرضاعة الطبيعية، وبهذه المناسبة أجد أنه من الضروري تكرار الحقائق الأكثر وضوحًا؛ فالرضيع الذي يرضع من ثدي أمه لا يتلقى فقط وجبة طعام، ولكن الأم ووليدها يتشاركان بشكل مكثف في حوار ديناميكي ثنائي الاتجاه، ويحدث في هذا الحوار تفاعلات بدنية وكيميائية وهرمونية ونفسية اجتماعية، مما يؤدي لانتقال المغذيات الضرورية للغاية للطفل، وكذلك لبناء رابطة نفسية اجتماعية دائمة بين الأم ورضيعها.



أهم احتياجات الطفل في سنواته الأولى هو احتياجه للشعور بالأمان، وشعوره بالأمان يأتي من التصاقة بأمه؛ فهو لا يعرف غيرها، يعرف رائحتها وصوتها والحنان في لمساتها وصوت دقات قلبها، وفي الرحم كان محمولا ومحاطا بها، ومتصلا بها بحبل سري يمده بالغذاء ويمده أيضا بشعور الأمان فهو في حضن ورحم الأم.

ثم تأتي صدمة الولادة Birth trauma، وهي صدمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. تشبه صدمة طرد سيدنا آدم من الجنة.. فجأة يجد الطفل نفسه محاطاً بانقباضات قوية تدفعه، وأيد غريبة تتلقفه.. وأخطر ما في هذه الصدمة انفصاله عن أمه مصدر أمانه.. بخروجه من الرحم وانقطاع الحبل السري الذي يربطه بها.

حدوث صدمة الولادة وما يتلوها من صدمات في مواجهة الحياة هو أمر مهم جدا لسواء الطفل النفسي، فنحن لا نريد طفلا لينا طريا لا يستطيع أن يواجه صدمات ومصاعب الحياة، ولكننا في نفس الوقت لا نريد أن ننشئ طفلا شديد الصلابة ينكسر أمام الصدمات.. كل ما نطمح إليه أن يتمتع الطفل بالمرونة والمتانة النفسية Psychological resilience مما يعزز فرص الحياة الأقرب للسواء نفسيا وعقليا وبدنيا وروحيا.



صدمات ومصاعب وضغوط الحياة أمر لا مفر منه، فالحياة اشبه بالبحر؛ يهدأ سطحه أحياناً، ويضطرب سطحه اضطرابا متفاوت الشدة في أحيان أخرى، وفي مواجهة اضطرابات الحياة فإننا نحتاج للمرونة النفسية، ولن أدخل في التعريف العلمي للمرونة النفسية، ولكنني شأشرحها ببساطة وفقا للمثال السابق.. فإذا كانت الحياة مثل البحر ونحن نسبح فيها فإننا نحتاج أن نتعلم أن نرتاح ونستجم ونعيد بناء وترتيب ما تلف بداخلنا ونتزود بالطاقة وقت هدوء البحر، حتى إذا جاءت النوة كنا أقدر على الوقوف بصلابة أمامها وحشد كل الطاقات من أجل النجاة بأنفسنا.

الطبيعي والصحي أن نمتلك المرونة التي تمكننا من أن نهدأ ونسترخي في أوقات الرخاء والهدوء النسبي، وهي الأوقات التي يتم تنظيمها من خلال الجهاز العصبي البارسمبثاوي، وأن نحشد كل طاقتنا للمواجهة أو الهروب من الخطر في أوقات الخطر، وهذه اللحظات يتم تنظيمها من خلال الجهاز العصبي السبمثاوي، وفي هذه اللحظات توجه كل طاقة الجسم إما للمواجهة أو الدفاع أو للهرب، ولا تتوافر الطاقة للبناء والاستمتاع والأنشطة الترفيهية ولا توجد طاقة لتجديد خلايا الجسم وأنسجته.



هذا هو الوضع الطبيعي أو الوضع المأمول، أما الوضع غير الطبيعي فهو أن أعيش في حالة تهديد دائم.. وأن أوجه كل طاقتي الداخلية إما للهروب أو للمواجهة أو الدفاع.. أن أكون دوما مستعدا للحرب أو للنوة القادمة.. وهذا بالطبع يشكل عبئا رهيبا على كل مكونات الإنسان.. على جسمه ونفسه وعقله وروحه.

وحتى يستطيع الإنسان أن يعيش هذه الحالة الأقرب للسواء فإنه يحتاج لآلية لتنظيم النفس self regulation، ويشير العلماء لوجود هذه الآلية في كل طفل، ولكنها تحتاج لتفعيل حتى لا تتعطل، لأن الصدمات المتكررة تؤدي لتعطلها، والاتصال الآمن بالأم في سنوات الطفل الأولى يعيد تشغيلها وتفعيلها، فعندما تحمل الأم وليدها في حنان، وتقربه من صدرها، ثم تلقمه ثديها ويبدأ في المص.. عمليه المص هذه بما فيها من متعة وأمان، وبما يصاحبها من إنطلاق هرمونات وإطلاق إشارات عصبية.. وبما يصاحبها من لمسات حنونة ونظرات عطوفة.. كل هذا يرسل أهم رسالة يحتاجها الطفل وهي أنك في أمان، وأن علاقتك بأمك مصدر الأمان لك لم تنقطع.. فقد أبدلك الله بثديين بدلا من الحبل السري، وبعلاقة آمنة مع الأم حتى يشتد عودك وترغب في الانفصال عنها.. هذا الاتصال وهذه الرسالة تحافظ على كفاءة عمل جهاز التنظيم الذاتي وتعيد تشغيله إن كان به عطل.



ومن كل ما سبق يمكننا أن نستنج هذه الخلاصات الهامة والتي أثبتتها الأبحاث المتعددة:
1. للرضاعة الطبيعية وظائف متعددة تضمن الصحة والسواء الجسدي والنفسي والعقلي والروحي للطفل.
2. الرضاعة الطبيعية توفر للطفل واحداً من أهم احتياجاته النفسية وهو احتياج الشعور بالأمان من خلال الالتصاق بالأم.
3. الرضاعة الطبيعية تحفظ سلامة الجسد من خلال إعادة التوازن بين الجهاز العصبي السمبثاوي والباراسمبثاوي، ويعرف المجتمع الطبي خطورة فقد هذا التوزان على كل أجهزة الجسم ومن أهمها الجهاز الدوري والقلب، والجهاز المناعي.
4. الرضاعة الطبيعية تساعد على تحسين النضج الوجداني وتحسين السواء النفسي للطفل من خلال الحفاظ على فعالية آلية تنظيم الذات.
5. الرضاعة الطبيعية تساهم في تحسين الوظائف الإدراكية والمعرفية للطفل، كما تساهم في تطوير المهارات اللغوية.


وغني عن القول أن فعالية الرضاعة الطبيعية تتأثر بالصحة النفسية والجسدية للأم، ومن ثم فعليك أن لا تقصري في حق نفسك، وأن تسعي بكل الطرق للوصول لحالة من الهدوء النفسي من خلال استخدام التقنيات المختلفة للتعامل مع الضغوط، ومن خلال التخفف من المسؤوليات وقائمة المهام التي لا تنتهي، وعليك أن تركزي فقط على الضروري والضروري جدا.. فكل مهمة لا تساوي شيئاً إذا وضعت في كفة وفي الكفة الثانية صحة وسلامة طفلك.

وعلى المحيطين بالأم - وبالطبع أهمهم الزوج - أن يقوموا بدورهم في مهمة رضاعة الطفل، فإن الزوج وإن كان لا يرضع، ولكن بإمكانه أن يوفر لزوجته وطفله المناخ الملائم والبيئة المواتية لرضاعة طبيعية آمنة، بما يضمن صحة وسواء ابنائه في كل مراحل حياتهم.




المصادر:
The esoteric function of breast feeding, Gerda Boyesen

Breastfeeding Is a Dynamic Biological Process—Not Simply a Meal at the Breast

آخر تعديل بتاريخ 5 أغسطس 2018

إقرأ أيضاً

استشارة الطبيب

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك

لتحصل على إجابة استشارتك، ننصحك بالتالي:

  • ابحث أولا في المواد المنشورة على موقعنا عن إجابة لسؤالك.
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • اكتب سؤالك باللغة العربية.
الحد الأقصى للسؤال 500 حرف
سيتم إظهار الاسم والسؤال عند النشر
اشترك بالنشرة البريدية

شركاؤنا

  • مؤسسة مايو كلينك
  • المعاهد الصحية الأمريكية